
سكت. وبعدين قلت: «جوزي.» سأل: «ليه؟» بصيت لبناتي وقلت: «كان عايز ولد.» ياسين سكت. كملت وأنا صوتي بيرتعش: «لما عرف إني جبت بنتين، اتجنن. قال إنهم بلاء. وقال إنهم مش مستاهلين يعيشوا على حسابه.» قبضت إيدي على هدوم بنتي.
«رجاله أذوني… وبعدين رموني أنا والبنات في الشارع.» ياسين فضل ساكت. بس سكوته المرة دي كان مخيف. قلت له: «هو هييجي ياخدهم.» رد: «مين قالك؟» قلت: «أنا عارفة جوزي. لما يعرف إننا عايشين، هييجي.» ياسين قرب خطوة. «هو مش هيقرب منك.»
بصيت له بخوف. «إنت مش عارفه.» قال: «لا، أنا عارفه كويس.» وقبل ما أقدر أسأله قصده إيه، الباب اتفتح فجأة. واحد من رجاله دخل بسرعة. «يا باشا.» ياسين لف له. «قول.» الراجل مد له الموبايل. «لقينا جوزها.» ياسين خد الموبايل وبص للشاشة. سكت. وشه اتغير. أنا قلبي وقع.
قلت: «في إيه؟» ياسين رفع عينه عليا. «جوزك مش جاي عشان عايز بناته.» اتخضيت. «أمال جاي ليه؟» ياسين مشي ناحية باب الشقة. وقفل الباب بالمفتاح. وبعدين قال: «عشان عرف مين اللي أنقذك.» في اللحظة دي، سمعنا خطوات تقيلة جاية من آخر الممر. خطوة… وبعدها خطوة.
.. وبعدين وقفت الخطوات قدام الباب بالظبط. أنا ضميت بنتيّ لصدري. وياسين مد إيده بهدوء تحت جاكته. وبعدها… خبط حد على الباب. الخبط على الباب خلاني أضم بنتيّ أكتر لصدري، وقلبي كان بيخبط في صدري كأنه هيطلع منه.
فضل واقف قدام الباب، وإيده لسه تحت جاكته. محمود خبط تالت مرة. «أنا عارف إنك جوه! افتحي يا مريم!» حاولت أتكلم، بس صوتي مخرجش. ياسين قال بهدوء: «خليكي مكانك.» وبعدين رفع صوته وقال: «إنت عايز إيه؟» سكت محمود كام ثانية. وبعدين قال: «دي مراتي وعيالي. خدهم ورجعهم لي.» ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة، بس مكنش فيها أي ذرة طيبة. «مراتك؟» محمود رد بسرعة: «أيوه.» «والعيال؟» «بناتي.» ياسين بص لي. وبعدين رجع بص للباب. «غريبة.» محمود قال: «غريبة إيه؟» ياسين رد: «لأن اللي لقيتهم كانوا مرميين تحت كوبري، والست اللي بتقول عليها مراتك كانت شبه الميتة، والبنتين كانوا بيموتوا من البرد.»
محمود سكت. ياسين كمل: «فممكن تفهمني إنت كنت عاملهم إيه؟» صوت محمود اتغير. «دي مشاكل عائلية، وإنت ملكش دعوة.» ياسين ضحك ضحكة قصيرة. «دلوقتي بقى ماليش دعوة؟» محمود بدأ يخبط على الباب تاني. «افتح يا راجل! أنا مش جاي أعمل مشاكل. أنا جاي آخد مراتي وبناتي.» أنا قربت من ياسين وقلت بصوت واطي: «ماتدينيش ليه.» ياسين بص لي وقال: «مش هتروحي له.» أول مرة حسيت إن فيه حد واقف بيني وبين محمود. حد مش خايف منه. حد مش هيسيبني لوحدي.
لكن محمود فجأة قال من ورا الباب: «إنت فاكر إنك كده بتحميها؟ إنت مش عارف هي مين.» ياسين سكت. أنا بصيت له باستغراب. محمود كمل: «اسألها عن أبوها.» قلبي وقف. بصيت لياسين. «ما تسمعوش.» محمود ضحك من ورا الباب.
«قوليله يا مريم… قولي له مين أبوكي الحقيقي.» ياسين لف ناحيتي. «إيه الكلام ده؟» أنا نزلت عيني في الأرض. «مفيش حاجة.» محمود صرخ: «قوليله!» ياسين قرب مني. «مريم… بصيلي.» رفعت عيني له. قال: «إيه اللي جوزك بيتكلم عنه؟» دموعي نزلت. «أنا… أنا معرفش.» محمود رد: «كدابة.»
وبعدين سمعنا صوت تليفون بيرن. واحد من رجال ياسين رد عليه، وبعد ثواني قرب منه. «يا باشا… فيه خبر.» ياسين أخد الموبايل. سمع شوية. ملامحه اتغيرت. «متأكد؟» الراجل رد: «متأكد.» ياسين قفل المكالمة. بص لي. وبعدين قال: «أبوكي مش مات.»
اتسمرت مكاني. حسيت إن الدنيا لفت بيا. «إيه؟» قال: «أبوكي عايش.» هزيت راسي بسرعة. «مستحيل.» «ليه مستحيل؟» قلت وأنا بعيط: «أبويا مات من عشرين سنة.» ياسين بص لي بثبات. «اللي مات من عشرين سنة كان الراجل اللي إنتي فاكرة إنه أبوكي.» سكت. مش فاهمة.
مش قادرة أستوعب. «يعني إيه؟» قبل ما يرد، صوت محمود جه من ورا الباب. «أهو عرفتي؟» بصيت ناحية الباب. محمود قال: «أبوكي الحقيقي كان عايش طول السنين دي.» إيدي بدأت تترعش. «إنت بتكدب.» «ليه أكذب؟» «عشان تخوفني.» «أنا مش محتاج أخوفك.»
سكت شوية وبعدين قال: «إنتي مش بنت الراجل الفقير اللي رباكي.» ياسين بص لي باستغراب. محمود كمل: «إنتي بنت واحد كان زمانه أغنى وأقوى واحد في البلد.. لولا إن ناس كتير خانته.» ياسين قال: «إنت بتتكلم عن مين؟» محمود سكت. وبعدين قال اسم خلّى ياسين نفسه يتجمد.
«الحاج جابر السيوفي.» ياسين بص للرجالة. واحد منهم قال: «جابر السيوفي؟» محمود قال: «أيوه.» وبعدين ضحك. «وإنت يا ياسين أكتر واحد المفروض يعرف الاسم ده.» ياسين وشه اتقفل. بص لي. «إنتي تعرفي الاسم ده؟» هزيت راسي. «لا.» محمود قال: «طبيعي متعرفيش. أبوكي الحقيقي اتدفن اسمه قبل ما يتدفن هو.»
ياسين فتح الباب الداخلي للأوضة اللي كنت فيها وقفلها عليا من جوه. وقال: «خلي البنات معاكي.» سألته بخوف: «هتعمل إيه؟» قال: «هخلص الموضوع ده.» وبعدين خرج. سمعت صوت الباب الرئيسي بيتفتح. وبعدها صوت محمود: «أخيرًا.» ياسين رد: «دخل لوحدك.» محمود دخل. كان معاه اتنين رجالة.
أول ما شاف ياسين، اتغير وشه. قال: «أنا جاي آخد مراتي.» ياسين رد: «لا.» محمود قرب. «إنت فاكر نفسك مين؟» ياسين بص له في عينه. «الراجل اللي إنت رميت مراته وبناته في الشارع من غير ما تسأل نفسك مين ممكن يلاقيهم.» محمود بلع ريقه. «دي مراتي.» «كانت مراتك.» محمود سكت. ياسين قرب منه وقال: «من اللحظة دي، مريم وبناتها تحت حمايتي.»



