روايات وقصص

عقد زواج حكايات شروق خالد

كمل جاسر كلامه وهو بيقرب خطوة كمان ناحية السرير، وعينيه مثبتة في عيني كأنه خايف أهرب منه.

“الورقة دي،” قالها وهو بيشير للتواريخ القديمة بخط أثقل، “هي السبب الحقيقي اللي خلاني أحط اسمك في العقد مش اسم أي حد تاني.”

عقدت حواجبي وقلبي بيدق بجنون: “قصدك إيه يا جاسر؟ ما تحلفنيش بقى، اتكلم علطول!”

تنفس بعمق كأن الكلام ثقيل على قلبه، وابتسم ابتسامة صغيرة باهتة: “من سنتين، وقبل ما تفكري تشتكي من الشغل أو تقابلي محامي أصلاً.. كنتِ شغال في الكافيه الصغير اللي جنب الميناء. كنتِ بتقعدي بالساعات تكتبي في دفترك القديم، وتصلحي بين العمال لو حصلت مشكلة، وكنتِ بتضحكي بصوت عالي يملى المكان حياة، في الوقت اللي أنا كنت عايش فيه وسط القلق والفلوس والأثر.”

سكت ثانية كأنه بيسترجع اللحظة دي، وكمل بصوت أنعم بكتير:

“أنا راقبْتِك ست شهور يا فريدة.. مش عشان شغل ولا عشان تحالف عائلات ولا زفت الطين اللي المحامي كتبه. أنا اخترتك إنتِ بالذات لأنك كنتِ الحاجة الوحيدة النضيفة والحقيقية في الدنيا دي. وعملت قصة العقد والمؤتمر والتحالف ده كله تمثيلية قدام الناس، عشان أقدر أدخل حياتك وأشتريلك استقرار من غير ما تخافي مني، ومن غير ما تحسي إنك مدينة لي بحاجة.”

فضلت باصة له ومفتوحة البوق من الصدمة. كل الكلام دخل في بعضه.

“تقصد.. تقصد إنك كنت عارفني من قبل ما نتجوز؟”

هز راسه ببطء، ومد إيده لمس خدّي برقة عمره ما عملها قبل كده: “من قبل ما تتخيلي أصلاً. والاتفاق اللي كان بينتهي يوم الاتنين.. مكنش انفصال يا هبلة.. ده كان التاريخ اللي كنت مستنيه يخلص عشان أطلب منك تتجوزيني بجد، جواز دائم، من غير عقود ولا شروط.”

دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي مش من القهر، دي كانت من فرحة كادت تقف قلبي.

“يعني.. يعني مش عشان البيبي ولا الالتزام؟”

قرّب وخدني في حضنه بقوة، كأنه بيخبيني عن العالم كله، ونزل بوشه جنب أذني وهمس بصوت دافئ:

“البيبي ده أحلى حاجة حصلت لنا، بس حتى لو ماكنش فيه بيبي.. كنتِ هتعملي إيه لو قلت لك إني كنت هقفل عليكي باب بيتي ده للأبد، وإني مستحيل أسمح لإنك تبعدي عني خطوة واحدة؟”

دفنت وشي في صدره، وحضنته بكل قوتي، وأنا ببتسم وسط دموعي.. ولقيت نفسي بقول بصوت هادي:

“يبدو إننا طلعنا احنا الاتنين بنعرف نكدب كويس يا سيادة المعلم.”

ضحك ضحكة عميقة هزت صدره، وباس رأسي بحب، وقال وهو بيقفل ملف العقد ويرميه على جنب:

“خلاص.. البس شنطتك وانزلي معايا المطبخ.. هنعمل قهوة، ونقعد نتفق على أسامي البيبي.. من غير عقود بقى يا فري.”

#حكايات_شروق_خالد

#حصري

قبل ما عقد جوازنا يخلص بتلاتة أيام، قلت لرئيس التنظيم السري الأشد رعباً في مصر إني حامل في ابنه. جاسر العشري، الملياردير القاسي اللي كان مسيطر على نص عمليات الموانئ في إسكندرية وواحدة من أكبر شبكات التجارة السرية في البلد، بص لي وهمس وقال: “ده مستحيل.”

كنا متفقين نفضل متجوزين سنة بالظبط، ننام في أوض منفصلة، ونظهر سوا قدام الناس، وبعدين ننفصل بهدوء أول ما مصلحته التجارية تستقر. بس في وسط الطريق ده، أنا وقعت في حبه بجد. ودلوقتي كنت بلم هدومي وبجهز شقة صغيرة عشان البيبي بتاعنا. ولما جاسر حس إني ماشية بجد، اختفى جوه مكتبه، وبعدين رجع وهو ماسك الملف البيج اللي فيه عقد جوازنا.

اسمي فريدة النجار.. الكل بينادينا: فري.

عندي سبعة وعشرين سنة، وقبل سنة بالظبط، اتجوزت راجل مصر كلها بتخاف منه.

جاسر العشري.

ثمانية وثلاثين سنة.

طويل.. أسمر.. وسيم بطريقة تخوف.

ورأس واحدة من أخطر العائلات اللي مسيطرة من تحت الطاولة.

مكالمة تليفون منه تحرك ملايين، وكلمة منه تخلّي القاعة تفضى في ثواني، ومفيش مخلوق كان بيجرؤ يراجعه في كلامه.

إلا أنا.. أحياناً.

بس جوازنا مابداش بحب، بدا بعقد.

جاسر كان محتاج مرآة تضمن تحالف مهم بين عائلتين كبار في السوق، وأنا كنت محتاجة استقرار مالي بعد سنين شقا طويلة عشان أصرف على نفسي. فالمحامين بتوعه جهزوا الاتفاق: سنة واحدة، ظهور في المناسبات، أوض نوم منفصلة، مفيش أي توقعات عاطفية، مقابل مالي، وانفصال هادئ أول ما الشغل يخلص.

قريت كل صفحة ومضيت. كنت عارفة أنا موافقة على إيه كويس أوي.

اللي مكنتش عرفاه، هو إيه اللي يخليني أحب راجل عمره ما وعدني بحاجة!

في الأول، الجواز كان ماشي زي ما اتفقنا: نحضر مناسبات سوا، نعمل عزايم رسمية، نبتسم للكاميرات، وبعدين كل واحد على أوضته. جاسر كان دايماً مشغول؛ اجتماعات، حراسات، ومكالمات آخر الليل، وأوقات بيختفي بالأيام، وأنا اتعلمت إني مسألتش كتير.

بس الحاجات الصغيرة بدأت تتغير..

بقى يلاحظ لو فوت وجبة الفطور، ويسأل أنا ليه صاحية لحد الساعة اتنين بالليل بقرأ، وبقى يجيب معاه فلّ وجاسمين البيت بعد ما عرف إنها ريحتري المفضلة. في مرة، قفشته واقف في المطبخ والموسيقى شغالة من السماعة الصغيرة بتاعتي.

كان شكله مش مرتاح: “إيه ده؟”

“موسيقى.”

“ما أنا سامع.”

ابتسمت: “امال بتسأل ليه؟”

وكاد يضحك.. ولحظتها مكنش شكله خالص زي رئيس التنظيم اللي الناس بتخاف منه، كان شكله زي أي راجل عادي نسي طعم الحياة البسيطة. ودي كانت النسخة من جاسر اللي وقعت في حبها؛ مش الملياردير ولا رئيس السوق الأسود.. بس جاسر.

مع الوقت، الجواز مبقاش يبان كنه اتفاق تجاري خالص. بقينا نقعد ندردش لآخر الليل، ونقضي صباحات هادئة، وعدينا خطوط مكنش أي فينا متوقع نعديها.

لحد ما اكتشفت إني حامل.

فضلت باصة لجهاز التحليل لحد ما إيدي بدأت ترجف.. خطين حمر! بيبي.. بيبي بتاعنا إحنا الاتنين.

مكنتش عارفة جاسر هيكون رد فعله إيه. العيال مكنوش مكتوبين في العقد، وكان طول السنة دي مقضيها يقولي إن التعلق بالناس بيضعف البني آدم. فلما قلت له أخيراً، بالكاد قدرت أنطق الكلام:

“جاسر.. أنا حامل.”

وقف ثابت مكانه تماماً وبص لي: “ده مستحيل.”

قلبي وقع في بطني: “أنا عملت تحليلين.”

فضل باصص لي: “يا فريدة…”

“أنا عارفة إنه مكنش جوه الاتفاق.”

عض على شفايفه وفكه نشف، ولثواني حسيت إنه هيقولي إني بوظت كل حاجة. بس بدل كده، قعد بهدوء وسأل:

“متأكدة؟”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى