
“قبل ما تطلب مني أقف جنبك يا أسر بيه، افتكر كويس.. أنت كنت مكسوف مني قبل ما المية تغير لونها.”الصالون الملكي كله سكت، ومحدش نطق بحرف. من شوية بس، كانت “إنجي” هي البنت اللي الكل بيبص لها بتريقة وبيضحك عليها.
دلوقتي، النافورة الرخام الأثرية اللي طول عمرها بتلمع بماء دهبي بقت بتشع نور زمردي أخضر من تحت رجليها، والباشكاتب الكبيرة، أكبر مستشاري العيلة، وشه جاب ألوان وكأنه شاف عفريت. من أربعمية سنة، وكان شرط أساسي لأي بنت تحلم تتجوز العريس الملكي إنها تنزل النافورة الدهبية دي.
الأسطورة كانت بتقول إن المية دي هي اللي بتكشف عن البنت اللي مكتوب لها تبقى الهانم الأولى والملكة. جيل ورا جيل، بنات العائلات والذوات الأكابر ينزلوا فيها على أمل إن النافورة تختار واحدة منهم. بس ولا مرة في التاريخ حصل حاجة.
وفي اليوم اللي كان المفروض “أسر بيه” يختار فيه العروسة، سرايا الجبل كانت زحمة على آخرها بالباشوات، والأكابر، والعيلات اللي جاية وعندها أمل. واحدة ورا الثانية، البنات بدأت تنزل. بنت شقراء من بتوع جاردن سيتي ولا بسة فستان فضي نزلت الأول..ولا الهوا.
بعدها نزلت بنت ناس مريشة ولابسة أبيض في أبيض..ولا أي جديد. وبعدها دخلت واحدة ثانية متحزمة بالألماظ والجواهر..وبرضه المية زي ما هي. لحد ما أدى المنادي باسم “إنجي”.إنجي كانت تمت ثمانية وعشرين سنة، وعمرها في حياتها ما تخيلت إنها تقف في وسط الحسابات دي كلها.
طول عمرها عايشة على إنها بنت مصرية بسيطة من حارة عادية، لا حيلتها اسم عيلة يرن ولا قرشين في البنك ولا معارف يسندوا. كانت لابسة فستان أصفر بسيط خالص. وهي ماشية رايحة ناحية النافورة، شوية هوانم واقفين ورا بدأوا يتهامسوا ويضحكوا.
“هي دي الهدمة اللي جاية تقابل بيها الأكابر؟””هي مصدقة نفسها بجد ولا إيه؟”حتى “أسر بيه” نفسه اتقلب في كرسيّه وبان عليه الضيق. وفي لحظة خاطفة، إنجي لمحت نظرة الكسوف والإحراج في عينيه. بص الناحية الثانية وتفادى عينها. سمعت كل كلمة، ولمحت كل ضحكة خبيثة.
بس كملت مشيها ولا فارق معاها. ومن غير ولا كلمة، حطت رجلها ونزلت جوة المية الدهبي. عدت كام ثانية، ومفيش أي حاجة حصلت. بنات تانيين بدأوا يكركروا ويووشوشوا بعض. وفجأة.. المية تحت رجل إنجي بدأت تتهز وتعمل شرار. اللون الدهبي اختفى تماماً.
ولون أخضر غامق نزل زي الزيت وانتشر في دائرة مظبوطة بالملي، وسرح في النافورة كلها لحد ما كل نقطة مية بقت بتنور بنور زمردي يزغلل العين. الضحك اتقطع فجأة. أسر بيه اتنطر من كرسيه ووقف على حيله. شهقة ذهول هزت السرايا كلها.
بس الباشكاتب العجوز وشه اصفرّ ودمه اتصفى. همس وهو مش مصدق: “اللون ده…”أسر بص له بذهول وقال: “في إيه يا حضرة المستشار؟ اللون ده معناه إيه؟”الراجل بلع ريقه بصعوبة وقال: “اللون ده مظهرش غير مرة واحدة بس في تاريخ العيلة…”الجميع حبس انفاسه ومستني الرد.
الراجل العجوز بص لأسر في عينيه مباشرة وقال: “ظهر زمان.. مع والدتك الباشا الهانم.”موجة صدمة وقفت السرايا كلها على رجل. وهنا الباشكاتب أعلن السر اللي عيلة الأكابر كانت دفناه تحت الأرض من أجيال. النافورة دي عمرها ما كانت بتختار البنت الأجمل، ولا فارق معاها فلوس، ولا حسب ونسب، ولا شياكة ولا مظاهر.



