
“بصوا إيديها عاملة إزاي! دي شبه حوافر البقر!”
ترددت الطرقة القاسية والضحكات الساخرة بين نجف القصر الفخم. وانفجرت כמה ستات من طبقة البشوات والباشوات في ضحك هستيري، بينما كانت وسيلة، الخادمة اللي عندها اتنين وعشرين سنة، بتخبي أصابعها المتشققة والمجرحة جوة صدرها من الفشلة والخجل.
من دقايق قليلة، كانت الهانم إيزيس، المليانة جواهرو لابسة دهب للركب، حاولت تدخل إيدها جوة الأثر البلوري القديم اللي هيختار الملكة الجديدة. بس أصابعها مكانتش متناسبة معاه خالص ومشتغلتش.
صرخ الأمير أدريان ببرود: “اللي بعده!”
في اللحظة دي، قربت وسيلة من المنصة. مكنش هدفها تلبس تاج ولا تبقي ملكة، بس حسّت جواها إن الكريستالة الشفافة دي فيها سر يخص طفولتها اللي ضاعت.
زعقت واحدة من الستات بقرف: “ارجعي المطابخ يا بت!”
دم في وش وسيلة من الكسوف. كانت بتشتغل لحد ما إيديها تنزف، وتشيل المية وتخدم في عز البرد الشديد، وتستحمل إهانات من الكل من غير ما تفتح بقها. ودلوقتي كل اللي كانت تتمناه إن الأرض تبلعها وتختفي.
بس افتكرت كلمة دايماً أمها الله يرحمها كانت تقولها لها (وهي اللي كانت فاكراها ماتت من سبعتاشر سنة):
“أجمل إيدين في الدنيا، هي الإيد اللي تمد تتعطف وتنقذ إنسان الكل تخلى عنه.”
ودموعها في عيونها، خدت وسيلة نَفَس عميق. فركت كفوفها ببعض ومدت إيدها اليمين بالراحة. أصابعها وقفت على بُعد ملليمترات بسيطة من البلورة.
كانت الملكة ليليان مراقبة الموقف كله من فوق عرشها. وفجأة، لمعت عينيها وهي تاخد بالها من ندبة صغيرة على معصم الخادمة الغلبانة.
ندبة على شكل هلال.
وش الملكة جاب ألوان.. وبقى أصفر زي الورق الميت!
العلامة دي.. كانت شايلاها بنت صغيرة قالوا إنها ماتت رسمياً في حريق كبير زمان.
في الليلة دي، من سبعتاشر سنة، كانت هي بنفسها اللي مضت على أمر مستحيل تسامح نفسها عليه لحد النهاردة. ودلوقتي.. الماضي راجع برجله عشان يدفعها تمن الحقيقة المرة.
بس البنت دي مستحيل كانت تكون عايشة وتظهر هنا.. وليليان كانت عارفة كويس أوي هي ليه متأكدة من كده…
….
حكايات شروق خالد
قلب الملكة ليليان كان بيدق بعنف وكأن هيتكسر، وعنيها متثبتة على وسيلة مش قادرة تشيلها. لو كانت البنت دي عايشة فعلاً.. يبقى السر الكبير اللي بدموع من سنين طلع لسه حّي ومستني يحاسبها.
وقبل ما وسيلة تلمس الأثر البلوري ويحصل اللي مش متوقع، قامت الملكة من على عرشها فجأة بخطوات سريعة ومرتبكة، وقالت بصوت عالي قطع صمت القاعة:
“استني عندك!”
الكل اتلفت بذهول ناحية الملكة اللي عمر ما حد شافها بتفقد هدوءها بالشكل ده. الأمير أدريان نفسه بصلها باستغراب: “مولاتي.. في إيه؟ دي مجرد خادمة قليلة الأدب دخلت مكانها الغلط!”
الملكة ليليان مَأدَتلوش أي اهتمام، وراحت نازلة من على درجات العرش بخطوات واسعة لحد ما وقفت قدام وسيلة مباشرة. رفعت إيدها المرتعشة، وبحذر شديد مسكت معصم الخادمة اللي كان عليه الندبة الهلالية.
همست بصوت مسموع بالعافية: “العلامة دي.. جبتيها منين؟”
وسيلة بلعت ريقهش، وقالت بصوت واطي: “م.. مش عارفة يا مولاتي.. دي معايا من وأنا طفلة.. أمي الله يرحمها هي اللي كانت دايماً تقول لي إنها ذكرى من زمان.”
دموع تجمعت في عيون الملكة وهي بتبص في وش وسيلة، وفجأة شافت ملامح أختها أو يمكن ملامحها هي وهي صغيرة متعلقة في عيون البنت.
وقالت بصوت مكسور ودموعها نزلت غصب عنها: “أمك.. أمك ماماتتش في يا وسيلة.. أنا اللي خبئتك.. أنا اللي أجبرت أبعتك بعيد عشان أنقذ حياتك من بطش اللي كانوا عايزين يخلصوا منك!”
القاعة كلها اتجمدت.. والكل بقا باصص بصدمة ومش مصدق اللي بيسمعه. أمير أدريان فتح عينه بذهول، والستات اللي كانوا بيتنمروا على وسيلة من دقايق بقوا واقفين كأنهم تماثيل من الخضة.
وسيلة رجعت لورا خطوة، عيونها مليانة أسئلة وصدمة: “إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟! إنتي مين أصلاً؟!”
الملكة مسكت إيدين وسيلة المجرحة والمتشققة من الشغل الشاق، ورفعتهم لوشها وبَاستهم بكل حب وحنان، وقالت بصوت مليان ندم السنين:
“أنا مش بس الملكة يا بنتي.. أنا خالتك.. اللي فرطت فيكي زمان عشان أحميكي، ورجعتي لي النهاردة، بكتفك اللي شال الهم، وإيدين الشرف اللي بتسوى عندي الدنيا بحالها.. ومش أنا بس اللي هعرف الحقيقة، دي المملكة كلها هتعرف مين هي الملكة الحقيقية دلوقتي!”
وفي اللحظة دي، الأثر البلوري اللي على المنصة بدأ ينور بنور أزرق ساطع وجميل، وكأن الكريستالة نفسها نطقت واختارت صاحبتها الحقيقية.. مش بالذهب والجاه، بل بطيبة القلب وإيدين الشقا اللي مابتتكسرش.
حكايات شروق خالد
الأنوار الزرقاء اللي طلعت من الكريستالة ملأت القاعة كلها بضي ساح للأنظار، وكأن القصر نطق وأيد كلام الملكة. الهوانم والأرستقراطيين بقوا واقفين مذهولين، عيونهم متثبتة على وسيلة وهي واقفة في نص القاعة، بفستان الخدم البسيط وإيديها المجرحة، بس بنور الملكات الحقيقيين.
الأمير أدريان قرب بخطوات سريعة ومصدومة، باصص لوسيلة مرة ولخالته الملكة ليليان مرة تانية، وقال بصوت مهزوز:
“مولاتي.. هل اللي بتقوليه ده حقيقي؟! يعني.. يعني وسيلة تبقى بنت أختك الملكة الراحلة.. الأميرة اللي كلنا فكرناها ماتت في الحريق اللعين ده؟!”
الملكة ليليان مسحت دموعها، وقفت بشموخ وقالت بصوت قوي هز أرجاء القاعة كلها:
“أيوة يا أدريان.. دي بنت أختي، الأميرة (جميلة)، اللي الحاشية الظالمة وقتها حاولت تتخلص منها وهي رضيعة عشان يستولوا على الحكم. وأنا عشان أنقذ روحها البريئة، هربتها مع خادمة أمينة، وكتبت تقرير مزيف بإنها ماتت في الحريق عشان أقطع دابر اللي بيدبروا الشر. طول السنين دي كنت عايشة في عذاب الضمير، لحد ما ربنا جابها لحد رجلينا.. وبتلك الإيدين اللي شالت الشقا والهم، مش بالإيدين المتنعمة بالذهب والغرور!”
الليدي إيزيس والستات اللي كانوا بيضحكوا عليها من دقايق، وشوشهم جابت ألوان الطيف من الخوف والكسوف، وبعضهم بدأ يرجع لورا بخطوات بطيئة محاولين يهربوا من نظرية العقاب اللي وشك على الوقوع.
لكن أدريان مد إيده باحترام شديد قدام وسيلة، ووطى راسه وقال بنبرة فيها خضوع وإجلال:
“أهلاً بكِ في بيتكِ الحقيقي يا مولاتي.. عذراً لجهلنا، وعذراً لكل كلمة انقالست في حقك.”
وسيلة –أو الأميرة جميلة– بصت لإيديها المتشققة، وبعدين رفعت عينها وبصت للأمير وللملكة ليليان. حست بكل سنين العذاب والقهر بتتبخر في ثوانٍ، بس مكنش جواها أي رغبة في الانتقام، لأنها عرفت قيمتها الحقيقية مش بالتاج ولا بالكنوز، بل بقلبها اللي فضل نضيف وصادق رغم قسوة الدنيا.
رفعت راسها بثقة وقالت بصوت هادئ وثابت ملأ القاعة:
“التاج مش بيلبسوه اللي بيدوروا على الجاه يا سيادة الأمير.. التتاج للى بيعرفوا معني الوجع، وإيدين الشقا هي اللي بتعرف تحمي العرش صح.”
ومن اليوم ده، اتغيرت قواعد القصر للأبد؛ مبقاش للظلم مكان، وبقت الملكة الحقيقية تفتح دراعاتها لكل مظلوم، تثبت للكل إن الأصل النظيف والقلب الطيب هما أثمن كنز في الدنيا كلها.
ملكة إيدين الشقا
حكايات شروق خالد



