
“الماسكات بتخبي الوشوش، بس بتكشف القلوب.”
كنت واقفة وسط قاعة الحفل التنكري، والأنوار الدهبي نازلة من النجف الكريستال بتلمع على قناعي الفضي. حواليا الناس بتضحك، والفرقة الموسيقية شغالة عزف، والفستاتين الحرير بتطشطش وهي بتتحرك على البلاط اللامع. كل وش مستخبي ورا ريش ودانتيل وجواهر، وكل واحد بيمثل دور مش دوره.
وأنا.. كنت رايحة ندائي لقلبي، أدور على الراجل اللي افتكرته حبيبي وراجل عمري.
لحد ما قربت من ركن بعيد شوية، وسمعت صوته.
“عادية زي أي واحدة في الشارع، بس وراها تلاتين ألف جنيه في السنة! وأي راجل يرفض لقطة زي دي يبقى ساذج.”
ضحكة اللورد إسماعيل هزت القاعة كلها.
كنت واقفة على خطوتين منه، ومستخبية وراء قناعي الفضي، سامعة الراجل اللي وعدني بحب عمري وهو بيقعد يحكي لأصحابه تفاصيل فلوسي وثروتي عشان يسلّيهم.
واحد منهم رفع كأسه وقال بتهكم: “ومدام ليلى أخبارها إيه؟”
ابتسم إسماعيل بمرح: “مدام ليلى؟ دي قصة تانية خالص.. الواحد لازم يروق على حاله شوية! أول ما أتجوز نادية دي، هسفرها تقعد في العزبة في البلد. تاخد هي الفلوس، وآخد أنا حريتي، ومدام ليلى تتقعد في المكانة اللي تخصها بجد.”
أصحابه ضحكوا كثيراً جداً من قلوبهم.
أنا.. ولا كأن حصل حاجة. ولا حتى رمشت.
صار لي 8 شهور مغفلة، فاكرة إني مخطوبة لواحد راقي، بيفهم، بيقرأ خطابات بحب، وبيحبني لشخصي مش عشان كوم الفلوس اللي بابا سابهولي.
طلعت أنا اللي في المليون مخدوعة.
الفرقة شحّادة شغالة عزف، والناس بتلف وتتزحلق على البلاط اللامع تحت النجف الكريستال الضخم. حرير الفساتين بيطشطش في بعضه، والألماس بينور في رقاب الهوانم، ومئات الأقنعة بتلف حوالين النور الذهبى بتاع القصر.
وأنا.. مش سامعة غير صوت ضحكة خطيبي.
تلاتين ألف جنيه في السنة!
هي دي قيمتي عنده؟
لا حب، لا أصل، ولا السهروات الطويلة اللي كنت بقعد أدافع عنه فيها قصاد خالاتي لما كانوا يحذروني ويقولولي إن إسماعيل طامع في ورثك.
افتكرت آخر جواب بعتهولي:
(يا نور عيني يا نادية، قاعد أعد الساعات والدقائق لحد ما تبقى في بيتي مراتي.. ده أنتِ خليتي أعدل وأسعد راجل في مصر كلها.)
الكلمات دي حفظتها من كتر ما قريتها.
لدرجة إني دفعْت فاتورة الترزي بتاعته بنفسي لما جه اعترفلي بإن عنده زنقة مادية لخبطته، وشكرني بحنية خلتني أنكسف من نفسي إني فكرت أشُك فيه أصلاً.
دلوقتي بس فهمت هو كان بيشكرني على إيه.
فلوسي كانت هي اللي بتموّل الحفلات والعيشة اللي بيستمتع بيها من ورايا!
“كلمتين قساة قوي يا هانم، خسارة إنك سمعتيهم.”
الصوت ده جاني من على يدي اليمين بهدوء تام.
لفيت وشي.
لقيت راجل لابس عباية سوداء وقناع غامق واقف جنبي. مقبّض على قناعه مخفي نصه، بس طوله، ووقفُته المظبوطة، ونبرته اللي فيها ثقة، تقول إن ده راجل متعود يأمر فيطاع.
كان واقف يراقب إسماعيل معايا.
همست له: “سمعت كل حاجة؟”
قال لي بكل برود: “سمعت اللي يكفيني عشان أعرف إن خطيبك ده واحد سيئ.”
رديت وأنا بستطعم الكلمة كأنها غريبة عليا: “خطيبي…”
مال براسه لقدام شوية: “تحبي أوضح حقيقته وأوقفه هنا تماماً قدام الكل؟”
لثانية واحدة، تخيلت شكلي وأنا بتفرج على إسماعيل وهو متبهدل ومفضوح وسط المجتمع كله.
بس لا..
أنا قعدت 8 شهور سايبة الكل يمشيني على مزاجهم. خالتي حذرتني، محامي العائلة شكّ في كتب الكتاب، وحتى صاحب بابا القديم قالي اقعدي عاقلة.
ساعتها ما سمعتش لحد.
المرة دي.. أنا اللي هرد بنفسي.
بصيت له وقولت: “لأ، أنا هجيب حقي بنفسي.”
بان لمعة إعجاب غريبة في عينه: “يبدو إن هيبقى ليا الشرف أتفرج على العرض ده.”
وقبل ما أرد، الساعة الكبرى اللي في آخر القاعة دقت معلنة الساعة اتناشر بالتمام.
نص الليل.
الموسيقى سكتت.
ودي اللحظة المعروفة في الحفلات التنكرية.. كل واحد بيقلع قناعه.
القاعة اتقلبَت ضحك وفسح أشرطة وفك أقنعة، وظهرت الوجوه حقيقية من تحت الريش والماس والدانتيل.
عينيا راحت على إسماعيل.
كان لسه قاعد وسط أصحابه ومانفخ نفسه على الآخر. مدام ليلى مش باينة، بس كنت متأكدة أنها مستخبية في حتة قريبة.
يا ترى كانت عارفة إنه ناوي يرميني؟
ولا هي كمان ضحك عليها بكلمتين زيي؟
خدت نفس طويل ومشيت نحوه بخطوات ثابتة.
“إسماعيل بيه.”
لف وشه ناحيتي.
وفجأة، البسمة الساحرة اللي كانت بتوقع قلبي زمان ظهرت على وشه بالمتعتين: “يا أهلاً بالهانم.. هو احنا اتقابلنا قبل كده ولا إيه؟”
أصحابه ضحكوا بخفة.
رفعت إيدي.. وبكل هدوء قلعت القناع الفضي.
الابتسامة اتلحست من على وشه.
بلع ريقه وبان كأنه شاف عفريت: “نادية؟!”
“مساء النور يا إسماعيل بيه.”
عينه نطت على أصحابه بخوف، وبعدين رجعتلي: “نادية! إنتِ بتعملي إيه هنا؟!”
“بسمع.”
وشه جاب ألوان: “بصي.. أنا ممكن أفسرلك كل ده!”
سألته بصوت هادي يقطّر برود: “تفسر إلي إيه؟ يهمني أوي أفهم إزاي واحدة بتبقى ‘عادية زي أي حد’ لما تقعد مع أصحابك، بس لما تيجي سيرة الجواز بتسوى تلاتين ألف جنيه؟”
مبقاش فيه صوت ضحك خالص.
واحد من صحابه لقى الأرض قدامه فجأة مسلية وقعد يبص فيها.
مد إيده يمسك دراعي: “يا نادية دي كانت كدبة إبريل! هزار ولاد يا بنتي، إنتِ عارفة قعدات الرجالة وسخافاتها.”
“وسمعت كمان اللي قلته عن مدام ليلى.”
قفل أصابعه على معصمي بقوة: “مش هنا والنبي! تعالي نتفاهم في حتة لوحدنا.”
“مافيش بينا كلام عشان يتدارى يا إسماعيل بيه.”
سحبت إيدي منه بعنف: “عقد الجواز اللي مكنش لسه اتوقع.. انساااه خالص، والخطوبة دي اتلغت.”
وشه اتنشّف واتعصب: “إنتِ اتجننتي؟! هتعمليلي فضيحة وسط الناس عشان كلمتين سمعتيهم بالصدفة؟!”
“مش عملة فضايح.. أنا بس بقفل باب خداع كان مفتوح في وشي بالغلط.”
جه يمسك إيدي تاني بالعافية.
وفي اللحظة دي، فيه إيد تانية قوية مسكت إيده وكتّفته.. إيد لابسة قفاز أسود غامق.
الراجل اللي كان لابس عباية سوداء جه ورانا من سكات.
“سيب إيديها.”
كلمتين قالهم بهدوء مرعب، خلوا إسماعيل يفتح إيده ويرجع لورا فوراً من الخضة.
“إنت مين يا عم إنت؟!”
الراجل بكل هدوء.. مد إيده وقلع قناعه وغطاء راسه.
القاعة كلها.. سكتت تماماً.
الرجالة عدلت وقفتها باحترام، والهوانم نزلت مراوحهم، والناس بدأت توطي وتنحني واحد ورا التاني.
الباشا سليم.




