
الساعة اتنين بالليل، كان خطير مافيات القاهرة قاعد على كرسيه المتحرك، ورفع راسه بص لي وسألني سؤال جمد الدم في عروقي.
“يا حبيبة، تؤمني إن راجل مشلول لسه يقدر يشتهي ست؟”
كنت واقفة حافية في مكتبه، لابسة قميصه الأبيض فوق فستان سهرة باظ من بقع النبيذ الأحمر. وعلى ترابيزة المكتب المصنوعة من الأرو الفاخر، كان فيه عقد جواز مدته اتناشر شهر ومكتوب فيه أربعة مليون جنيه، ومفتوح على صفحته الأخيرة. شنطتي كانت فوق معبأة وجاهزة، وكنت ناوية أختفي من حياة أدهم قبل الفجر للأبد. بس النظرة اللي في عيونه السوداء خلت فكرة إني أهرب فجأة مستحيلة.
“بتسألني ليه كده؟” همست بصوت واطي.
أدهم شد أصابعه بقوة على مساند كرسيه المتحرك وقال: “عشان طول التلات أسابيع اللي فاتوا، كنتي بتبوصيلي كإني راجل. مش مجرد مأساة.. مش ثروة.. ومش حاجة محتاجة تصليح.” ونزل بصوته أكتر: “والليلة دي، أنا محتاج أعرف.. هل أي حاجة من دي كانت حقيقية؟”
بصيت ناحية باب المكتب. براه كان فيه سلم رخام، وقصر هادي، ومستقبل أنا قررت خلاص إني أسيبه وأمشي.
والحاجة الأكتر قسوة إني وقعت في حب جوزي ده قبل ساعات قليلة بس من ما أعرف هو اختارني ليه أصلًا.
والقصة بدأت من تلات أسابيع، لما كوباية زجاج اتكسرت.
اسمي حبيبة مرسي. عندي ٢٦ سنة، ولحد وقت قريب، أغلى حاجة أملكتها كانت لابتوب قديم كل ما البطارية تنزل تحت التلاتين في المية يبوظ لوحده. كنت بشتغل شغلتين؛ الصبح أشتغل في كافيه زحمة قريب من وسط البلد، وبالليل أنظف مكاتب في ناطحة سحاب عملاقة تابعة لـ “مجموعة الرفاعي”.
معظم بالليل، كنت باكل عشاي في المترو. ومعظم الصبح، كنت بصحى قبل الساعة خمسة. وكان في حسابي في البنك ألفين وخمسمائة جنيه، وشوية فواتير طبية مش مدفوعة، وأمي اللي بتصارع سرطان المبيض. اسمها نادية، عندها ٥٣ سنة، عنيدة ودمها خفيف، وتخلي أي غريب يحس إنه في بيته في أول خمس دقایق. ربتني لوحدها بعد ما أبويا توفى وأنا عندي تمان سنين. ولما السرطان رجع يهاجمها، سيبت سنتي الأخيرة في كلية تجارة من غير ما أقول لها إني كنت خلاص قربت أتخرج. بس الأمهات بيعرفوا لوحدهم. قالت لي في يوم وهي على سرير المستشفى: “يا حبيبة، إنتي ما ينفعش تقضي حياتك كلها تدفعي ثمن حياتي.”
مسكت إيديها وقلت لها: “تشوفي بقى.” ابتسمت بس الدموع كانت في عيونها. وبعدها بتلات أيام، التأمين الصحي رفض يغطي العلاج اللي الدكتور قال إنه أملها الوحيد.
وفي الليلة دي، نزلت الشغل وحسيت إن الدنيا قفلت في وشي كل الأبواب بهدوء.
الساعة ١٢:٤٣ بالليل، سمعت صوت زجاج اتحطم جوه قاعة الاجتماعات الكبيرة. فتحت الباب، ولقيت راجل قاعد لوحده قدام النوافذ الطويلة اللي بصة على أنوار القاهرة، وكرسيه المتحرك الأسود واقف قدامه. كوباية كريستال مكسورة كانت مرمية جنب جزمه الجلد النضيفة. كان لابس بدلة رمادي غامق وشارده مرمي على كرسي جنبه، شعره الأسود كاشيني وشوية منكوش، وأكمام قميصه الأبيض متنية لحد دراعه.
عرفته في ثواني. أدهم الرفاعي. عنده ٣٤ سنة، ملياردير، صاحب المبنى، وحسب الكلام اللي بيتقال في الكافيه، أخطر راجل في القاهرة.
من تلات سنين، حد حاول يغتياله على طريق إسكندرية الصحراوي في ليلة ضبابية. السواق بتاعه مات، وهو طلع بإصابة في الحبل الشوكي حرمته من المشي للأبد.
المفروض الحادثة دي تقضي على إمبراطوريته، بس اللي حصل إن أدهم بقى أقوى وأهاب بكتير، والناس الكبيرة كانت بتوطي صوتها وهو سيرة سيرته بتيجي.
وهناك كنت أنا، وماسكة الممسحة في إيدي.
“أنا آسفة،” قلت له. “افتكرت إن الكل روح.”
“كل اللي ليه لازمة روح.”
بصيت على الزجاج المكسور وسألته: “والباقي؟”
“لسه على رقعة الشطرنج.”
ضحكت من غير ما أخد بالي وقبل ما افتكر هو مين. أدهم بص لي، وبعدين ابتسم فجأة.
“إنتي جديدة هنا؟”
“من فريق التنظيف الليلي.. حبيبة مرسي.”
“وأنا أدهم.”
“أنا عارفة.”
عيونه فضلت ماشية ورايا وأنا بلم الزجاج بالجاروف. “مفيش عرض بطولي لإنقاذ الراجل العاجز؟”
بصيت على جزمه الغالي: “إنت لابس جزمة تمنها يجيب إيجاري كذا شهر، وأنا لابسة كوتشي قماش رخيص.. أنا اللي في خطر هنا.”
بص لي شوية بصمت، وبعدين ضحك.
مش ضحكة مجاملة ولا قاسية.. ضحك بجد. والصوت ده خلى الأوضة الواسعة دي تحسسني بالأمان شوية.
قعدنا نتكلم عشرين دقيقة وأنا بنظف. سألني بشتغل بالليل ليه، وحكيت له الحقيقة بس مش كلها. وسألني عن الكلية، وشرحت له إن ظروف الحياة عطلتني. ولما سألني بدرس إيه، قلت له: “محاسبة.”
“محاسبة بتنظف قاعات اجتماعات؟”
“محاسبة لسه مأتخرجتش.”
“وليه مأتخرجتش؟”
“ظروف عائلية.”
فضل باصص لي بعيونه من غير إحراج. وقبل ما أمشي، قال لي جملة فاجئتني:
“تصبحين على خير يا حبيبة مرسي.”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
“استني يا حبيبة.”
وقفت مكانِي، وقلبي دق بسرعة. لفيت كرسيه المتحرك نص لفة ناحيتي، ونظراته كانت ثابتة لدرجة حسيت معها إنه بيقرا أفكاري.
“المجموعة بتاعتي محتاجة محاسبة شاطرة،” قالها بصوت هادي وعميق ملأ الأوضة. “ومكتب التنظيف اللي بيشغلكِ، بيقبضكِ ملاليم مقارنة بالمجهود اللي بتعمليه.”
بصيت له باستغراب. “قصدك إيه؟”
“قصدي واضح. اشتغلي عندي بالنهار.. مراجعة حسابات مش تنظيف. والمرتب هيكون كفيل يحل كل فواتير أمكِ من أول شهر.”
العرض كان جه في أكتر وقت محتاجة فيه لـ معجزة. بصيت لعينيه، وكنت شايفة فيهم ثقة مفرطة تخلي أي حد يخاف منه، بس معملتش حساب الخوف وقتها.. كنت باصة للحل الوحيد اللي هيقذ أمي.
“وأنا هقدم لك إيه في المقابل؟” سألته وأنا رافعة حواجبى.
ابتسم ابتسامة خفيفة ظهرت فيها جنون الثقة عنده: “ولاء.. وشغل مظبوط بالملليم. وافقي، وبكرة الصبح تكتبي العقد.”
ومن هنا بدأت الحكاية الحقيقية.. حكاية خلتني أوافق على جواز صالونات أغرب من الخيال، جواز مدته سنة واحدة بأربعة مليون جنيه، عشان أكتشف بعد ما وقعت في حبه، إنه ماختارنيش صدفة.. وإن كل خطوة مشيتها كانت مرسومة على رقعة الشطرنج بتاعته بدقة.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
تاني يوم الصبح، كنت قاعدة على مكتب فخم في الدور الأربعين، قدام شاشة لابتوب شغال بكفاءة عمره ما حلم بيها. ريحة المكان كانت كفيلة تفهمني إني دخلت عالم تاني خالص.. عالم البلاوي المستخية ورا البدل الغالية وأبراج الازاز.
سكرتيرته الخاصة، واحدة ست حادة ومترتبة كأنها عسكري في جيش، دخلت ورمت قدامي ملف جلدي أسود.
“أستاذ أدهم عايز التقرير المالي لشركة الاستيراد قبل الساعة اتنين،” قالتها من غير ما تبتسم، وطلعت.
فتحت الملف، وعقلي المحاسبي اشتغل لوحده. الأرقام كانت متستفة بشكل غريب.. أو بالأصح، كان فيه حاجات متغطية بذكاء شديد تخلي أي مراجع عادي يعديها من غير ما يحس. بس أنا مش مراجع عادي.. أنا واحدة بتدور على ثغرة تنقذ حياة أمها، وعيني بتلقط الغلطة وهي طائرة.



