
اسمى دينا.
كان عندي ثمانية وخمسين سنة، وقضيت اثنين وعشرين سنة شغالها جرسونة في مطعم على الطريق السريع برة مدينة السويس.
كنت عارفة اسم كل زبون دائم، وفاكرة قهوته بيشربها إزاي، وبشتغل ورديات طولها اثنا عشر ساعة من غير ولا كلمة اعتراض.
كنت قاعدة لوحدي في بيت إيجار، وببعت جزء من كل قبض لأختي في الصعيد، اللي كانت بتصارع مرض السرطان.
مكناش محوشين مليم. ولا لينا قرايب أغنياء. ولا حد يقدر ينقذنا لو الدنيا باظت.
لحد يوم تلات مطير، لما اديت عجوزة بردانة فنجان قهوة وحتة فطيرة تفاح.
المدير طردني قدام أربعين زبون.
وما كانش عنده فكرة أم مين دي اللي ساعدتها.
وبعدها بيومين، الصوت اللي طلع برة بيتي جمد الدم في عروقي.
طول سنين شغلي، المطعم ده كان مكان محترم.
صاحبنا القديم، عم الحاج، كان بيؤمن إن الجعان يستحق الرحمة.
لو واحد ماعهوش حق الفطور، كان يقوله: “ادفع المرة الجاية”.
لحد ما عم الحاج مات، وعياله باعوا المطعم لشركة استثمارية.
وهنا ظهر بهجت.
بهجت كان عنده واحد وتلاتين سنة، بيلبس قمصان غالية، وبيبص لكل عامل على أنه حرامي محتمل.
ركب تسع كاميرات مراقبة.
وقال بكل غرور: “أنا شايف كل حاجة”.
قطع مياه القهوة المجانية، وبقى يحاسب على كل منديل ناقص، وفي مرة هان عم صابر، زبوننا العجوز، عشان جنيهين.
كنت بكرز من اللي المطعم وصل له.
بس كنت محتاجة المرتب.
فسكت.
لحد يوم العاصفة.
المطر كان بيخبط في السقف صباح اليوم ده.
وعلى الظهر، كانت كل الترابيزات مليانة.
وهنا دخلت ست عجوزة، بتترعش تحت بالطو رمادي مبلول.
شعرها الأبيض لازق على جبينها.
كانت هتموت من التعب.
قلت لها وأنا بمد لها فوطة: “تعالي يا حاجة اقعدي”.
قالت بصوت واطي: “عربيتي اتعطلت.. وكنت ماشية في المطر ده كله”.
ساعدتها تقعد على البار.
“أجيبلك إيه؟”
فتحت محفظة صغيرة قديمة.
ثلاث ورقات بخمسين جنيه وشوية فكة.
“قهوة بس، من فضلك”.
بس لاحظت عينها اللي باصة على صينية فطيرة التفاح.
في نظرتها حاجة فكرتني بأمي.
قربت منها أكتر.
“بقولك ايه يا ست الكل، عندنا فطيرة زيادة النهاردة، إيه رأيك في حتة على حساب المحل؟”
عنيها وسعت من المفاجأة.
“متأكدة يا بنتي؟”
“طبعاً يا ست الكل”.
سخنت حتة محترمة، وحطيت عليها بولة آيس كريم، وحطيتها جنب القهوة.
مسكت إيدي وقالت: “ربنا يجازيكِ كل خير”.
ابتسمت لها.
“ده مجرد أكل يا ست الكل”.
ما كنتش أعرف إن بهجت قاعد بيراقب الكاميرات.
بعد دقايق، دخل الصالة زي القطر.
“يا دينا!”
كل الكلام وقف في الصالة.
زق التابلت في وشي.
“فسري لي ده إيه!”
على الشاشة كان فيه فيديو وأنا بقدم الفطيرة للست العجوزة.
قلت: “ما كانش معاها حق الفطور”.
“يعني سرقة مال الشركة؟”
بطني وجعتني.
“يا بهجت دي حتة فطيرة!”
“دي سرقة عيني عينك!”
أربعين زبون لفوا وبصوا علينا.
همست: “من فضلك.. ممكن نتكلم في أودتنا؟”
ابتسم بمزاج: “لا والله.. اقلعي المريلة.. أنتِ مطرودة”.
ما كنتش قادرة أخد نفسي.
“بعد اثنين وعشرين سنة خدمة؟”
“اتفضلي برة”.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك المريلة.
فكرت في الإيجار.
وفي مصاريف علاج أختي.
وكل حاجة بنيتها وتعبت فيها.
بهجت فتح الباب.
وطلعت في المطر الغزير.
وبعدين مسك المريلة ورماها في الشارع.
وقعت في بركة طين.
وططيت أجيبها قدام أربعين غريب كانوا باصين من الشباك.
ومن ورايا، بهجت كان بيضحك.
روحت بيتي وأنا بعيط.
بالليل، قعدت على ترابيزة المطبخ بفكر إزاي هعيش وأكمل.
الصبح بدري، غسلت المريلة القديمة بتاعتي.
مكنش عندي تفسير ليه عملت كده.
يمكن عشان اثنين وعشرين سنة من عمري يستاهلوا أحسن بكتير من إنهم يتربوا في الطين.
وعلى يوم الخميس الصبح، كنت قررت أدور على شغل تاني.
عملت قهوة وقعدت جنب الشباك.
وفجأة سمعت صوت.
جعجعة بعيدة.
في الأول افتكرت عاصفة تانية جاية في السكة.
بس السما كانت صافية وزرقاء.
الصوت كان بيعلا.
فنجان القهوة بتاعي بدأ يخبط في الطبق بتاعه.
والشبابيك هزت.
قمت وقفت.
دي ما كانتش عربيات نقل.
دي كانت موتوسيكلات.
عشرات منها.
جريت على شباك الشارع، وقلبي بيدق جامد.
ومع أول صوت لموتوسيكل قرب من الشارع بتاعي، ما كنتش أعرف خالص إن الست العجوزة اللي ساعدتها من يومين ليها علاقة بالرجالة اللي جايين على بيتي دول.
ولا إن بهجت على وشك إنه يعرف إيه اللي عمله بسبب قسوته.
#حكايات_شروق_خالد
طُردت نادلة بعد 22 عامًا من العمل لإعطائها القهوة والفطيرة لامرأة مسنة عاجزة—لم يعلم مديرها القاسي أنها والدة أحد أعضاء عصابة “ملائكة جهنم”.
الصوت برة الشارع كان بيعلى بشكل يخلّي الواحد يحس إن الأرض بتترتج تحته.
بصيت من الشباك، وشوفت العجب. عشرات الموتوسيكلات الهارلي الكبيرة السودا بتملى الشارع الضيق، وعاملة دوشة تخلي الحجر ينطق. راكبينها رجالة أضخم من الجبل، لابسين جاكيتات جلد سودا عليها شعارات وسلاسل، وشعرهم طويل وذقونهم كثيفة.
وقفوا قدام بيتي بالضبط، والكلب بتاع عم متولي الجار كان بيجـري وراهم وهو بيلهث من الخوف.
قلبي دق بسرعة، وكنت لسه هرجع لورا من الرعب، لما شوفت أول واحد نزل من على أكبر موتوسيكل.
راجل ضخم جداً، عليه بنية مرعبة، ووجهه كله علامات وقسوة، لكن أول ما قلع الخوذة، عيونه بصت على باب بيتي مباشرة.
خبط على الباب بتاعي خبطات قوية هزت الحيطة.
بلعت ريقي بصعوبة، ومشيت خطوت وأنا بترعش، ومديت إيدي فتحت الباب العبد لله.
الراجل الضخم بص لي بنظرة حادة خلتني أحس إني هقع في طولي، وقال بصوت خشن وعميق:
“أنتِ دينا؟”
هزيت رأسي بالعافية وقلت بصوت متهدج: “أ… أيوة، أنا دينا. خير يا فندم؟”
الراجل فتح طريق لنفسه، وظهرت من ورا الحجم الهائل ده ست عجوزة لابسة شال نظيف، وهي بتضحك بابتسامة دافية. دي كانت نفس الست العجوزة اللي دخلت المطعم يوم المطر، والتي شربت القهوة وأكلت فطيرة التفاح.
قالت الست بصوت هادي وحنون:
“أهلاً يا بنتي.. متخافيش خالص.. دول ولادي.”
بصيت لولادها اللي مالين الشارع يمين وشمال، لقيتهم كلهم بيبصوا لي باحترام شديد كأنهم واقفين قدام ملكة مش قدام جرسونة مطردة.
قرب مني الراجل الضخم وقال، وهو بيمسح دمعة حائرة على خد أمه العجوزة:
“أنا صقر، زعيم المجموعة هنا.. وأمي دي هي كل دنيتي. حكت لي اللي المدير الحقير عمله معاكي عشان طبق فطيرة وكوباية قهوة.. وحكت لي إزاي مسكتي دموعك ووطيتي تجيبي المريلة بتاعتك من الطين قدام الناس.”
سكت شوية، والكل سكت معاه، كأن الشارع كله استنى يسمع الكلمة اللي جاية.
