روايات وقصص

حصان من عتمة الماضي ج 1 حكايات شروق خالد

تحدتني فتاة فقيرة تبلغ من العمر ست سنوات -أنا “مراد البرنس”، أشهر رجل لشبكات التجارة والمال في القاهرة- في مباراة شطرنج بعشرين جنية، واستطاعت أن تأسر حصاني في أحد عشر نقلة فقط. ولكن عندما التقطت حصانها البرونزي الغريب، وجدت اسم ابني الراحل محفوراً تحته. تجمد الخوف في عروقي، لأن ابني قد رحل قبل عامين، وما كان لهذه الفتاة الصغيرة أن تمتلك تلك القطعة أبداً.

اسمي مراد البرنس.

لسنوات طويلة، كان الكبار يهابونني ويحسبون لي ألف حساب. ولكن قبل عامين، فقدت الوحيدين اللذين لم أستطع العيش دونهما.

زوجتي، فريدة.

وابننا الصغير، يوسف.

حادث طريق أليم على طريق الإسكندرية الصحراوي أخذهما معاً.

ومنذ ذلك الحين، كنت أمشي كل يوم جمعة في حديقة الأزهر، حيث كانت فريدة تحب الخضرة والأشجار، وكان يوسف يستمتع بمراقبة الناس وهم يلعبون الشطرنج تحت الأشجار.

وفي ذلك الصباح من شهر نوفمبر، أوقفني صوت طفولي صغير.

“مش هتقدر تكسبني.”

استدارت عيني نحو الصوت.

كانت فتاة صغيرة تجلس خلف رقعة شطرنج خشبية قديمة، مرتدية جواكت واسع أوي عليها وحذاءً مرقعاً بحرفية.

وكتب على لافتة من الورق المقوى بجوارها بخط يدوي:

“عشرين جنية الدور. لو كسبت، فلوسك ترجع لك.”

رفعت حاجبُي بذهول.

“هو إنتِ بتحدي كل اللي رايح واللي جاي كده؟”

“لأ.”

“امال ليه أنا؟”

فحصت بدلتي باهظة الثمن وساعتي الغالية في ايدي.

“عشان بتبان إن معاك عشرين جنية.”

من ورائي، كاد “صبري”، حارسي الشخصي وذراعي اليمنى، أن يضحك بصوت عالٍ.

جلست على الكرسي الخشبي المتهالك.

“اسمك ايه يا شطورة؟”

“جميلة.”

“عندك كام سنة؟”

“ست سنين. هتلعب ولا هتقعد تسأل كتير؟”

ولأول مرة منذ أشهر طويلة، كدت أبتسم لجرأتها.

بدأنا اللعب.

مع النقلة الخامسة، أدركت إنها مش طفلة عادية أبداً، تركيزها كان مرعب.

وبحلول النقلة السابعة، توقف صبري عن مراقبة المارة وبص للوحة باهتمام.

وفي النقلة الحادية عشرة، مدت جميلة إيديها بسرعة نحو قطعة شطرنج غريبة.

حصان برونزي نحاسي.

كانت كل القطع الباقية على اللوحة خشبية وعادية، إلا الحصان ده.

حرّكته بثقة عبر المربعات.

“شِهم!” (أو أكلتك!)

حصاني راح.

مددت يدي ببطء نحو الحصان البرونزي.

في اللحظة اللي لمست فيها أصابعي المعدن، حسيت بحاجة مألوفة بشكل مرعب وغريب.

الوزن.

الحواف اللي اتأكلت من كتر الاستخدام.

برودة المعدن في الهوا.

همست بصوت مخنوق: “جبيتي ده منين؟”

ضمّت جميلة دراعاتها لصدرها من البرد.

“دي قطعتي المحظوظة، دايماً معايا.”

رفعت الحصان لفوق.

وقلبته على ظهره الناحية التانية.

وهنا.. وقف النفس في صدري.

تحت قاعدة الحصان، كان فيه اسم محفور بحروف دقيقة في قلب المعدن.

يوسف.

اسم ابني.

الولد اللي ودعته بايدي قبل سنتين في مدافن العائلة.

إيديا بدأت ترجف بشكل مش طبيعي.

قرب صبري خطوة خطوة وهو بيقول بقلق: “يا باشا؟ في إيه؟ خير؟”

مقدرتش أنطق بكلمة واحدة.

مقدرتش غير إني أفضل باصص بدون تصديق للفتاة الصغيرة اللي رجعت لي قطعة من روح ابني الراحل بالطريقة دي.

وسؤال واحد كان بيحرق عقلي زي النار:

إزاي.. وإزاي دي وصلت لها أصلاً؟!

ركبنا العربية أنا وصبري، والعربية تحركت بسرعة مجنونة في شوارع القاهرة اللي كانت لسة صاحية على نص الليل. صبري كان سايق وعينه في المراية، وشاف حالتي العصبية فحب يكسر الصمت الموتور ده وقال: “يا باشا، لو مجدي عايش.. يبقي اللي عمل الحادثة دي كان بيخطط لحاجة أكبر بكتير، وإحنا لازم نعرف مين اللي وراه.”

رديت بصوت حاد، والنار مولعة في عيوني: “مجدي مش هيلحق يهرب يا صبري. العنوان اللي جبناه من المدرسة اللي جنب الحديقة، ومن كلام البنت، بيقول إنهم ساكنين في حتة شعبية قديمة جنب إمبابة.”

بعد نص ساعة، كانت العربية تقف في حارة ضيقة ومظلمة. نزلت من العربية، ومعايا صبري ورجالة الأمن التابعين ليا. الحارة كانت هادية، والبيوت القديمة فيها ريحة الزمن والتعب. مشينا لحد البيت المقصود، بيت قديم بابه من الخشب المتهالك.

قربت من الباب، وكنت لسة هخبط بقوة، لما حسيت بصوت خطوات خفيفة جاية من جوه البيت، وبعدها صوت راجل بيطبطب على كتف حد وبيدندن بصوت واطي.

صبري بص لي ورفع إيده مستعد لأي إشارة.

ضغطت على باب الخشب، ففتح الباب لوحده لأنه ماكنش مقفول كويس. دخلت بخطوات بطيئة، والنور الوحيد اللي كان جوه هو لمبة صفراء ضعيفة متعلقة في السقف.

وفي نص الصالة البسيطة، كان فيه راجل قاعد على كرسي، وشه باهت، وعليه علامات تعب وكسرة كبيرة، ومربي دقن خفيفة..

كان هو.. مجدي!

أول ما رفع عينه وشافني واقف قدامه، كأن روحه طلعت من جسمه. الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، ولون وشة اصفر لدرجة الشبح، وبصلي بصوت مرجوف ومش مصدق: “مـ… مراد بيه؟!”

قدمت نحوه بخطوات بطيئة ومرعبة، ومسكت ياقة قميصه بقوة لدرجة إني رفعته من على الكرسي، ونزلت صوتي لدرجة الهمس المرعب: “حمد الله على السلامة يا مجدي.. سألت عليك كتير، بس مكنتش أعرف إن الغياب بيسيب الحبايب الطيبين زيك عايشين!”

#حكايات_شروق_خالد

بلعت ريقي بصعوبة بالغة، وصوت أنفاسي كان عالي لدرجة إني حسيت إن صبري سامعه. نزلت بعيني تاني للبنت الصغيرة، وقلت بصوت بيترعش، محاول أجمع تماسكلي: “جميلة.. اللعبة دي جابتها منين؟ دي مش بتاعتك.. قولي لي الحقيقة وجت في إيدك إزاي؟”

رفعت جميلة راسها وبصت لي ببرود استهجنته طفلة في سنها، وقالت بصوت جاد جداً لا يتناسب مع سنها: “مش سرقة.. عمو مجدي هداهالي قبل ما يسافر.. قال لي دي قطعتي السحرية، بتجيب الحظ.”

اسم “مجدي” نزل عليا زي الصاعقة. حسيت برأس بيغلي. مجدي.. كان السواق الخاص بتاعي، الراجل اللي كان بيسوق العربية يوم الحادثة المشؤومة، واللي الكل قال إنه غاب محروق جوه العربية مع مراتي وابني، لدرجة إننا ودعنا آثاره في نفس اليوم!

صبري لاحظ شحوب وشي، فقرب مني بسرعة وقال بخضة: “يا باشا.. شكلك مش متاح، قوم أرجوك، خليني أوصلك العربية.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى