في تمام الساعة 2:14 فجراً، تلقى أخطر زعيم عصابات في القاهرة مكالمة هاتفية من المستشفى تخصني، أنا سكرتيرته البالغة من العمر أربع وثلاثين سنة. لقد عُثر عليّ فاقدة الوعي في حارة مظلمة قرب كورنيش المعادي، وقد تعرضت للضرب المبرح، والطعن، وُتركت أنزف في برد نوفمبر. هرع زين الهواري، الرجل القادر على إيقاف حركة الملاحة في النيل بمكالمة هاتفية واحدة، تاركاً خلفه كل شيء، ليتوجه إلى المستشفى الدولي برفقة حراس مسلحين. وعندما رآني موصولة بجهاز التنفس الصناعي، تغيرت تعابير وجهه للمرة الأولى التي يتذكرها أي شخص. لكن الصدمة الحقيقية وقعت عندما أوقفني ضابط مباحث كبير خارج غرفتي وقال له: “يا زين، فيه حاجة لازم تعرفها عن المكان اللي لقيناها فيه… واللي كانت محملاه معاها.”
اسمي فريدة مهران. أبلغ من العمر أربع وثلاثين سنة، ولسنوات ست، عملت سكرتيرة شخصية لزين الهواري.
كان زين في الحادية والأربعين من عمره.
طويلاً.
أسمر العينين والشعر.
وسيمًا بشكل خطير.
والرئيس القاسي لواحدة من أقوى شبكات التجارة والأعمال في مصر.
كان يسيطر على موانئ، وشركات شمول مالي، وعقارات ضخمة، وإمبراطورية خفية جعلت حتى كبار رجال الدولة يخشون الاصطدام به.
الجميع كان يخشى زين.
رجاله وحراسه.
شركاؤه في السوق.
حتى الرجال الذين عملوا جنباً إلى جنب معه لمدة عشرين عاماً.
لكنني لم أفعل ذلك قط.
ليس لكوني جاهلة بما كان قادراً على فعله.
كنت أعلم تماماً من هو.
فقط كنت أرفض معاملته وكأنه ملك متطاول.
حين كان يتخذ قراراً متسرعاً، كنت أنبهه.
حين كان ينسى اجتماعاً مهمّاً، كنت أذكره.
وحين كان يعمل ثماني عشرة ساعة دون طعام، كنت أترك له العشاء على مكتبه.
“أنت مستحيل يا أستاذ زين.”
فكان يرفع رأسه عن أوراقه.
“ومع ذلك ما زلت هنا يا فريدة.”
“لا بد لشخص ما أن يدير هذه الإمبراطورية.”
أحياناً، كنت أظن أنني أراه يبتسم.
ولكن فقط عندما لا يكون هناك أحد آخر يراقب.
لم يكن عملي بسيطاً.
كنت أنظم مواعيده.
وأدير ملفاته السرية والحساسة.
وأتذكر ارتباطاته العائلية والعملية.
وأتعامل مع ألف تفصيلة صغيرة تبقي كيانه الضخم متماسكاً.
بالنسبة للجميع، كان زين الهواري رجلاً مخيفاً.
أما بالنسبة لي، فكان أيضاً الرجل الذي يشرب قهوته مرة جداً، وينسى أن ينام، ويتظاهر بأنه لا يهتم عندما أذكره بارتداء جاكيت ثقيل في الشتاء.
لم نكن عشاقاً.
ولم نكن أقارب.
ولكن في مكان ما على طول الطريق، أصبحت واحدة من القلائل الذين يثق بهم حقاً.
ثم جاءت تلك الليلة من شهر نوفمبر.
كنت قد غادرت المكتب في الثامنة مساءً.
كان المفترض أن أتوجه مباشرة إلى شقتي في الدقي.
بدلاً من ذلك، قادني شيء ما نحو المعادي.
وقبل أن ينتهي الليل، هاجمني شخص مجهول.
بحلول الوقت الذي عثر فيه المسعفون علي، كنت بالكاد على قيد الحياة.
ثلاثة أضلاع مكسورة.
ترقوة محطمة.
جرح عميق في البطن.
فقدان حاد في الدماء.
وإصابة خطيرة في الرأس.
في المستشفى، عمل فريق الطوارئ بيأس لاستقرار حالتي.
كانت حالتي حرجة.
وجهة الاتصال الطارئة المدرجة في أوراقي لم تكن قريباً لي.
بل كان زين الهواري.
في تمام الساعة 2:14 فجراً، اتصل به المستشفى.
كان في شقته الفخمة على نيل الزمالك.
في اللحظة التي نطقت فيها الممرضة باسمي، سكت تماماً.
“يا فندم، فريدة مهران موجودة في قسم الطوارئ بحالة خطيرة جداً.”
لم يطرح أسئلة زائدة.
تناول جاكيته.
واتصل بسائقه الخاص.
وغادر فوراً.
انطلقت سيارته الجيب السوداء عبر المطر باتجاه المستشفى بسرعة جنونية.
نظر سائقه، عم صبري، إليه في مرآة الرؤية الخلفية.
“يا باشا، خير؟ هل نعرف إيه اللي حصل؟”
حدق زين عبر الزجاج الأمامي نحو المطر.
“لسه هعرف.”
عمل عم صبري معه لسنوات طويلة.
رأى زين يفاوض كبار رجال الأعمال، ويحل مشاكل معقدة، ويواجه أزمات طاحنة.
لكنه لم يره أبداً بهذا التوتر والقلق.
عندما وصلوا إلى المستشفى، تحرك زين مباشرة نحو الاستقبال.
رفعت موظفة الاستقبال رأسها بحدة.
“يا فندم، ممنوع الدخول لغي…”
وقف أمامها بعينين حادتين:
“فريدة مهران فين؟”
كان صوته هادئاً لكنه يحمل نبرة رعبة حقيقية.
بلعت الممرضة ريقها وهي تبحث في الكمبيوتر:
“في… في غرفة العناية العاجلة رقم واحد، بس حضرتك مش ممكن…”
كان زين قد تخطاها بالفعل ويدفع باب الغرفة.
توقف على الإطار.
كنت ملقاة تحت أضواء أجهزة المراقبة الساطعة.
شعري الأسود متشبك بالدماء.
أجهزة التنفس تحيط بي والأطباء يتسابقون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
والرجل الذي تخشاه القاهرة بأكملها وقف عاجزاً عن النطق.
تقدم طبيب شاب نحوه بحزم:
“لو سمحت يا فندم، ممنوع الدخول هنا.”
لم تتحرك عينا زين عن وجهي الشاحب.
“إيه اللي حصل؟”
اقترب طبيب الاستشاري المسؤول.
“حضرتك تقرب لها إيه؟”
شد زين فكه بقوة.
ثم أجاب بصوت محشور:
“أنا كل اللي تملكه.”
شرح الطبيب حالتي باختصار.
الضرب المبرح.
الطعنة النافذة.
النزيف الحاد.
ومكان العثور عليّ في المعادي.
ظلمت نظرات زين تماماً.
لأنني أعيش في الدقي، وكنت قد غادرت مقر العمل في وسط البلد قبل ساعات.
لم يكن هناك أي سبب منطقي لوجودي هناك.
“هتعيش؟” سأل بصوت خشن.
تردد الطبيب للحظة.
“سيطرنا على النزيف الداخلي الصعب، لكن الإصابات بالغة ومخ مخنوق، وحالتها حرجة جداً، احنا حاطينها تحت المخدر.”
نظر زين إليّ طويلاً، وكأنه يرفض تصديق ما يراه.
ثم تكلم بصوت منخفض ومخيف:
“اعملوا المستحيل عشان تنقذوها.”
التفت للطبيب بحدة:
“لو محتاجين أطباء من بره مصر طائراتهم تكون هنا خلال ساعات… لو المستشفى كله محتاج إمكانيات أنا جاهز.”
ثم تابع بنبرة مكتومة:
“بس ممنوع تموت.”
أومأ الطبيب بتوتر:
“بنعمل اللي يقدر عليه بشر يا فندم.”
وفي تلك اللحظة، جاء صوت هادئ من الخلف:
“زين الهواري.”
التفت زين ببطء شديد.
كان العقيد رامي من مباحث القاهرة يقف عند باب الغرفة، وهو الضابط الذي قضى سنوات يحاول جمع أدلة ضد إمبراطورية زين دون جدوى.
تصلبت ملامح زين أكثر.
“مش وقتك يا رامي.”
ألقى الضابط نظرة سريعة نحو سريري ثم نظر إليه:
“سكرتيرتك شكلها أكلت علقة موت محترمة.”
خطا زين خطوة للخارج وأغلق الباب خلفه بهدوء مخيف:
“عارف.”
“ولقيناها مرمية في المعادي بعد بلاغ مجهول من تليفون محمول مفصول.”
ضاقت عينا زين:
“هوصل للي عملها بنفسه، ولو كان تحت الأرض.”
هز العقيد رامي رأسه ببطء وهو يخرج شيئاً من جيبه:
“قبل ما تتحرك وتولع الدنيا، فيه حاجتين لازم تفهمهم كويس يا زين.”
وقف زين أمامه مباشرة:
“إيه هما؟”
“مكان ما لقيناها… واللّي كانت حبساه معاها وقت الحادثة.”
سكت زين تماماً، وغرق الممر في صمت تام.
“إيه اللي معها؟”
مد رامي يده بظرف بلاستيكي للأدلة الجنائية يحتوي على شيء دمر هدوء زين تماماً.
لأنه في تلك اللحظة، أدرك زين أن سكرتيرته الهادئة لم تكن مجرد موظفة تسير خلفه، بل كانت تخفي سراً خطيراً بما يكفي لجعل أحدهم يحاول قتلها… والآن، سيبدأ زعيم القاهرة رحلة مرعبة لاكتشافه!
مد زين يده ببطء وأخذ الظرف من يد العقيد رامي. فتح الغطاء البلاستيكي بعينين لا تكادان ترمشان، لتصدم بصره ورقة رسم هندسي قديمة ممزقة ومحروقة الأطراف، ملطخة بدماء جافة، ومعها مفتاح نحاسي قديم نقش عليه رمز غامض لم يره في حياته سوى مرتين: مرة في ملفات أرشيفية سرية تخص شركة الملاحة الكبرى التي أغلقها والده قبل سنوات، ومرة على الخزنة الشخصية الموجودة في مكتب فريدة بالذات.
شعر برعشة خفيفة سرت في كفه، لكن ملامحه تحجرت فوراً وامتلت بنظرة باردة وقاتلة.
نظر إلى العقيد رامي بصوت كفحيح الأفعى:
“الرسمة دي لقتوها معاها في اللحظة اللي اتهجموا عليها فيها؟”
أومأ رامي برأسه ببطء، محاولاً قراءة تعابير وجه زين الغامضة:
“وفي جيب الجاكيت التاني، كان فيه كشف حساب بنكي لشركة وهمية مسجلة باسم سكرتيرتك، متحول عليها خمسة ملايين جنيه من حساب خارجي تابع لشبكة تهريب آثار في البساتين… المعادي مش صدفة يا زين، فريدة كانت بتلعب لعبة أكبر منها بكتير، أو بتلعب لعبة تخصك أنت شخصياً من وراك.”
لم يهتز زين لأكلمات المحقق، ولم تظهر على وجهه أي علامة دهشة. بل على العكس، زادت برودة أعصابه وكأن عقله بدأ للتو في ربط الخيوط ببعضها. ست سنوات من العمل الدؤوب، ست سنوات كانت فريدة فيها ظله الذي لا يفارقه، تنظم أوراقه وتعرف كل أسراره، بينما كانت تخفي سراً بهذا الحجم الخطير.
أغلق زين الظرف بقوة وأعاده لرامي، ثم قال بصوت هادئ ومخيف لدرجة جعلت الضابط يتراجع خطوة للوراء:
“فريدة مش بتاعة فلوس، ولا بتاعة تهريب يا رامي. ولو فيه حد سرق المستندات دي أو حاول يقتلها عشانها، يبقى بيلعب في مساحتي أنا، ومش هسيبه عايش لحد بكره.”
قبل أن يرد العقيد رامي، فتح باب غرفة العناية المركزة وخرج منه الطبيب الاستشاري بملامح متعبة ومجهدة.
التفت زين نحوه بسرعة وتخطى رامي كأن لم يكن:
“طمني، فاقت؟”
تنفس الطبيب بعمق وقال:
“الحمد لله، تجاوزت مرحلة الخطر الحرج، ونزعنا عنها جهاز التنفس الاصطناعي وبدأت تسترد وعيها تدريجياً، لكنها ضعيفة جداً وممنوع عنها أي كلام طويل.”
دفع زين الباب ودخل بخطوات واسعة وثابتة، تاركاً رامي في الممر ينظر إلى أثره بدهشة.
كان الغرفة غارقة في صمت مطبق لا يكسره سوى صوت أجهزة القياس المنتظمة. اقتربت من السرير، فوجدت عيني فريدة البنيتين مروعتين ومهشوكتين، تنظران إليّ ببطء وكأنها تكافح لتتذكر أين هي ومن أمامها.
جلست على الكرسي المجاور للسرير، وضعت يدي فوق كفها البارد الموصول بالمحاليل، وقربت وجهي منها حتى تسمعني بوضوح، ثم سألتها بصوت خفيض يشبه الهمس:
“ست سنوات وأنتِ بتديري مكتبي يا فريدة… وعمري ما تخيلت إنك شايلة سر بالخطورة دي.”
تحركت شفتا فريدة الجافتان ببطء، وتجمعت دمعة حارة في محجر عينها وهي تنظر إليّ بخوف لم أره فيها من قبل:
“يا… يا زين… هما… هما مش عايزين الفلوس… هما عايزين… الملف القديم بتاع الحادثة… الملف اللي أنت فاكر إنك دفنته للأبد.”
اتسعت عينا زين بصدمة جعلت دمه يتماسك في عروقه. الملف القديم؟ الحادثة التي دمرت عائلته وأنهت حياة والده قبل عقدين من الزمن، والتي لم يكن يعلم بأمرها سواه وشخص واحد فقط مات منذ سنوات؟
قبل أن ينطق بحرف واحد، انطفأت أضواء غرفة العناية المركزة فجأة، وانطلق صوت إنذار خافت يعلن عن انقطاع التيار الاحتياطي، وفي نفس اللحظة، رن هاتفه المحمول برساة نصية قصيرة من رقمه الخاص، فتحها ليجد صورة فورية لرجال ملثمين يقفون الآن أمام بوابة المستشفى، وتحت الصورة جملة واحدة قصيرة:
“سلّمنا سكرتيرتك، أو نقفل المستشفى دي على اللي فيها.”
#حكايات_شروق_خالد
لم يتحرك زين من مكانه، ولم يمنحه الخوف أو التهديد فرصة ليهتز؛ بل تحولت عيناه إلى بؤرتين من الجليد المشتعل. ضغط على هاتفه بقوة حتى كادت شاشته تنكسر بين أصابعه، ثم نظر إلى فريدة التي كانت تكافح لالتقاط أنفاسها وسط الظلام الذي خيم على الغرفة إلا من وميض أجهزة المراقبة الطوارئ الخافتة.
اقترب من أذنها وهمس بصوت حازم وثابت لا يقبل النقاش:




