روايات وقصص

شبح الخوف ج3

الخط اتقفل في وش ياسين.

الدم اتجمد في عروقه. بص لمحمود وتوفيق بعيون مشتعلة غضب وخوف.

— ندى…

محمود مسكه من كتفه بذهول:

— في إيه يا ياسين؟! ندى جرالها إيه؟!

ياسين زق إيد محمود وصرخ وهو بيجري ناحية العربية:

— ندى اتخطفت! اللي جابنا هنا كان بيثبتنا عشان ياخدها من الشقة!

توفيق صرخ وراهم وهو بيشاور بعكازه:

— يا غبي! ده مش تار أبوك، ده الشخص اللي خد فلوس أبوك زمان ورجع يقفل كل الأفواه!

بس ياسين ما سمعش بقية الكلام. دار عربية محمود وطلع بيها بأقصى سرعة، ومحمود جنب منه مش فاهم حاجة وبيحاول يطلب رقمي، بس التليفون كان بيدي غير متاح.

في الوقت ده..

كنت قاعدة في الشقة، ماسكة كوباية شاي بحاول أهدي أعصابي، لحد ما سمعت صوت حركة بره الباب. افتكرت ياسين رجع، قمت بسرعة وقربت من الباب:

— ياسين؟

محدش رد. بس كان في صوت خبط خفيف كأن حد بيحاول يفتح الباب بسلك أو أداة. قلبي بدأ يدق بجنون. افتكرت كلام ياسين: “ما تفتحيش لأي حد مهما كان”.

رجعت بظهري لورا، وسحبت الموبايل من على الترابيزة عشان أتصل بياسين، بس قبل ما ألحق أطلب الرقم، الباب اتزق بقوة وصوت الترباس اتكسر!

دخل راجل ضخم لابس أسود، ومعاه راجل تاني. صرخت ورميت الموبايل في وش الأولاني، بس الثاني مسكني بسرعة وغطى فمي. حاولت أقاوم، بس الريحة الغريبة اللي كانت في القماشة خلت جسمي يتقل بالتدريج، وعيني تغبش.. لحد ما كل حاجة اسودت.

لما ياسين ومحمود وصلوا الشقة، لقوا الباب مكسور ومفتوح على البحري. ياسين دخل يجروا جوه وهو بيصرخ باسمي:

— ندى! ندى!

المكان كان فاضي. الكوباية مكسورة على الأرض، والموبايل بتاعي مرمي تحت الكنبة. ياسين جثا على ركبه ومسك الموبايل، وعينيه اتملت دموع وعجز.

محمود وقف وراه ومسك راسه بإيديه الاثنين:

— أنا السبب.. أنا لو ما كنتش جيت معاك وسبناها لوحدها…

ياسين قام وقف فجأة. الخوف اللي كان في عينيه تحول لحاجة ثانية خالص.. تحول لشرار.

— مش وقت ندم يا محمود.

بص للموبايل، ولقى رسالة جديدة وصلت على تليفونه من نفس الرقم:

«الشقة القديمة.. شقة أبوك اللي اتولدت فيها. قدامك نص ساعة.. لو بلغت الشرطة أو جيت بمعارف، مش هتشوفها تاني.»

ياسين بص لمحمود وقال بصوت حاسم وثابت:

— المعركة دي مش بتاعت أبويا ولا بتاعت الماضي.. دي معركتي أنا.. والمرة دي مش هسمح لحد ياخد مني حاجة تاني.

سحب مفاتيح العربية، وخرج يجري، ومحمود وراه.

العربية كانت بتطير بينا في شوارع القاهرة.. ياسين كان ضاغط على بنزين العربية لأخره، عينيه مثبّتة على الطريق وجبينه بينضح عرق، وإيديه قافلة على الدركسيون لدرجة إن عُقل صوابعه ابيضّت.

محمود كان جنبه بيحاول يكلم حد من معارفه في المباحث بسرعة ومن غير ما يلفت نظر الخاطفين، بس ياسين زق إيده وقال بصوت مكتوم زي جمر النار:

— أنا قلت مفيش بوليس يا محمود.. الراجل ده مش بيهزر، ولو حسّ إن في خطر على نفسه، مش هيتردد إنه يؤذي ندى.

— بس يا ياسين، الشقة القديمة مقفولة من سنين ومفيش حد فيها! مين اللي ممكن يكون هناك؟

ياسين بص لقدامه بنظرة حادة:

— الشخص اللي عين أبويا حارس على السر طول السنين دي.. المحامي القديم بتاع العيلة، صلاح.

محمود اتصدم:

— صلاح؟! ده الراجل اللي كان بيخلص كل أوراق أبويا وكان يعتبر دراعه اليمين!

— أيوه.. وصلاح هو الوحيد اللي كان مع أبويا وتوفيق يوم الحادثة، وهو الوحيد اللي مستفيد إن السر يفضل مدفون للأبد عشان الورث والأملاك اللي استولى عليها بصفته الوكيل القانوني.

في الوقت ده..

بدأت أفتح عيني ببطء. دماغي كانت بتتقل وبتلف، وحاسة بتنميل في جسمي كله. لقيت نفسي متكتفة على كرسي خشب في صالة شقة قديمة، ريحة التراب والرطوبة ماليين المكان، والشمس داخلة من الشيش المكسور بالعافية.

قدامي كان واقف راجل ستيني، لابس بدلة قديمة بس شكلها غالي، ومسك سجارة بيولعها بهدوء يرعب. حاولت أصرخ بس كان في رباط على بوقي.

قرب مني وابتسم ابتسامة ميتة:

— اهدي يا مدام ندى.. مش حابب أؤذيكي، إنتِ مالكيش ذنب. إنتِ بس الطُعم اللي هيجيب ياسين لحد هنا.

حاولت أتحرك وأفك إيدي، بس التربيط كان جامد. كمل الراجل وطفى السجارة في طفاية رخام قديمة على الترابيزة:

— ياسين عاش طول عمره فاكر إنه مجرم ومجنون.. وكان لازم يفضل فاكر كده عشان يفضل بعيد عن أملاك أبوه اللي أنا أخدتها بحق وحقيق. بس التسجيل اللي محمود جابه، والاتصال بتاع توفيق.. بوّظوا كل ترتيباتي.

صوت فرامل العربية رن في الحارة القديمة. ياسين ومحمود نزلوا يجرو على العمارة. السلم كان ضلمة ومظلم، وخطواتهم كانت بترن بثقل.

وصلوا للدور الثالث.. باب الشقة القديمة كان موارب خفيف.

محمود مسك ذراع ياسين بوهن:

— استنى.. ممكن يكون حاطط حد جوه أو معاه سلاح.

ياسين زق إيد محمود بهدوء، بس كان فيه ثبات غريب اتولد جواه.. نفس الثبات اللي كان خايف منه طول عمره، بس المرة دي كان بيستخدمه عشان يحمي مش عشان يؤذي.

— خليك ورايا يا محمود.

ياسين دفع الباب بقوة فانفتح..

— صلاااح!

صوته هز أركان الشقة القديمة. أول ما سمعت صوته، قلبي دق بقوة وحاولت أتحرك وأعمل صوت.

طلع صلاح من الصالة الداخلية وهو ماسك أداة تهديد في إيده، وكان حاطط إيده الثانية على كتافي وهو واقف ورايا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى