روايات وقصص

شبح الفانوس الأزرق ج1 حكايات شروق خالد

الساعة تلاتة وستاتاشر دقيقة الفجر، دخل واحد غريب متألم لحد القهوة بتاعتي في وسط البلد—اللي كانت فاضية تقريباً—وطلب قهوة بكل برود وكأن الخطر ده ميعاد تاني وتأخر عليه. وبعد نص ساعة، كان فيه أربعة رجالة أشداء محاصرين المكان كله، والأداة اللي هتحدد إذا كنا هنكمل ولا نتوقف… ركد ورا حذائي بالظبط.

اسمي مريم، وكنت شغالُه لوحدي في الوردية الليلية بـ “قهوة الفانوس الأزرق” لما ظهر. المكان كان ريحته قهوة محروقة وصينية ليمون بايظة، ولمبات النيون المزعجة بتزغزغ فوق الكنب الجلد المقطع اللي شكله عصر على أيامه عقود طويلة.

الراجل كان شكله غلط في غلط وهو قاعد هناك.

معطفه الفحمي مظبوط عالفرازة، حذاؤه بلمع، والساعة الفضية اللي في معصمه تجيب أكتر بكتير من اللي قبضته طول سنين عمري. بس ولا حاجة من دي قدرت تخبي الأثر اللي كان عمال ينتشر بين صوابعه المكبوسة بعنف على جنبه.

سألته: “المساعدة؟”

“لا.”

“الجهات؟”

رفع عينه في عيني: “لا.”

“شيخ أو مأذون؟”

“لسا بدري.”

الرد ده كان المفروض يخليني أخلع وأسيبه، بس ساعتها عرفت شكله. أدهم الألفي ده اسم أي حد في مصر تقريباً عارفه، حتى لو العاقل بيوطي صوته وهو بيجيب سيرته.

“شركة الألفي للشحن” كانت ممتلكة مخازن وفنادق وشركات أمن في مصر كلها، بس الكلام كان بيقول إن إمبراطوريته الحقيقية أوسع بكتير من أي رخصة تجارية. الصحف كانت بتنقي حروفها بالميزان وهي بتكتب عنه، وهنا فهمت ليه واحد متألم زيه هارب من الجهات والمساعدة.

كل غريزة جويا كانت بتصرخ فيا عشان أطلب المساعدة 123.

وبدل ما أعمل كده، حطيت شوية ثلج في فوطة نظيفة وحدفتها ليه على الطاولة وقلت له: “معاك عشرين دقيقة وتخبط الباب في ظهرك وأنت طالع.”

تقريبًا ابتسم.

وبعد نص ساعة، النور العالي بتاع العربية مسح وشاز الزجاج بتاع القهوة.

عربية دفع رباعي سوداء وقفت تحت يافطة “الفانوس الأزرق”، ونزل منها أربعة رجالة. ولحظة ما دخلوا، الجو جوة القهوة اتغير بطريقة تخلي صوت الثلاجة القديمة اللي ورايا يعمل زروطة فظيعة ويبقى عالي فوق العادة.

الزعيم بتاعهم كان لابس معطف بلون جملي. ولما لمح أدهم بيتألم في آخر ترابيزة، ابتسم زي اللي لقى الكنز اللي كان بيدور عليه.

وبعدين نقل عينه عليا.

بص لي باحتقار بطيء، وكأن عقله استقر على إن بنت غلبانة شغالُه لوحدها قبل الفجر بشوية مستحيل تمثل أي خطر. وقال: “روحي استخبى يا حلوة.”

شددت إيدي على حرف الترابيزة، بس ما تحركتش من مكاني.

أدهم اتكلم وصوته نزل درجة في البرودة أكتر من اللي سمعته طول الليل: “سيبها في حالها يا كمال.”

ابتسامة كمال وسعت أكتر: “الحركة دي عمري ما عملناها ووقفنا.”

الموضوع دخل دماغي زي الصاعقة.

دول مش جايين يصفوا حسابهم مع أدهم لوحدهم.

دول ناوين يتعاملوا معايا أنا كمان.

كمال رفع أداته، وأدهم حاول يمد إيده تحت معطفه، بس الجنب المتألم خلاه أبطأ بالثواني. صوت ضربة قوية فرقعت جوة القهوة هزت المكان، والصمت اتقطع بينما أدهم اترد لورا والأثر ظهر من دراعه.

الأداة وقعت من إيده.

خبط في البلاط، ودور تحت كرسي، وفضل يتزحلق على الأرض لحد ما استقر صلب وبارد قدام جزمة رجلي.

كمال بص لي وضحك بسخرية: “الشاهدة مبلولة من الضعف ومش قادرة تتحرك.”

لثانية واحدة، فضلت باصة لتحت على الأداة ودقات قلبي بتخبط في طُبلة وداني كأنها طبول.

أربع سنة بحالها عدت من آخر مرة مسكت فيها أداة وضربت ضربة.

بس أربع سنة ما كانتش كفاية عشان أنسى الصنعة.

عيني طلعت على كمال وهو بيضغط على الأداة، وببطء شديد، وطيت عشان ألقط أداة أدهم.

”

حكايات شروق خالد

نزلنا نعدي من باب البدروم الضيق اللي بيطلع على الحارة الخلفية للقهوة، والريحة تحت كانت صعبة؛ رطوبة وكرتون قديم، بس كانت طوق النجاة.

“امشي ورايا من غير صوت، الباب ده بيطلع على شارع جانبي مقطوع، عربيتي التانية متبركنة هناك.” أدهم قالها وهو ضاغط بإيده التانية على جنبه والأثر بيسيل بين صوابعه بصمت.

بصيت له وأنا ماشية وراه بأداتي جاهزة، وقلبي بيدق بس مش خوف… ده إحساس غريب بالصحوة، كأن جسمي افتكر لوحده إزاي يتعامل مع المواقف دي.

طلعنا من باب البدروم الضيق للشارع المظلم، والهوا الساقع خبط في وشنا. العربية كانت مركونة في الظل؛ عربية سيدان سوداء فخمة ومفيمة بالكامل. أدهم فتح الباب بالريموت بسرعة، ودخلنا وقفلنا على طول.

دور الموتور وعينيه متثبتة على المراية الشمال وهو بيتحرك بحذر شديد عشان ما يلفتش نظر رجالة كمال اللي اكيد منتشرين في المنطقة.

“إنتِ إزاي كده؟” أدهم كسر الصمت وهو بيبص لي بطرف عينه والنور الخافت بتاع التابلوه ضارب في وشكلي، وباس إيده اللي بتتألم ودارس الموقف بذكاء. “واحدة شغالُه في قهوة في وسط البلد تطلع أداة وتجيب كمال في كتفه من أول ضربة؟ دي حركة مش بيعملها غير ناس…”

“غير ناس كانوا عارفين اللعبة دي كويس زمان، يا بشمهندس أدهم” قطعته وأنا بعمر أداتي تاني وبحطه على رجلي. “مش كل اللي بيشتغلوا في الشغلانات البسيطة بيكون ده أصلهم.”

بص لي باستغراب، وسكت لحظة قبل ما يبتسم ابتسامة وجع: “شكل ليلتنا دي لسه في أولها يا مريم… والظاهر إنك مش مجرد شاهدة زي ما كمال كان فاكر.”

“كمال والناس اللي زيه هيدوروا علينا في كل حتة في مصر يا أدهم، وخصوصاً بعد اللي حصل ورا البار.” قلتها وأنا ببص قدامنا في الشارع المظلم. “افتكر إني حذرتك.”

أدهم داس بنزين والعربية انطلقت في هدوء الليل: “طالما بقينا في نفس المركب يا مريم… يبقى مفيش رجوع.”

“لو عايزة تكملي وتعرفي إيه اللي جمع مريم بأدهم وإيه سر الماضي القديم اللي ظهر فجأة،

حكايات شروق خالد

ضربة تانية ضربت طفايات الحريق اللي فوق البار وفرّت الغبار في وشي، بس إيدي كانت أسرع.

أول ما أصابعي صكت على مقبض الأداة، الدنيا حواليا هدت فجأة. الخوف اللي كان مرعش ركبي طار، وزي صاعقة قديمة صحت فيا، حسيت بروح القديم رجعت.. الشغلانة اللي كنت فاكرة إني أخفيتها ونسيت مكان اختفائها من سنين.

رفعت إيدي شمال ويسار في ثانية، ومن غير ما أفكر، سحبت الأداة وأنا قاعدة على ركبتي.

ضـربـة رِشّـت في كمال قبل ما يلحق يخلص ضغطته الثانية. الضربة استقرت في كتفه وخلته يرجع لورا خطوتين وهو بيصرخ بصدمة: “إنتِ… مين إنتِ يا بنت الـ…”

الباقي من الرجالة الثلاثة اتصدموا. مكنوش حاسبين حساب إن البنت الغلبانة اللي ورا البار هتقلب ماهرة في ثانية.

أدهم وهو ماسك جنبه وبيكتم الأثر، بص لي وعينيه مفتوحة على الآخر من الخضة، بس لحق يزعق بصوت مقطوع: “الباب الجانبي! هيدخلوا من المطبخ!”

من غير ولا كلمة، رميت نفسي للأرض ورا البار ووجهت الضربات في اتجاه الباب الخلفي للمطبخ أول ما اللوك بتاعه اتحرك. صوت ضرباتهم كان بيخبط في الحوائط ويكسّر الكوبايات والأطباق، لكنني كنت متحكمه في الزاوية أحسن منهم بكتير.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى