روايات وقصص

الهروب الأخير #حكايات_شروق_خالد

زياد ما شالش عينه من على الطريق، ورد عليه بحنين:

«يا حبيبي لا.. أمك مش زعلانة منكم أبداً. كل اللي عايزك تعرفه وتطمن له إن بابا معاكم ومش هسيبكم أبداً.»

حمزة سكت شوية، ورجع قال بصوت مكسور:

«أنا حاولت أدي سلمى بسكويت.. بس هي ما رضيتش تاكل خالص.»

زياد حس بغصة في زوره وهو سامع كلام ابنه، واتمنى لو الواد الصغير ده ما اضطرش في يوم يشيل هم بالشكل ده، بس في نفس الوقت كان فخور بيه وفرحان إنه اتصل بيه.

«انت جدع وراجل.. وعملت الصح لما اتصلت بيا يا حمزة.»

ولأول مرة من ساعة ما فونّه رن بالمكالمة دي، شاف ابتسامة خفيفة وراحة ظهرت على وش ابنه.

حمزة سند راسه لوراء على الكنبة، وحس بالأمان بعد ما شاف أبوه جنبه.

زياد بص لهم في المراية نظرة أخيرة..

ومهما كان اللي حصل لرنا، والسبب اللي خلاها تسيبهم وتمشي بالطريقة دي، مبقاش يهمه في الدنيا دي كلها غير إنه يطمن على صحة حمزة وسلمى.

أول ما سور المستشفى باين قدامه، عرف إن اللي بيحصل ورا التليفونات المقفولة دي، وراءه سر كبير ومعقد أكتر بكتير مما كان متخيل.

قعد زياد على الكرسي جنب سرير سلمى، وعينيه تايهة في الحائط الأبيض قدامه. كلام منى كان لسه بيرن في ودنه… “رحلة شغل في إسكندرية؟” إزاي وهي قايلة للعيال حاجة تانية خالص؟ والأهم من ده كله، لو هي مش في إسكندرية ومش في البيت مع العيال… راحت فين؟ وفين الشنط؟ وفين تليفونها اللي مقفول من ساعات؟

حس ببرودة سارية في جسمه وهو بيحاول يربط الخيوط ببعضها. رنا مش متعودة تسيب العيال لوحدهم بالطريقة دي مهما حصل، حتى في أسوأ أيام الخلافات اللي ما بينهم، كانت دايماً أم حريصة عليهم. فكرة إنها تسيب بنت صغيرة مريضة وابن تاني في سن حمزة لوحدهم من غير لقمة عيش ولا دواء.. دي مش عوايدها أبداً، وراها سر كبير.

بعد نص ساعة، باب الأوضة اتفتح بهدوء ودخلت منى، أخت رنا، وكانت باينة عليها علامات الفزع والهلع، وشعرها مش متظبط وكأنها قامت من النوم وجريت على هنا علطول. قربت من السرير بسرعة وبصت لسلمى وهي بتدمع:

«حبيبتي يا سلمى.. مالها البنية؟ إيه اللي حصل يا زياد فهمني والنبي! قلبي مقبوض من ساعة ما كلمتني!»

زياد قام واقف، وشده منى بعيد شوية عن السرير عشان ما يصحوش حمزة اللي نام على الكرسي من التعب:

«اهدي يا منى.. الدكتور قال الحرارتها نزلت وبقت أحسن، بس السؤال هنا.. إنتي آخر مرة كلمتيها امتى بالضبط؟ وقالت لك إيه بحرف الواحد؟»

منى بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مكسور:

«كلمتني من حوالي أربع أيام.. قالت لي إن عندها شغل ضروري جداً تبع الشركة في إسكندرية، وهيطلعوا مؤتمر هناك، وسألتني لو أقدر أخد العيال عندي كام يوم.. بس أنا كنت مشغولة أوي في أسبوع شقايا مع عيالي وظروفي، فقالت لي: (خلاص متتعبش نفسك، أنا ظبطت مع واحدة صحبتي تاخد بالها منهم كام يوم على ما أرجع).. ونسيت الموضوع!»

زياد ضيق عينه بغضب مكتوم:

«صحبتها مين؟ تعرفي لها اسم؟ ولا عنوان؟»

منى هزت راسها بسرعة وبخوف:

«والله ما أعرف يا زياد! رنا عمرها ما كانت تحكي لي تفاصيل أصحابها الجداد دول.. دي من فترة كده بدأت تتعرف على ناس تانية، وخصوصاً بعد ما دخلت في جروبات تانية على الفيس وشغل السوشيال والكلام ده.. كنت دايماً أنبهها تبعد عن الناس المشبوهة، بس مكنتش بتسمع الكلام!»

زياد حس إن الدماغ هتنفجر من كتر التفكير. جروبات سوشيال ميديا؟ ناس جديدة؟ وشغل مش واضح؟ الحكاية بتعقد أكتر وبتاخد منحنى مرعب.

بص لمنى بجدية وقال:

«بصي يا منى.. العيال هيباتوا الليلة هنا تحت الملاحظة لحد ما نطمئن عليهم تماماً. وأنا هعمل حاجتين.. هروح الشقة دلوقتي أفتش كويس يمكن سابت ورقة، أو أجندة، أو أي حاجة تدل هي راحت فين أو مين الناس دي.. وفي نفس الوقت، هطلع على قسم الشرطة أعمل بلاغ تغيب رسمي، لأن الموضوع كده عدى حدود الخلاف العائلي وبقى فيه خطر حقيقي على حياتها.»

منى عيطت وحطت إيدها على بوقها:

«يا ربستر يا رب.. طب وأنا هقعد هنا مع العيال لحد ما ترجع، أوعى تمشي وتسيبهم لوحدهم.»

«متخافش.. مش هتأخر، ثواني وراجع لكم.»

ساعتها، خرج زياد من المستشفى وركب عربيته، وطار على شقة المعادي. طول الطريق كان بيكلم نفسه بحرقة: «يا رنا.. سترتي إيه وراكِ؟ ورحتي فين وسيبتي عيالك بالمظهر ده؟»

وصل العمارة، وطلع الشقة اللي كان بابها لسه مردود زي ما سابه. دخل ودخل غرفة النوم بتاعتها.. كل حاجة كانت في مكانها، الهدوم، الدولاب.. بس لما فتح الدرج اللي جنب السرير، لقى حاجة غريبة لفتت انتباهه.

ورقة صغيرة مقطوعة من أجندة، ومكتوب عليها بخط إيد رنا اسم فندق مش معروف في منطقة مقطوع فيها التغطية في العين السخنة، ومكتوب جنبها معاد تاريخه النهاردة، وتحت الاسم مكتوب بخط سريع: (لو جوني.. محدش يفتح، وخلي بالك من الكاميرات).

زياد بص للورقة ببرود رعب سرى في عروقه.. العين السخنة؟ فندق مقطوع؟ وكاميرات؟ ومين هما اللي “لو جوني”؟!

قبل ما يلحق يستوعب الجملة، سمع صوت خطوات تقيلة وثقيلة بتطلع على السلم برة الشقة.. وصوت مألوف بينادي بصوت واطي ومرعب من على الباب:

«يا سي زياد.. شكلك جيت بدري قوي.. بس للأسف، جيت في الوقت الغلط!»

 

#حكايات_شروق_خالد

العربية دخلت طوارئ مستشفى الأطفال، والباب اتفتح بسرعة على زحمة ودوشة وطاقم طبّي بيتحرك في كل حتة.

زياد نزل وشال سلمى بحذر شديد، وجرى بيها على جوه، وهو بيصرخ بصوت مليان خوف وقلق:

«دكتور! لو سمحتم حد يلحقنا.. البنت حرارتها عالية جداً ومشاعرة!»

في ثواني معدودة، اتحركت ممرضة ومعاها دكتور شاب، وجابوا ترولي ونيموا سلمى عليه، ودخلوا بيها على أوضة الكشف بسرعة، وجه الأمن منعوا زياد وحمزة من الدخول جوه.

حمزة مسك في جلاليب أبوه بخوف، وعניه دمعت:

«هي.. هي سلمى هتبقى كويسة يا بابا؟»

زياد نزل على كعب رجليه قدام ابنه، وحضنه جامد لصدره، وباس رأسه وهو بيحاول يبان ثابت وقوي قدامه:

«متخافش يا بطل.. الدكتور شاطر وهياخدوا بالهم منها، ثواني وتطلع زي الفل.. قاعد معايا هنا متتحركش.»

وقف زياد قدام باب أوضة الكشف، أعصابه مشدودة كأنها حبل قرب يتقطع، رايح جاي في الممر الضيق، وكل شوية يبص لساعته، وبعدين يبص للموبايل ويحاول يرجع يرن على رنا للمرة المية.. بس التليفون بيدّي نفس النغمة الباردة: «الرقم المطلوب قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق التغطية…»

«يا رب استر.. إنتي فين يا رنا؟ وسايبة عيالك كده إزاي؟» قالها لنفسه بصوت مسموع والشرارة في عينه.

بعد وقت حسّه كأنه سنة، الباب اتفتح وطلع الدكتور وهو بيمسح عرقه.

زياد هجم عليه بقلب مخلوع:

«طمني يا دكتور.. بنتي مالها؟»

الدكتور اتنهد وقال بتهدئة:

«الحمد لله.. جت في وقتها. البنت عندها التهاب حاد في اللوز والزور مسبب لها صهد وسخونية عالية عملت لها حالة هبوط، ده غير إن باين عليها إنها ماكلتش ولا شربت كويس بقالها فترة، وده زود التعب. علّقنا لها محلول وخافض حرارة، وهاتدخل الأوضة دلوقتي ترتاح وتحت الملاحظة.»

زياد حس إن جبل واتزاح من على صدره، خد نفسه بصعوبة وقال:

«ألف حمد وشكر ليك يا رب.. ممكن أخشلها؟»

«طبعاً، بس هدوء عشان نايمة.»

دخل زياد وحمزة الأوضة، وشافوا سلمى نايمة على السرير الأبيض، ومحلول السكر محطوط في إيدها الصغيرة، ووشها هدأ شوية والحرارة بدأت تنزل.

حمزة قرب من السرير ومسك إيد أخته الصغير بحب وخوف:

«هي نايمة يا بابا؟»

«آه يا حبيبي، نايمة ترتاح شوية.. ماتخافش، بقت أحسن بكتير بفضل ربنا وبفضلك أنت لأنك أنقذتها وكلمتني.»

قعد زياد على الكرسي جنب السرير، وطلع تليفونه تاني.. بس المرة دي ماكنش بيرن على رنا، ده فتح رسائل الواتساب، وبدأ يدور على أرقام قرايبها أو صحابها المقربين اللي ممكن يكونوا عارفين هي راحت فين.

رن على أختها الكبيرة «منى»، وفضل التليفون ييرن لحد ما جه صوتها النوميان:

«الو يا زياد؟ خير في حاجة.. الساعة كام دي؟»

زياد اتكلم بصوت كله غضب مصحوب بقلق:

«مني! أنتي فين؟ هي رنا أختك فين؟ العيال قاعدين لوحدهم في الشقة من أيام ومقفلين على نفسهم، وسلمى كانت هتموت من السخونية ونقلتها المستشفى!»

الصوت التاني على الخط التاني اتقلب صراخ وصدمة:

«إيه؟! بتقول مين؟! رنا مش مع العيال؟ دي لسه قايلالي من تلات أيام إنها رايحة مع أصحابها في رحلة قصيرة تبع الشغل في الإسكندرية وسابت العيال معايا.. بس أنا كنت مفكرة إنهم معاها هناك!»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى