روايات وقصص

عصا العار #حكايات_شروق_خالد

لقد أساءت حماتي إلى عواطف قدمي بأداة منزلية في نص مطبخنا بالتجمع الخامس، ووقف سي السيد زوجي شريف يتفرج عليّ ببرود ويقول بكل استياء: “تستاهلي اللي جرى لك عشان قليلة الأدب مع أمي”. سابوني أتحمل الألم على البلاط الساقع وقعدوا ياكلوا ويضحكوا قدام الماتش على أون تايم سبورت، كانوا فاكرين إنهم أوقعوني وخلصت الحكاية، وماعرفوش إن مستشفى دار الفؤاد كانت بدأت تجمع الأدلة اللي هتكشف عيلتهم المزيفة دي قدام الجميع.

وقعت على البلاط أكلت وشي، وشعرت بألم شديد في قدمي وقطعت أنفاسي. حاولت أصرخ بس ما طلعش مني غير صوت مبحوح.

كانت عواطف واقفة فوقي بغضب وماسكة الأداة في إيدها كأنها دافعت عن نفسها قدام شخص غريب، وحماي واقف حاطط إيده في إيده وولا كأن في بني آدم بيتألم قدامه.

وهنا دخل شريف المطبخ.. الراجل اللي وقف قدام المأذون يمثل إنه هيحميني ويكون ضهري.

ندهت عليه بصوت يقطع القلب: “يا شريف.. والنبي الحقني.. خذني المستشفى قدمي تعبت.”

ولا كأن هامّه. بص للأكل اللي وقع على الأرض وبعدين بلسان بارد قال لي: “عملتي إيه تاني يا حنان؟”

شحت بإصبعي ناحية أمه: “أُمك هي اللي عملت فيا كده!”

نزل لمستواي، مسك فكي بإيده وبشدة وخلاني أبص في عينه غصب عني وقال بصوت واطي مرعب: “في بيتي هنا.. تمشي زي ما أنا وأمي نحب، مافيش صوت يعلى.”

أنا كان عندي تسع وعشرين سنة، وكنت محللة مالية أولى ومعايا ماجستير من الجامعة الأمريكية. أنا اللي كنت دافعة قسط الشقة، ومظبطة استثماراتها، وبقبض أضعاف اللي هو بيحلمه في حياته. بس وأنا مرمية على الأرض دي، عرفت الحقيقة المرة:

الجوازة دي بالنسبة له مش مشاركة.. دي صك تمليك لشخص عاوز يفرض رأيه بالعافية.

قام شريف ونفض بدلته ولا كأنها فارقة معاه، وقال الجملة اللي هتعيش تحرق في قلبي لآخر عمري: “سيبيها نايمة على الأرض للصبح عشان تتعلم الأدب.. المستشفى دي بكرة مش دلوقتي.”

وسابوني ومشوا.

سمعت صوت التلفزيون، وصوت المعالق في الأطباق الصيني، وضحكتهم الباردة. كلوا اللقمة وهما سامعين صوت أنيني وآلامي.

بعد ساعات، سمعت شريف بيكلم أبوه بكل تباهي في الصالة: “الستات لو ما اخدوش العين السمرة من أول جوازهم يركبوك.. هي كانت محتاجة القرصة دي.”

وفي اللحظة دي.. حاجة جوه روحي اتغيرت ومش هترجع تاني. بطلت استنى إن الراجل ده ينقذني، وعرفت إن طوق النجاة لازم أرميه لنفسي بنفسي.

بوصة ورا بوصة، ومن كتر الألم والدموع اللي كانت معميه عيني، فضلت أسحب جسمي على بلاط المطبخ. وصلت للباب الخلفي اللي بيطلع على منور العمارة، فتحت الترباس بالعافية، وكان المطر نازل تلج وبرد يعجز، بس بالنسبة لي كان أحلى حرية. زقيت نفسي وبرعت بره ووقعت في الطين.

كانت طنط فاطمة جارتنا الطيبة ساكنة قدامي، وعمرها ما شافت مني إلا كل خير. قعدت أزحف في الطين والتلج لحد ما شفت نور شرفتها منور، وكل عظمة في جسمي كانت بتصرخ وعاوزاني أستسلم للظلام، بس قلت لنفسي لو وقفت هتعب هنا.

وصلت باب شقتها بالعافية، وطلعت آخر طاقة في إيدي المدمرة وخبطت:

تخ.. تخ.. تخ..

سُمِع صوت القفل وهو بيتفتح، وطلعت طنط فاطمة تصرخ من الشوق والفزع لما شافتني قدامها في الحالة دي.

بعد تلات أيام، فتحت عيني في أبيض مستشفى معقمة، وعرفت إن طنط فاطمة مش بس أنقذت حياتي، دي كانت السبب في إننا نجمع أقوى سلاح ضد عواطف وشريف.

أدلة لا تقبل الشك.

فريق الطوارئ كتب كل التقارير بما يرضي الله: نوع الحالة، والساعات اللي فضلت فيها متألمة، والآثار اللي على جسمي ووشي، وآثار إيد شريف على فكي.

بس الحكاية ما انتهتش لحد هنا.. والدكتورة أو المحامية وهي بتراجع الأوراق، اكتشفت مصيبة سودة هم ارتكبوها من غباوتهم وثقتهم العمياء إن محدش يقدر عليهم.

الصبح، دخلت المحامية وراحت حاطة ملف سميك مقفول قدامي على السرير وقالت لي بابتسامة هادية: “يا حنان.. هما لسه فاكرين إنهم كسبوا.. بس شوفي المفاجأة.”

كان مكتوب على الملف من بره: حكايات شروق خالد – ملف التلاعب المالي وتزوير أملاك العائلة.

وفجأة تليفوني رن جنب السير.. كان شريف. بس صوته كان مرعوب ومكسور ومفيش ولا قطرة غرور واحدة: “حنان.. والنبي بلاش فضايح.. تعالي نتفاهم قبل ما الملف ده يخرج بره!”

فتحت الملف وأنا ببتسم.. وفي اللحظة دي فهمت كويس أوي هو ليه ميت من الخوف.

#حكايات_شروق_خالد

مليت عيني من الملف ورفعت سماعة الموبايل في وش شريف وأنا ببتسم ببرود، وصوته كان بيترعش وهو بينادي: “حنان.. اسمعيني بس.. أمي ما كانتش تقصد، واحنا ممكن نتنازل عن كل حاجة ونكتب لك الشقة ونصفي…”

قاطعته بصوت هادي وثابت كالسيف: “الشقة؟ دي أقل حاجة هخدها يا شريف.. واللي بيني وبينكم مش محاكم عادية، الملف ده دلوقتي في مباحث الأموال العامة وكمان مع النيابة الكلية، وعواطف هانم هتنور المجمع قريب بسبب التلاعب في توقيعات المرحوم أبوكِ لبيع الأراضي والفلل والاستحواذ على حقوق إخواتك، وأنت يا محترم يا ابن أمك.. شاركت في التلاعب والتغيير المالي على عينك يا تاجر.”

اتسمّر في التليفون وطلع صوت خنقة من حلقه كأنه بلع لسانه: “إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟! عرفتي منين المصيبة دي؟!”

رديت بكل سخرية: “كنت فاكر إني مجرد محللة مالية بتدير فلوسكم وبس؟ ده أنا كنت بلقط كل ثغرة وكل ورقة شمال بتعملوها بقالي سنين، وكنت مستنية الوقت المناسب اللي أنفضكم فيه تماماً.. واديني اهو نفضتكم.”

قفلت السكة في وشه وماديتلوش فرصة ينطق حرف تاني.

بعد أقل من ساعتين، كانت عربيات الجهات المختصة واقفة قدام العمارة في التجمع الخامس. عواطف خرجت مرعوبة ومتسربلة وهي بتبكي وتلطم على وشها بعد ما قوات الأمن فتحت باب الشقة وتعاملت معها، وشريف كان واقف قدامهم تحت المرافقة ومنهار، ووشه في الأرض مش قادرة عينه ترفع تبص للناس ولا للظباط اللي بيجرجروه.

أما حماي.. اللي كان قاعد بيتفرج على الماتش وبيضحك عليا وأنا بتألم، فلقى نفسه في لحظة مطرود من الشقة اللي مش ملكه أساساً، ومستني التحقيق معاه بتهمة التستر والمشاركة في واقعة التعرض المتعمد وإخفاء أدلة.

طنط فاطمة نزلت معايا المستشفى، وكانت واقفة في ضهري كأنها أمي بجد، وفي أول جلسة تحقيق حضرتها وأنا على كرسي متحرك ورجلي مثبتة بالكامل، دخلت وكلي شموخ وقوة. القاضي بصلي باحترام لما شاف التقارير الطبية والأدلة المالية اللي تكشف عيلة كاملة وتهدها فوق دماغهما.

عواطف وشريف وشوا بحاجات على بعض قدام النيابة من كتر الرعب، وكل واحد فيهم كان بيحاول يرمي التهمة على التاني عشان ينجو بنفسه، العيلة اللي كانت عاملة فيها “عائلة محترمة وبتاعت أصول” اتقسمت وباعت بعضها في ثواني.

الحكم نزل على دماغ شريف وأمه زي الصاعقة: عقوبة مشددة ليهم الاتنين في قضايا التلاعب والمخالفات المالية والاستحواذ على أموال، بالإضافة لقضية التعرض المتعمد والتجاوز الشديد اللي هتخلي شريف بعيد سنين طويلة ينسى يعني ايه يتجاوز حدوده مع ست أو يتكبر على بني آدم.

أنا خرجت من المستشفى مرفوعة الراس، صفيت كل أملاكي، بعت الشقة دي باللي فيها، وبدأت صفحة جديدة تماماً من حياتي.. صفحة عنوانها إن الست القوية مش اللي بتستحق الظلم وبتسكت، دي اللي لما تتعرض لموقف صعب.. تقوم تغيّر واقعها وتكشف الحقيقة.

(تمت بحمد الله، ونتمنى تكون القصة عجبتكم بالعامية المصرية والتشويق ده! لو حابين حكايات تانية بنفس الإثارة، استنونا دايماً في سلسلة حكايات شروق خالد).

درس العار
#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى