
«اللي أمك… كان أبوكي.» حسيت الدنيا وقفت. بصيت لجابر، وبعدها لمحمود. «إنت بتكدب.» محمود قال بسرعة: «اسأليه.» جابر كان واقف ساكت. وشه كان شاحب، وعينيه مليانة وجع. قربت منه. «قول له إنه كداب.» جابر ما ردش. صرخت: «قول له!» نزل عينه في الأرض.
«أنا ما أمك.» اتنهدت براحة، لكن جابر كمل: «بس أنا السبب في موتها.» حسيت رجلي ما عادتش شايلاني. ياسين قرب مني وسندني. «إيه اللي حصل؟» جابر قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه. «من عشرين سنة، كنت شريك أخويا شوقي في تجارة كبيرة.
كان طماع، وعايز ياخد كل حاجة. أم مريم اكتشفت إنه بيزوّر أوراق الشركة وبيسرق فلوس.» بص لي. «قالتلي إنها هتبلغ عنه.» محمود ضحك. «وكمل.» جابر تجاهله. «في الليلة دي، شوقي حاول . أنا وصلت متأخر.» سألته وأنا بعيط: «وأمي؟» قال: «كانت لسه عايشة.» سكت. «طلبت مني آخدك وأهرب بيكي.» «طب ليه محصلش؟» جابر غمض عينه. «لأن رجال شوقي كانوا مستنييني. ضربوني وخدوا منك إنتي.» شهقت. «وإنت؟» «رموني في مكان بعيد، واتلفقلي قضية أمك.» محمود قال: «ودي مش الحقيقة كلها.»
ياسين بص له. «إنت ساكت ليه؟» محمود ابتسم. «لأن أنا كنت واحد من الرجالة اللي خدوا مريم.» اتجمدت. «إنت؟» «أيوه.» حسيت بالغثيان. «إنت كنت تعرفني من وأنا صغيرة؟» «كنت أعرفك.» «وعملت إيه؟» محمود سكت. «رد!» قال ببرود: «سلمتك للست اللي ربتك.» صرخت: «إنت كنت تعرف إن أمي ماتت؟» «أيوه.»
دموعي نزلت. «وكنت عارف إن أبويا في السجن؟» «أيوه.» «واتجوزتني ليه؟» محمود بص لياسين، وبعدين قال: «عشان فلوسك.» ياسين قبض إيده. محمود كمل: «كنت فاكر إنك هتجيبي ولد، والولد ده يبقى الوريث، وأنا أبقى صاحب كل حاجة.»
أنا بصيت لبناتي. وبعدين قلت: «عشان كده كنت عايز ولد؟» هز راسه. «أيوه.» «ولما جبت بنتين؟» ابتسم ابتسامة باردة. «مبقتيش ليكي لازمة.» جابر قام فجأة. اندفع ناحية محمود. لكن ياسين وقف بينهم. «مش هنا.» جابر صرخ: «ده !» ياسين قال: «وعشان كده لازم يفضل عايش لحد ما يقول كل حاجة.»
محمود ضحك. «إنت فاكر إنك كده كسبت؟» ياسين رد: «أنا لسه ما بدأتش.» بعدها خرجنا كلنا من البنتهاوس. رجال ياسين أخدوا محمود. وأنا كنت شايلة بنتي، وجابر شايل التانية. ركبنا العربية واتجهنا للبيت القديم. طول الطريق، محدش اتكلم. وأنا كنت ببص لبناتي وأفكر في كل اللي حصل.
أنا طول عمري فاكرة إني بنت واحدة فقيرة. وفجأة عرفت إن ليا أب. وإن أمي . وإن جوزي اتجوزني عشان فلوسي. وإن بناتي كانوا بالنسبة له مجرد وسيلة. لما وصلنا، البيت القديم كان مهجور. باب خشب كبير، وشبابيك مكسورة، والحديقة كلها بقت غابة. جابر وقف قدام الباب.
«هنا.» ياسين بص لرجاله. «فتشوا المكان.» دخلنا. جابر مشي ناحية سلم قديم. طلع فوق، ودخل أوضة صغيرة. حرك صورة قديمة من على الحيطة. ظهر وراها مفتاح تاني. فتحه. الباب السري اتفتح. دخلنا أوضة صغيرة تحت الأرض. وفي آخرها كانت خزنة حديد كبيرة.
جابر حط المفتاح الصغير فيها. الخزنة اتفتحت. جواها كان فيه ملفات، صور، عقود، وفلاشة صغيرة. ياسين مسك أول ملف. قرأ أول ورقة. وبعدين قال: «يا نهار أسود.» قربت منه. «في إيه؟» مد لي الورقة. كان مكتوب فيها اسمي. وتحت اسمي… أسماء شركات وحسابات بمبالغ ضخمة.
ياسين مسك أول ملف. قرأ أول ورقة. وبعدين قال: «يا نهار أسود.» قربت منه. «في إيه؟» مد لي الورقة. كان مكتوب فيها اسمي. وتحت اسمي… أسماء شركات وحسابات بمبالغ ضخمة. جابر قال: «دي كل ثروتي اللي شوقي حاول ياخدها.»
لكن ياسين قلب الصفحة. وفجأة سكت. سألته: «إيه؟» قال: «مريم… بصي هنا.» بصيت. كان فيه عقد زواج قديم. اسم أمي. واسم رجل تاني. مش جابر. اتصدمت. «مين ده؟» جابر قرب. وأول ما شاف الاسم، وشه اتغير تمامًا. قال: «ده مستحيل.» ياسين سأله: «تعرفه؟» جابر بص لي. «ده… أخو أمك.»
اتسعت عيني. «عمي؟» هز راسه. «أيوه.» سألته: «طب إيه علاقته بأمي؟» جابر ما ردش. وفجأة الفلاشة اللي كانت في الخزنة بدأت تشتغل. ظهر تسجيل قديم. وظهر فيه وش أمي. كانت قاعدة قدام الكاميرا، ووشها مليان خوف. وقالت: «لو التسجيل ده وصل لمريم… يبقى أنا غالبًا مت.» حطيت إيدي على بوقي.
وصوت أمي كمل: «مريم لازم تعرف الحقيقة… أبوها مش جابر السيوفي.» جابر اتجمد. وأنا بصيت له. ياسين وقف مكانه. والتسجيل كمل: «أبو مريم الحقيقي هو…»
«أبو مريم الحقيقي هو…» التسجيل وقف فجأة. سكتة طويلة نزلت على الأوضة كأنها خنقتنا كلنا. أنا بصيت للشاشة. «هو مين؟!» جابر قرب من اللابتوب بسرعة وقال: «استنى… التسجيل ما خلصش.» ياسين ضغط على الملف تاني. الصوت رجع، بس المرة دي كان أضعف، وكأن أمي كانت بتتكلم وهي بتعيط. «أبو مريم الحقيقي هو… حسن السيوفي.» جابر رجع خطوتين لورا. وشه اتغير. أنا بصيت له بعدم تصديق.
«حسن مين؟» جابر ما ردش. صرخت: «جابر! حسن مين؟!» رفع عينه ناحيتي وقال بصوت مبحوح: «أخويا.» قلبي وقف. «إيه؟» ياسين بص له بحدة. «أخوك؟» جابر هز راسه. «حسن كان أخويا الكبير… وأبو مريم الحقيقي.» أنا حسيت الدنيا بتلف بيا. «يعني إنت طول السنين دي… عارف؟» جابر قرب مني.
«والله ما كنت عارف إنك عايشة.» ضحكت ضحكة مليانة وجع. «كل واحد فيكم بيقول ماكنتش عارف! أمي ماتت… وأنا اتربيت بعيد عن أبويا… واتجوزت واحد باعني عشان الفلوس… ودلوقتي بتقولولي إن أبويا الحقيقي أخوك؟!» جابر حاول يمسك إيدي. سحبتها بسرعة.
«ما تلمسنيش.» ياسين وقف جنبي. ما قالش حاجة. بس وجوده كان كفاية يخليني أحس إني مش لوحدي. التسجيل كمل. صوت أمي قال: «حسن مات وهو بيحاول يحمي مريم… لكن جابر اتظلم، وشوقي هو اللي دبر كل حاجة.» جابر شهق. «أمي كانت عارفة.»



