
«رحلة شغل إسكندرية؟! إزاي؟! دي قايلة للعيال حاجة ولتانيين حاجة تانية خالص.. الشقة في المعادي كانت فاضية ومافيهاش لقمة عيش، والعيال كانوا لوحدهم تماماً!»
منى بدموع وخوف:
«والله ما أعرف حاجة يا زياد.. طب ابني وأنا جاية لكم حالاً على المستشفى.. اسأل يمكن سابت حاجة في الشقة، أو حد من أصحابها يعرف طريقها!»
قفل زياد السليفون وبص قدامه بذهول.
القصة أكبر بكتير من مجرد إهمال أو خروج عابر.. رنا اختفت فعلاً، والسبب غامض ومريب، وكل خيط كان بيقوده لحقيقة مرعبة أكتر من اللي قبلها.
بس بص لولاده الاتنين.. حمزة اللي نايم على الكرسي جنب أخوه بتعب، وسلمى اللي بتتنفس بانتظام تحت المحلول.. وقال لنفسه بحزم:
«مش هيهمني أي حاجة في الدنيا.. المهم ولدي وبنتي دلوقتي في حضني، ومهما كانت الحقيقة، هجيبها لو كلفني الأمر عمري كله.»
القلب دق بقوة ووقف في زور زياد. صوته… الصوت ده مش غريب، بس هو مش قادر يفتكره دلوقتي وسط هوسة الأفكار اللي بتضرب في دماغه.
بسرعة البرق، خَبى الورقة في جيبه، والتفت بعين صقر يدور على أي مخرج تاني في الاوضة، بس مفيش غير باب الشقة اللي برة، والصوت بيقرب أكتر.. خطوات تقيلة ورا بعضها، وبعدها صوت طقطقة أوكرة باب الشقة بتتحرك ببطء!
«مين جوة؟!» جه الصوت من برة، جِش وغليظ، وصاحبه بيزق الباب اللي كان مردود أصلاً، ففتح على الآخر.
زياد ما استناش لحظة واحدة؛ رمى نفسه ورا دولاب أوضة النوم الكبير، وكان باصص من فتحة صغيرة بين الدولاب والحيطة. مسك في إيده فازة صغيرة كانت على الكومودينو كإنه مستعد يضرب بيها لو حد دخل عليه.
الباب اتفتح على الآخر، ودخل شخصين بيلبسوا جاكيتات سوداء وكاب مخبي نص وشهم. واحد منهم بص حواليه بقرف وقال بصوت واطي:
«البت دي شكلها هربت وسابت الشقة.. بس الزفت اللي اسمه زياد ده ممكن يكون جه ورا العيال.. فتشوا كل حتة كويس.»
التاني قرب من سرير رنا، وبدأ يقلب في الدولاب وينثر الهدوم بعنف، لحد ما عينه وقعت على الموبايل القديم اللي رنا كانت نسياه جوة الدرج التاني.
«لقيته! معاها تليفونها القديم.. يمكن نلاقي عليه الرسائل اللي بتدور عليها البيه الأكبر.»
الأول ضحك بتهكم:
«مش مهم الموبايل.. الأهم إننا نلاقي الفلاشة اللي معها.. لو البت دي فتحت بقها بحرف واحد، المعلم هيخلص عليها وعلى عيالها كمان.»
الكلمة دي نزلت على ودن زياد زي الصاعقة. “يخلص عليها وعلى عيالها كمان!”.. يعني الموضوع مش مجرد اختفاء أو هرب، دي مأساة أكبر بكتير، وشبكة إجرامية أو ناس ببتزها بسبب حاجة معاها (الفلاشة!).
دمه اتحرق وعروقه كادت تنفجر من الغضب والخوف على عياله اللي في المستشفى. لو الناس دي تعرف إن حمزة وسلمى في المستشفى، ممكن يروحوا لهم هناك! الفكرة دي لوحدها خلت الرعب يسري في كل مفصل في جسمه.
الراجلين فضلوا يدوروا في الشقة شوية كمان، لحد ما واحد منهم قال:
«تعال نطلع.. شكل مفيش حد هنا، والبوليس ممكن يكون في السكة لو العيال بلغوا.. بس عسّ كويس على المستشفى، لأنهم غالباً هناك مع أبوهم.»
سمع صوت خطواتهم بتتحرك برة الشقة، وبعدين صوت قفل الباب وهما خارجين.
زياد استنى دقايق طويلة، كأنه بيموت ويرجع يحيا، لحد ما اتأكد تماماً إن الشقة بقت فاضية، وخارج من ورا الدولاب وهو بينهج بصعوبة.
طلع الورقة من جيبه تاني وبص عليها بتركيز: اسم الفندق في العين السخنة.. والجملة اللي كتبتھا برعب: (لو جوني.. محدش يفتح، وخلي بالك من الكاميرات).
«العين السخنة.. والفلاشة.. والناس دي!» قالها زياد بصوت مسطول من الصدمة.
بس فجأة، فاق على كابوس أكبر بكتير.. “المستشفى!”
قال بصوت عالي مفزوع: «منى والعيال! لو الناس دي عرفوا إنهم في المستشفى، هيروحوا وراهم!»
رمى الورقة في جيبه، وطلع يجري من الشقة كالمجنون، نزل الدرج طيران وركب عربيته، وداس بنزين لآخر قطرة، وسايق بأقصى سرعة ممكنة متجهاً للمستشفى، وعينه على الطريق وعقله طاير مع عياله.. يا رب الحقهم قبل ما يوصلوا لهم!
#حكايات_شروق_خالد
دوس بنزين العربية بكل قوته، وعينيه على الطريق اللي كان فاضي وخالي في تالي الليل، وقلبه بيدق بجنون مع كل ثانية بتعدي. كان بيكلم نفسه بصوت عالي كأنه بيطمن روحه:
«يا رب استرها.. يا رب ألحقهم.. لو قربوا من حمزة وسلمى هقتلهم!»
العربية كانت بتطير على طريق السويس المؤدي للقاهرة، وكل فكرة بتيجي في دماغه كانت أبشع من اللي قبلها. رنا فين؟ وإيه حكاية الفلاشة دي؟ ومين الناس اللي بتدور عليها؟ أسئلة كتير بتخبط في رأسه، بس الأولوية الوحيدة دلوقتي هي الولاد ومنى.
بعد وقت حسّه كأنه دهور، ظهرت قدامه أنوار مستشفى الأطفال من بعيد.
عجل العربية فرمل بقوة قدام باب الطوارئ، ونزل وهو بيتنفس بسرعة، ودخل تجري على جوه كأنه مجنون، باحث بعينيه في الممر الطويل عن أوضة سلمى.
وصل قدام الأوضة، ولقى الباب مردود نص مردة.
قلبه وقف في زوره، ودخل الأوضة برعب وهلع:
«حمزة! سلمى!»
شاف منى قاعدة على الكرسي متمسكة بحمزة اللي كان بيعيط بصوت واطي، وسلمى لسه نايمة على السرير بتتنفس بانتظام. أول ما شافوا زياد، منى قامت تجري عليه وهي بتترعش:
«يا زياد! كنت فين؟ كنت مرعوبة عليك.. فيه ناس شكلهم غريب سألوا علينا برة!»
زياد اتجمد مكانه، ودمه كأنه تجمد في عروقه:
«ناس مين؟! سألوا عن إيه؟»
حمزة مسك في طرف بنطلون أبوه وبص له بعيون مليانة دموع:
«يا بابا.. جه راجلين لابسين أسود، وقفوا قدام الباب وسألوا الممرضة عن أسماء الأطفال اللي دخلوا الطوارئ من شوية.. ولما الممرضة شكت فيهم وسألتهم هما مين، مشيوا بسرعة!»
زياد حس إن الأرض بتلف بيه، وبص لمنى وقال بصوت مهزوز من الخوف والغضب:
«ده معناه إنهم عرفوا مكاننا.. لازم نمشي من هنا حالاً! المستشفى مبقتش أمان!»
«هناخذ العيال ونروح فين يا زياد؟» قالتها منى وهي بتعيط من شدة الخوف.
«على القسم.. مفيش مكان آمن لينا غير البوليس!»
في ثواني معدودة، شال زياد سلمى وهي نايمة ولفها كويس بالبطانية، ومسك إيد حمزة التانية بقوة، وطلعوا من المستشفى ركبوا العربية وداسوا بنزين على أقرب قسم شرطة في القاهرة.
جو جوه مكتب مباحث القسم كان مليان توتر. زياد كان واقف قدام مكتب الضابط وهو بيحكي كل كلمة حصلت بالترتيب، وطلع الورقة اللي جابها من الشقة وكمان الموبايل القديم اللي لقاه هناك.
الضابط بص للورقة والاسم المكتوب عليها، وبص لزياد بجدية:
«العين السخنة.. وفندق مقطوع التغطية؟ والفلاشة اللي بيدوروا عليها دي يبقى وراها بلاوي.. اطمن يا سي زياد، رجالة المباحث تحركوا حالا، وبلغنا نقطة العين السخنة عشان يحاصروا الفندق ده، وأنت ارتاح مع أولادك هنا في حراسة القسم لحد ما نجيب طليقتك والحقيقة تبان.»
زياد حس بشوية راحة دخلت قلبه، وبص لعياله اللي كانوا قاعدين نايمين على الكنبة جوه المكتب، وقعد جنبهم، وحضنهم الاثنين لصدره جامد، وقال بصوت هامس:
«خلاص يا حبايبي.. محدش هيقدر يقرب منكم تاني.. بابا هنا ومش هسيبكم أبداً.»
بعد خمس ساعات، وفي طلوع الفجر، دخل الضابط المكتب وابتسامة نصر على وشك:
«الحمد لله يا سي زياد.. مأمورية العين السخنة نجحت، حاصرنا الفندق وقبضنا على العصابة اللي كانت متبعة المدام رنا وبتضغط عليها عشان تسلمهم الفلاشة اللي سرقتها من شغلها.. ورنا الحمد لله سليمة وفي طريقها للقسم دلوقتي!»



