روايات وقصص

حين استيقظ زعيم المافيا… كانت الممرضة هي سر نجاته ج1 حكايات شروق خالد

الممرضة الغلبانة كانت بتعتني في السر بأخطر رجل في عالم المافيا وهو في غيبوبة… لحد ما فتح عينه فجأة وعمل حاجة قلبت حياتها كلها.

الليلة اللي فهمت فيها إن فيه مصيبة بتحصل، لا جهاز ضرب إنذار، ولا صفارة دوّت في المستشفى، ولا حد جري في الممر وهو بيزعق. كل اللي حصل كان في لحظة واحدة… في نبضة واحدة. الراجل اللي كل الدكاترة قالوا إنه مستحيل يفتح عينه تاني، حرّك راسه ناحية صوتي. كأنه كان سامعني طول الست شهور اللي فاتوا. كأنه كان مستني الشخص الوحيد اللي عامله كإنسان، مش مجرد جسم مرمي على سرير.

قلت لنفسي إن ده من التعب. يمكن عيني خانتني بسبب وردية الليل الطويلة. يمكن الإضاءة الخافتة لعبت في دماغي. لكن بعدها… صوابعه اتحركت. مش رعشة. ومش حركة لا إرادية. إيده اتحركت ببطء، وكأنها بتدور على حاجة. لحد ما قفلت حوالين معصمي. قبضة قوية، متعمدة. قبضة خلت الدم يهرب من وشي. لأنه كان ماسكني كأنه عارف أنا مين. وكأنه عارف بالظبط… هو عايز يعمل معايا إيه.

كان المطر بينزل على مستشفى النيل التخصصي في القاهرة، وصوته بيخبط على الشبابيك المقفولة بتاعة جناح العناية المركزة. صوت المطر كان هادي، منتظم، وبيختلط مع صوت أجهزة التنفس والصفير الخافت للأجهزة الطبية. نورهان عبد الرحيم كانت بتحب صوت المطر ده. يمكن لأنه الحاجة الوحيدة الصادقة في مستشفى مليانة أسرار وكلام متقال بنص صوت.

نورهان كان عندها سبعة وعشرين سنة. بقالها أربع سنين شغالة ممرضة، واتعودت على ورديات الليل، وعلى المرضى، وعلى الموت، وعلى أهل المرضى اللي بيقضوا الليل كله وهم متعلقين في أمل ضعيف. كانت فاكرة إنها شافت كل حاجة. لحد الليلة اللي مسكت فيها ملف الغرفة رقم 417.

فتحت الملف، وبصت في أول سطر. رجل، في منتصف الأربعينات، إصابات خطيرة، مجهول الهوية، غيبوبة منذ ستة أشهر بعد “حادث عمل”. نورهان عقدت حواجبها. — حادث شغل؟ همست لنفسها. الكلمة كانت مش راكبة. مريض في غيبوبة ست شهور، ومحدش عارف اسمه؟ ومين أهله؟ ومين اللي جابه؟ ليه ملفه مليان علامات استفهام؟

رفعت عينها وبصت للغرفة. كان فيه راجلين واقفين قدام الباب. لابسين بدل سودا. مش شكل أمن المستشفى. ولا حتى شكل رجال أعمال. كانوا واقفين ساكتين، وكل واحد فيهم بيبص للممر كأنه مستني هجوم في أي لحظة. نورهان قربت من زميلتها الكبيرة في السن، وسألتها: — هو الراجل ده مين؟ الممرضة بصت حواليها الأول. وبعدين قربت منها وقالت بصوت واطي: — متسأليش. — ليه؟ — عشان متدخليش نفسك في حاجة ملهاش دعوة بيكي. نورهان بلعت ريقها. — أنا بس عايزة أعرف عشان دي حالته. الست هزت راسها وقالت: — اعملي شغلك يا نورهان… ومتفتحيش بوقك. وصدقيني، أحسن حاجة ترجعي بيتك آخر الوردية وإنتِ لسه عايشة. نورهان ضحكت ضحكة صغيرة متوترة. — للدرجة دي؟ الممرضة مبصتلهاش. وقالت: — أكتر مما تتخيلي.

دخلت نورهان الغرفة. وأول ما شافته، وقفت مكانها ثواني. الراجل كان طويل وضخم بشكل غريب. حتى وهو نايم، كان جسمه مالي السرير. كتاف عريضة، دراعات قوية، وملامح حادة تخلي أي حد يبص له يعرف إنه مش شخص عادي. وشه كان جامد. حتى وهو فاقد الوعي. وعلى جسمه كانت فيه ندوب كتير. ندبة طويلة على ساعده. واحدة عند الترقوة. وخط رفيع عند رقبته.

نورهان قربت منه أكتر. وقالت في نفسها: — ده مش شكل واحد اتخبط في حادث شغل. ده شكل واحد… دخل حروب وطلع منها عايش. بصت على إيده. كانت إيده اليمين مقفولة نص قفلة. صوابعه مشدودة. الغريب إنها حتى وهي مرتاحة، مكنتش مفتوحة زي إيد أي مريض نايم. نورهان مدت إيدها ولمست صوابعه. باردة. ساكنة.

قالت بهدوء: — معلش يا أستاذ… أنا نورهان، الممرضة الجديدة اللي هتكون مسؤولة عنك الليلة. طبعًا مفيش رد. ابتسمت لنفسها. — عارفة إنك مش سامعني، بس أنا بحب أتكلم وأنا بشتغل. بدأت تغير المحلول. وتراجع الأجهزة. وتعدل المخدة. وبعد ما خلصت، قعدت على الكرسي جنبه. كان فيه صمت تقيل جدًا في الغرفة. فقالت: — بصراحة؟ أنا بكره وردية الليل. سكتت لحظة. وبعدين كملت: — يعني الناس كلها بتكون نايمة وأنا هنا بتفرج على أجهزة بتطلع أصوات. ده حتى ماكينة القهوة اللي عندنا نصابة، أخدت مني عشرين جنيه ومطلعتليش قهوة. ضحكت لوحدها. — بس متقلقش، أنا هاخد حقي منها.

من الليلة دي… بقت نورهان تتكلم معاه كل يوم. تحكيله عن أمها. عن أخوها الصغير اللي كل يوم بيطلب منها فلوس. عن الجارة اللي مبتبطلش خناق. عن الأكل اللي بتحبه. وعن المطر. وعن حياتها البسيطة اللي مفيهاش أي حاجة تستاهل الحكاية. لكنها كانت بتحكي. لأنها كانت مؤمنة بحاجة واحدة. إن الإنسان حتى لو جسمه ساكت… روحه ممكن تكون سامعة

ومع مرور الأيام، بدأت تلاحظ حاجات غريبة. لما تتكلم، تنفسه كان بيتغير. بسيط جدًا. لكن بيتغير. لما صوت حد يعلى بره الغرفة، عضلة صغيرة في فكه كانت بتشد. مرة وهي بتتكلم معاه، جهاز ضربات القلب أصدر نغمة مختلفة. نورهان قربت منه. بصت للشاشة. وبعدين بصت له. — إنت سامعني؟ مفيش رد. هزت راسها. — أكيد أنا اللي تعبانة. لكن إحساسها مراحش.

وفي يوم، وهي خارجة من الغرفة، لقت الراجلين اللي واقفين قدام الباب بيتكلموا. واحد منهم قال: — لو فاق قبل ما الناس دي توصل… التاني بص له بسرعة. — وطي صوتك. الأول قال: — إنت فاهم مين جوه؟ التاني سكت. وبعدين قال: — ده محمود السيوفي. نورهان كانت واقفة ورا الحيطة. الاسم وقع في ودنها. محمود السيوفي؟ كانت سمعت الاسم ده قبل كده. كتير. في أخبار بتتكلم عن رجال أعمال. وفي أخبار عن صفقات. وفي حوادث غامضة. وفي أسماء ناس اختفت فجأة. لكن عمرها ما تخيلت إن الراجل اللي نايم في الغرفة قدامها… هو محمود السيوفي نفسه.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى