
بعت كنبتنا القديمة بعد ما جوزي —وتاني يوم الصبح، المشتري رجع وخبط وقال لي: «هو أنتي كنتي تعرفي هو كان مخبي إيه جواها؟»
عشرين سنة وأنا عمالة أحايل في جوزي عشان نخلص من الكنبة دي.
قماش بني مقطع، قعدتها مهروية ونازلة لتحت، ومسند الإيد رقعته يجي تلات مرات. عشان تقوم من عليها، كان لازم تاخد لك هزتين تلاتة لقدام وورا عشان تعرف ترفع جسمك.
«تعال نشتري واحدة جديدة يا مصطفى.»
كان يطبطب على الحتة اللي جنبه ويقول:
«دي اللي بتخليكي تقعدي لازقة فيا أكتر.»
وبعدين مصطفى مات.
والكنبة اللي كنت شايطة منها وبكرهها، بقت هي الحتة الوحيدة في البيت كله اللي بعرف أنام عليها.
كنت بتكور في الناحية اللي بيقعد فيها، وأتلحف ببطانيته، وأفتح التلفزيون عشان مسمعش صوت السكوت المرعب ده.
وبعدها بست شهور، بنتي قالت لي وهي بتطبطب عليا: «يا ماما، مش لازم تسيبي كل حاجة على وضعها كده بالمللي.»
صورت الكنبة، وعرضتها للبيع بأربعمية جنيه، وكنت هاجيب زراير المسح وأمسح الإعلان تلات مرات من كتر ما قلبي مقبوض.
جه شاب ياخدها ومعه بنته الصغيرة وصاحبه. البنت أول ما دخلت نطت على الكنبة وفضلت تتنطط بفرحة.
«بابا، دي واسعانا إحنا الاتنين!»
حكى لي إنه لسه مأجر شقة جديدة وبيفرشها بعد الطلاق، وإنهم لحد دلوقتي كانوا قاعدين بياكلوا ويتفرجوا على الكرتون على بلاط الأرض.
طلعت متين جنيه من اللي دفعهوملي ورجعتهم له وقلت له:
«هات لها بيهم حاجة حلوة تفرحها.»
وهو وصاحبه شايلين الكنبة ونازلين بيها على السلم، كدت أصرخ وأقولهم يرجعوها مكانها.
وفي الليلة دي، ولأول مرة من ست شهور، دخلت نمت في سريري الأوضة.
وتاني يوم الصبح، لقيت المشتري واقف على باب الشقة بيخبط تاني.
ومن غير البنت معاه.
سألته بخضة: «إيه، في حاجة باظت ولا اتكسرت فيها؟»
مد إيده بالفلوس وقال:
«أنا رجعت لك فلوسك. بعد اللي لقيته جوه، حسيت إنك أكيد عاوزة ترجعي الكنبة دي لنفسك.»
«لقيت إيه؟»
مابتسمش خالص، وقال بصوت جاد:
«ينفع أدخل؟»
قعدنا في المطبخ، وبص لي وقال:
«إمبارح بالليل، قلم رصاص بتاع بنتي وقع واتزحلق بين الشلت. جيت أقلب الكنبة عشان أطلعه، لاحظت إن القماش من تحت مخيط بالإيد خياطة بلدية متينة، ومش مرة واحدة لأ، كذا مرة.»
افتكرت مصطفى بعينيه المتعبة وهو ماسك الإبرة والخيط، وكان دايماً يقول لي «في غرزة فكت تاني وأنا بقعد».
المشتري حط على الترابيزة لفافة تخينة ومكلكعة، ملفوفة بشريط لاصق لونه مصفر من التراب وقِدم الزمن.
وكان مكتوب عليها اسمي.
بخط مصطفى الواضح.
«هو أنتي كنتي تعرفي هو كان مخبي إيه جواها؟»
هزيت راسي بلا وأنا مش قادرة أنطق.
زق اللفافة ناحيتي بحذر وقال:
«أنا قريت السطور الأولى بس… وجسمي كله قشعر.»
بإيدين بتترعش زي العصعوص، فتحت اللفافة.
وأول حاجة خطفت عيني… تاريخ.
تاريخ ميلاد بنتنا اللي ربنا أخدها مننا وسبتنا.
مش البنت الكبيرة اللي لسه مكلماني في التليفون الأسبوع اللي فات…
لا، دي البنت الصغيرة اللي دفناها بإيدينا واتحرق قلبنا عليها.
وتحته، بخط إيد مصطفى اللي أعرفه كويس:
«ماقدرتش أقولك الكلام ده وأنا عايش…»
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
نزل عيني على السطور اللي مكتوبة بخط إيد مصطفى، ودموعي كانت نازلة على خدودي من غير ما أحس بيها:
«يا أميرة حياتي، لو بتقري الورق ده دلوقتي، فده معناه إني سبتك لوحدك… وآسف لو سيبتك تشيلي الشيلة دي كلها لوحدك السنين اللي فاتت دي كلها.
أنا عارف إنك كنتِ فاكرة إني متمسك بالكنبة دي عشان العادة، أو عشان كنت بكسل أجيب غيرها، بس الحقيقة إن الكنبة دي كانت الحتة الوحيدة في البيت اللي ريحتها فضلت محتفظة بريحة بنتنا نور… يوم ما ماتت، رجعت من المستشفى مكسور، قعدت على الكنبة دي وكنت حاطط هدومها الصغيرة في حضني، ودموعي نزلت على قماشها. ومن يومها حسيت إنها بقت حاجة مقدسة.
كل مرة كنت بشوفك عاوزة ترميها، قلبي كان بيتقبض؛ مش عشان الكنبة غالية عندي، بس عشان خفت تنسي، أو خفت تحسي إن ريحتها راحت من البيت خالص. كنت بقعد جنبك عليها وأنا عارف إنك تعبانة منها، بس غصب عني كنت بحس إننا قاعدين سوا إحنا التلاتة.
أنا خبيت الورقة دي، ومعاها الدهب الصغير اللي كنت مشتريه ليها وهي مولودة عشان أجيبهولها يوم ما تكبر، وخبيت كمان أول فستان لبسته لما خرجت من المستشفى. كنت شايلهم عشان عارف إنك مهما بعدتي، قلبك عمره ما هيتنسى فيه الوجع ده.
سامحيني يا أميرة لو كنت عنيد… بس كنت بحاول أحافظ على ريحة بنتنا في بيتنا على قد ما أقدر. بحبك، ودايماً كنت قاعد جنبك حتى وأنا ساكت.»
خلصت قراءة الورقة، وفكيت اللفافة التانية ببطء، لقيت فيها الخاتم الدهب الصغير وفستان الصوف الأبيض المطبق بعناية، وريحة تراب زمان وذكرياتنا القديمة طلعت منهم كأنهم لسه مولودين إمبارح.
رفعت عيني للمشتري، ولقيته منزل راسه باحترام والدموع لمعت في عينيه، وقال بصوت خفيف:
«أنا أسف إني فتحت الطرد يا امي… بس بجد حسيت إن فيه سر عظيم ربنا أراد إني أعرفه عشان أرجعلك حاجة تخص روحك.»
هزيت راسي وأنا باصة للفستان الصغير وضماه لقلبي، وحسيت لأول مرة من ست شهور إن مصطفى مش بعيد عني… وإن الكنبة دي، اللي كنت بلعنها سنين طويلة، كانت الحضن الأخير اللي جمعنا إحنا الأربعة قبل ما الدنيا تفرقنا.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
بصيت للشاب وابتسمت وسط دموعي، وابتديت أنشف عيني بطرف طرحتي. قمت من على الكرسي وفتحت الدولاب، وطلعت علبة الكحك والبسكوت اللي كنت شايلاها من العيد، وناولتها له مع باقي الفلوس اللي كان جابها.
«خد يا بني، دي عشان البنوتة الحلوة… وربنا يعوض عليك وتفرش شقتك وتبقي مبسوط فيها.»
وقف وهو مكسوف ورافض يمد إيده ياخد الفلوس، بس ضغطت عليه بلطف وقلت له:
«الكنبة دي مش مجرد أثاث قديم يا ابني… دي شالت أمانة غالية أوى سنين طويلة، وربنا جعلك أنت سبب عشان الأمانة دي ترجع لأهلها في الوقت الصح. اعتبر نفسك ابن من عيالي.»
هز راسه باحترام وامتنان، وباس على كف إيدي، وشال اللفافة اللي فيها الفستان والدهب وخرج بهدوء وهو قافل الباب وراه بالراحة.
فضلت قاعدة في المطبخ، حاضنة الفستان الصغير والخاتم الدهب، وباصة للورقة اللي مكتوبة بخط مصطفى. ولأول مرة من يوم ما مات، حسيت إن البيت مبقاش ساكت ولا موحش زي الأول.
قمت وقفت، وفتحت شباك الصالة عشان الهواء والشمس يدخلوا، وبصيت للمكان اللي كانت الكنبة محطوطة فيه زمان. حسيت إن روح مصطفى وروح بنتنا نور قاعدين معايا، بيطبطبوا عليا ويقولوا لي إن الحب الحقيقي مش بيموت، ولا بيختفي.. حتى لو اتخبا تحت قماش قديم.
#حكايات_شروق_خالد
سر الكنبة القديمة
حكايات شروق خالد



