
داس أدهم على الفرامل بعنف لدرجة أن الكاوتش صرخ على الاسفلت، وعربية ملاكي سوداء تانية قطعت الطريق قدامنا فجأة وقفلت علينا المخرج الوحيد في التقاطع المقطوع. النور العالي سطع في عيوننا فعمى رؤيتنا تماماً.
قبل ما ألحق أفكر، باب العربية التانية اتفتح، ونزل منه راجل ضخم أصلع وماسك في إيده أداة صغيرة، وابتسامة سمجة على وشه وهو بيقرب منزاز العربية.
“لعبة الكراسي الموسيقية خلصت يا باشا،” قالها الراجل وهو بيخبط على القزاز بحرارة. “انزلوا بهدوء احسن ما نفتح عليكم باب العربية بالضربات.”
أدهم بص لي وعينيه مليانة تحدي وتصميم: “شكلهم عرفوا مكان العمارة فعلاً… هتعملي ايه يا مريم؟”
نزلَت عيني على أداتي، ورفعت راسي وأنا ببتسم ببرود وبفتح باب العربية بهدوء شديد: “اعمل إيه؟ هفكرهم بس ليه أنا اختفيت من أربعتاشر سنة.”
قبل ما الراجل يلحق يرفع أداته، فتحت الباب بقوة دفعت صدره لورا، وفي نفس اللحظة طلعت أداتي ووجهت ضربة فوق راسه مباشرة هزت الشارع كلو، وصرخت فيه بصوت حاد أرعبه: “ارمي أداتك على الأرض حالاً قبل ما الضربة التانية تكون في نص جبهته!”
الراجل اتجمد مكانه من الصدمة ومكنش متوقع الشراسة دي، فوقع الأداة من إيده ببطء وهو بيرفع إيديه الاتنين باستسلام.
أدهم ما كدّبش خبر، نزل بسرعة من ناحيته وأوقع الراجل بحركة إيده من ناحيته فوقع مغشي عليه في الأرض.
“اركب، اركب بسرعة يا أدهم قبل ما الباقي يوصلوا!” ناديت عليه وأنا بقفل الباب ورايا والقلب بينبض بكل طاقة.
أدهم دارك الموقف، داس بنزين للاخر والعربية انطلقت كالصاروخ تخترق الحصار وتفتح طريقها لبر الأمان، بينما صوت صفارات الإنذار ورايا بتبشر إن الليلة دي لسه مخبية كواض وكثير من المفاجآت!
“لو حابة تشوفي إيه اللي هيحصل في المحطة الأخيرة ومين اللي خان أدهم من جوه،
حكايات شروق خالد
العربية طارت بينا على سرعة جنونية في الشوارع الفاضية، والهوا كان بيصفر برة القزاز المكسور نص كسرة من الهجوم. أدهم كان باين عليه التعب الشديد، والألم في جنبه زاد واللون الباهت طغى على وشه خالص.
بصيت له وقلت بنبرة حادة بس فيها خوف حقيقي: “أدهم! أنت متألم جامد، لو ما لحقناش موضعك ده هنا و دلوقتي، مش هنوصل لأي حتة عدلة!”
رد بصوت مقطوع وهو بيحاول يمسك الدريكسون بإيد واحدة: “قدامنا… قدامنا أقل من دقيقة، ورشة جوز خالي القديمة في بولاق… محدش يعرفها غيري، وهناك فيه صندوق إسعافات أولية أقدم مني أنا شخصياً، بس هنقضي الليلة.”
دخلنا في حارة ضيقة ومظلمة، وطفى أنوار العربية خالص عشان ما نلفتش نظر أي حد. وقف قدام باب حديدي قديم وصدّي، ونزلنا بسرعة وأنا ماسكة أداتي وجاهزة لأي مفاجأة. فتح الباب و دخلنا، وقفلنا ورانا بالترباس الخشبي التخين.
الورشة كانت ريحتها زيت محروق وحديد قديم، بس بالنسبة لنا كانت حصن حصين.
أدهم رمى نفسه على كرسي خشب قدام ترابيزة عليها عدد، وهو بيكح من الوجع. جريت ناحية الدولاب الصغير في الجنب، وطلعت الشاش والقطن والمطهرات، وقلت له وأنا بقرب: “اقلع المعطف ده وسيبني أشوف الموضع بسرعة.”
شال المعطف والقمص المتمزق اللي كان مليان أثر، ولما بصيت على الموضع لقيت الأثر دخل وخرج من جنبه بسلام نسبياً، بس الألم كان قوي ومحتاج خياطة سريعة.
“أنا هضطر أعالج الموضع مؤقتاً باللي موجود عشان أوقف الألم ده حالاً، استحمل معايا يا أدهم.” قلتها وأنا بجيب ولاعة ومسمار حديد رفيع من على العدة.
بص لي بنظرة كلها احترام وألم، وقال بصوت هز الورشة: “طلعتِ مش مجرد زميلة قديمة يا مريم… إنتِ طوق نعاة نزل لي من السما.”
سخنت الحديدة على النار، وحطيتها بسرعة على مكان الموضع while أدهم كتم صرخته في إيده وهو بيعرق بغزارة، والريحة طلعت تملى المكان. ربطت الموضع كويس بالشاش، وقعدت جنبه أنفاسنا متقطعة.
“دلوقتي…” قلت وأنا بعمر أداتي تاني وبصي له بجدية: “مين في شركتك يا أدهم اللي باعك ودانا العنوان ده بالظبط؟ التسريب ده مش من برا، ده من قلب مجموعتك.”
أدهم غمض عينه لحظة من التعب، وبعدين فتحها على لمعة غضب مخيفة: “كامل… مدير الحسابات والذراع اليمين ليا من عشر سنين… طلع هو الغادر.”
قبل ما أرد، التليفون الأرضي القديم اللي في ركن الورشة رن جرس مزعج ومستمر… كأنهم عارفين إحنا فين بالظبط!
“لو عوزاها تكمل وتعرفي إيه اللي هيحصل في المواجهة الأخيرة مع كامل،
حكايات شروق خالد
الورشة كلها سكنت، وصوت الرنين المستمر للتليفون الأرضي كان عامل زي دقات الساعة اللي بتعد آخر ثواني في عمرنا.
بصيت لـ أدهم، وبعين واحدة فهمنا بعض. مفيش وقت للتردد.
قمت بخطوات خفيفة وواثقة لحد ما وصلت للتليفون، ومديت إيدي ورفعته من غير ما أنطق بكلمة.
صوت “كامل” جه من الناحية التانية، هادئ ومستفز، وبيقطعه صوت ضحكة باردة: “عفواً يا أدهم باشا، شكلك نسيت إن ورشة عمك القديمة في بولاق هي أول مكان بتروح له لما الدنيا تضيق بيك… وللأسف، مريم هانم بتاعتك انتهت حكايتها معانا خلاص.”
قبل ما أدهم يلحق يزعق أو ينطق حرف، فتحت السماعة على الآخر وقلت بصوت هادي وثابت جداً يخترق عظم اللي قدامي: “كامل… فكرك لما تبيع أدهم وتلعب بديلك مع رجالة كمال، كنت هتعيش بعده؟ الكرسي اللي قاعد عليه دلوقتي في مكتبه… بكره الصبح هيكون طالع عليه الصبح وهو فاضي، بس مش عشانك.”
صوت الضحكة اتقطع في سكتة تامة. كامل اتلخبط، والصوت على الناحية التانية اتغير: “مريم؟! إنتِ… إنتِ مين أصلاً عشان تكلميني كده؟!”
“أنا البنت اللي جيتوا تتعاملوا معاها في مطعم الفانوس الأزرق، وطلعت أغبى غلطة في حساباتكم.” كملت كلامي وأنا بضغط على أزرار التليفون ببطء لحد ما حددت رقم اللوكايشن والرقم السري الخاص بالعمليات اللي هو كان متصل منه، وعملت تحويل للمكالمة على الخط الساخن للجهات المختصة مباشرة في ثانية واحدة: “سلام يا كامل… الجهات في السكة على مكتبك.”




