
ده كل اللي الدكتور قال إنه فاضل لتوأمي اللي عندهم ست سنين. ولأول مرة في حياتي، كل الفلوس اللي جمعتها، وكل السلاح اللي حواليا، وكل النفوذ والخوف اللي بنيته على مدار سنين كواحد من أخطر رجال الأعمال في القاهرة ماكانوش بيساووا حاجة. ولا جنيه. ولا حتى اسم العيلة اللي كان ناس كتير بتخاف تسمعه.
الساعة كانت تلاتة العصر، والموت مستني جوه الفيلا.
وفي الوقت اللي أنا كنت واقف عاجز قدام مرض مش عارف أحاربه، كانت ست غلبانة واقفة بره البوابة الكبيرة، رافضة تمشي.
وماكنتش أعرف إن الست دي داخلة حياتي عشان تقلب كل حاجة فيها.
قبلها بساعات، كان الدكتور شريف الدمنهوري واقف جنبي في غرفة العلاج الخاصة اللي مجهزها لأولادي جوه الفيلا.
ورا الإزاز، كان آدم وليان نايمين جنب بعض، وإيديهم الصغيرة متشابكة في بعض.
الدكتور شريف أخد نفس طويل وقال بصوت واطي
إحنا وصلنا لأقصى حاجة جسمهم يقدر يستحملها يا فهد.
ما رديتش.
فضلت باصص للتوأم من ورا الإزاز.
الدكتور كمل
تحاليل الدم مش بتتحسن ونخاعهم مش مستجيب زي ما كنا متوقعين.
فضلت ساكت.
وبعد كام ثانية، سألت السؤال اللي كنت خايف أسمع إجابته
حالتهم إيه يا دكتور؟
الدكتور ما ردش.
ثانيتين
تلاتة
لكن سكوته كان كفاية.
قلت وأنا بحاول أتماسك
طمنّي يا دكتور؟
بصلي في عيني.
الوضع دقيق وصعب جدًا.
الكلمة نزلت عليّا كأن حد ضربني في صدري.
أنا فهد المنشاوي.
الراجل اللي سنين طويلة محدش كان يجرؤ يقف قصاده.
ناس كتير اختفت من الدنيا عشان خانتني.
رجالة حاولت تبتزني، ولما افتكروا إنهم يقدروا يهددوا عيلتي، عرفوا بنفسهم ليه اسم المنشاوي كان كفاية يخلي أي حد يعيد حساباته.
كان عندي فلوس تقدر تشتري عمارات وشركات وحياة جديدة كاملة.
وكان عندي رجالة مسلحة واقفة على باب بيتي طول اليوم.
وكان عندي نفوذ يخلي ناس كتير تفتحلي الأبواب قبل ما أخبط عليها.
لكن المرض؟
المرض ماكانش بيفرق معاه أنا مين.
ماكانش بيخاف مني.
ماكانش ممكن أرشيه.
ولا أهدده.
ولا حتى أضربه برصاصة.
دخلت أوضة التوأم وأنا حاسس إن رجلي تقيلة بشكل عمرها ما كانت تقيلة.
آدم فتح عينه بالعافية.
بابا؟
قربت منه على طول.
أنا هنا يا حبيبي.
ليان اتحركت جنب أخوها وفتحت عينيها بالعافية.
سكتت شوية، وبعدين بصتلي.
بابا؟
نعم يا قلب بابا.
مسكت إيدي بإيدها الصغيرة.
وبصوت ضعيف قالت
لو أنا مشيت الأول آدم ييجي معايا؟
اتجمدت مكاني.
أنا سمعت تهديدات وأنا محاصر بالسلاح.
وشفت ناس بتترجى عشان تعيش.
واتحطت رصاصة على راسي قبل كده وما رمشتش.
لكن الجملة دي
الجملة دي كسرت حاجة جوايا ماحدش قدر يكسرها طول عمري.
قعدت جنبها ومسكت إيديها الاتنين.
محدش هيروح في حتة يا ليان.
بصتلي بعينيها المرهقتين.
وبهدوء قالت
بس ماما راحت.
جينيف
مراتي.
الست اللي دفنتها بإيدي من سنتين.
لسه مجرد سماع كلمة ماما كان كفاية يفتح جرح كنت عامل نفسي ناسيه.
حاولت أبلع الغصة اللي في زوري.
لكن آدم شد في كم القميص بتاعي.
بابا؟
بصيتله.
عايز إيه يا حبيبي؟
قال
ممكن أنام جنب ليان النهارده؟
سكت لحظة.
ليه؟
عشان ماتخافش لو صحيت بالليل.
غمضت عيني ثانية.
وبعدين ابتسمت له بالعافية.
ناموا جنب بعض براحتكم.
وقت الضهر، الفيلا كلها كانت ساكتة.
السور اللي حوالين البيت كان عالي، والبوابات الحديد ضخمة، والكاميرات مغطية كل ركن.
رجالتي كانوا موزعين في كل حتة.
عربيات حراسة واقفة عند المدخل.
مفيش حد يقدر يقرب من البيت من غير ما نعرف.
أنا قضيت سنين أبني المكان ده كأنه حصن.
حصن يمنع أي خطر يوصل لولادي.
لكن في الآخر اكتشفت الحقيقة القاسية
الحصون بتحميك من الناس.
مش من المرض.
الساعة كانت قربت على تلاتة العصر وأنا قاعد في مكتبي، لما دخل محمود، راجل إيدي اليمين وأكتر شخص بثق فيه.
قفل الباب ووقف قدامي.
لسه واقفة بره.
رفعت عيني من على الورق.
مين؟
الست اللي الأستاذة نجلاء قالت عليها بتاعة الشغل.
قطبت جبيني.
إحنا مش محتاجين حد.
قولتلها.
يبقى مشيت؟
محمود سكت.
رفعت عيني له.
مالك؟
قال
هي لسه واقفة.
طردوها.
حاولنا.
يبقى طلّعوها بالعافية.
محمود ما اتحركش.
وده لوحده كان غريب.
قلت بحدة
في إيه؟
اتنهد.
الست دي شكلها مش طبيعية.
يعني إيه؟
مفيش فلوس معاها. مفيش عربية. مفيش حد معاها. حتى هدومها على قدها جدًا.
وماله؟
بتقول مالهاش بيت تروحله.
بصيتله ببرود.
دي مش مشكلتي.
سكت شوية.
وبعدين قال
في حاجة تانية.
رفعت حاجبي.
إيه؟
محمود قرب خطوة، ووطي صوته.
هي عارفة موضوع آدم وليان.
في اللحظة دي، كل حاجة جوايا اتشدت.
وقفت من مكتبي.
عارفة إيه بالظبط؟
بتقول إنها عارفة خطورة حالة الولدين.
المكتب كله سكت.
حسيت الدم انسحب من وشي.
مرض ولادي كان سر.
سر محدش يعرفه تقريبًا.
حتى أغلب العاملين في الفيلا ماكانوش عارفين غير إن التوأم بيتعالجوا.
الدكتور ملتزم.
الممرضين مضّوا على تعهدات.
والدخول للفيلا أصلاً كان بيتم بتفتيش ومراجعة دقيقة.
فإزاي؟
إزاي ست واقفة على البوابة تعرف حاجة أنا مخبيها عن الدنيا كلها؟
قلت
دخّلها.
محمود اتحرك ناحية الباب.
لكن قبل ما يفتحه، وقف وبصلي.
فهد
إيه؟
هي قالت إنها ماجتش هنا عشان الشغل.
فضلت باصصله.
أمال جايّة ليه؟




