
رنا قبضت على المفتاح، لكن قبل ما تلحق تسأل عزيزة أي سؤال، باب البيت اتفتح بعنف. دخل تلات رجالة. وفي النص كان واقف راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض من الجانبين، لابس جلابية غامقة فوقها جاكت أسود، وملامحه هادية بشكل يخوف. سيف أول ما شافه عرفه. جابر. الراجل اللي اختفى من حياته من سنين طويلة. جابر ابتسم ابتسامة باردة:
— كبرت يا سيف.
سيف وقف قدام رنا مباشرة:
— وإنت لسه عايش.
جابر ضحك:
— ناس كتير افتكرتني مت.
عزيزة صرخت:
— ابعد عنهم يا جابر!
جابر بص لها:
— إنتي اللي بدأتي الحكاية دي يا عزيزة. كان المفروض تسكتي من خمسة وعشرين سنة.
سيف قال:
— إنت عملت إيه في أمي؟
جابر سكت لحظة، وبعدين قال:
— أمك كانت عارفة أكتر مما كان لازم تعرفه.
رنا قالت:
— وهي عايشة؟
جابر بص لها لأول مرة، ونظرته اتغيرت:
— عشان كده إنتي أخطر شخص في البيت ده.
رنا اتراجعت خطوة. سيف قال:
— متبصش لها.
جابر ابتسم:
— لسه بتحميها من غير ما تعرف هي مين.
سيف رد بغضب:
— أنا عرفت.
— عرفت نص الحقيقة بس.
جابر أشار للرجالة:
— خدوا البنت.
اتنين من رجاله اتحركوا. سيف اندفع قدامهم. حصل اشتباك سريع داخل الصالة. حسام دخل في القتال، وقدر يوقع واحد منهم، لكن التاني طلع سلاحه. رنا شافت السلاح، وفجأة افتكرت ليلة الحريق. افتكرت نفس الحركة، نفس الرجل، ونفس الخاتم. صرخت:
— سيف! إيده!
سيف لف في اللحظة المناسبة، وضرب الرجل في إيده، والسلاح وقع على الأرض. جابر رجع للخلف. لكن رنا لمحت بابًا صغيرًا خلف المكتبة، وقالت:
— هناك!
سيف بص لها:
— إيه؟
— مخرج!
جروا ناحية الباب. عزيزة صرخت:
— استنوا!
رنا وقفت. عزيزة قالت:
— الممر ده هيوصلكم للمخزن القديم.
سيف فهم:
— الصندوق.
عزيزة هزت راسها:
— افتحوه… وهتعرفوا كل حاجة.
خرج سيف ورنا وحسام من الباب السري، وجابر كان بيصرخ وراهم:
— مهما فتحتوا الصندوق… مش هترجعوا اللي ضاع!
لكن سيف ما وقفش. وصلوا للمخزن القديم قبل الفجر. حسام حط الصندوق على ترابيزة خشب. رنا طلعت المفتاح، إيدها كانت بتترعش. سيف وقف جنبها:
— لو مش عايزة تعرفي…
قاطعته:
— لأ. وبصت له: — أنا تعبت من إن كل الناس تعرف حاجة عن حياتي وأنا آخر واحدة تعرف.
دخلت المفتاح. لفته. صدر صوت طقطقة. الصندوق اتفتح. جواه كان فيه مجموعة صور قديمة، شريط تسجيل صغير، ورق رسمي، ودفتر جلد بني. سيف مسك أول صورة. كانت صورة لأمه، وجنبها امرأة تشبهها تمامًا. سيف بص لرنا:
— دي أمك.
رنا دموعها نزلت. قلبت صورة تانية، كانت فيها أمها وهي شايلة طفلة صغيرة، وعلى ظهر الصورة مكتوب:
“رنا… بنتي الوحيدة.”
رنا حطت إيدها على بوقها:
— دي أنا.
سيف مسك الدفتر. فتح أول صفحة. الخط كان خط أمه. قرأ:
“لو ابني سيف وصل للحقيقة يومًا، قوله إني ما سبتهوش بإرادتي.”
إيد سيف بدأت ترتعش. قلب الصفحات بسرعة. آخر صفحة كانت بتاريخ بعد الحريق بسنتين، وكان مكتوب فيها:
“جابر أخدني لمكان بعيد، وقال لي إن سيف مات. أنا عارفة إنه كدب. لو رنا عايشة، عزيزة هتحميها. ولو سيف عاش، هيكون هو الوحيد القادر يوصل لي.”
سيف قفل الدفتر:
— أمي عايشة.
حسام قال:
— لازم نعرف مكانها.
رنا فتحت شريط التسجيل. كان قديم، لكنه اشتغل. وصوت امرأة خرج من الجهاز، صوت ضعيف، لكنه واضح:
— لو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى جابر فشل يخفي الحقيقة.
سيف قرب من الجهاز، والصوت كمل:
— أنا مش عارفة هعيش لحد إمتى، لكن المكان اللي محتجزاني فيه موجود في قرية صغيرة على طريق الفيوم. البيت القديم اللي عليه علامة النخلة.
رنا بصت لسيف:
— لازم نروح.
لكن قبل ما يتحركوا، صوت عربية وقف بره. حسام بص من الشباك:
— في عربيتين.
سيف قال:
— جابر.
لكن المرة دي كان عنده حاجة أهم من الخوف. كان عنده دليل وعنوان أمه. قال لرنا:
— مهما حصل، مش هنسيبها تاني.
رنا بصت له:
— ولا أنا.
خرجوا من المخزن. لكن جابر كان واقف في آخر الشارع. لوحده. من غير رجالة. رفع إيده وقال:
— سيف!
سيف وقف. جابر قال:
— أمك لسه عايشة.
سيف شد فكه:
— عارف.
ابتسامة جابر اختفت:
— وعايز تعرف الحقيقة كاملة؟
سيف رد:
— الحقيقة موجودة معايا.
جابر بص للصندوق:
— لا. وبص لرنا: — الحقيقة الحقيقية… هي إن أبوكي وأبو سيف كانوا شركاء.
رنا اتجمدت:
— أبويا؟
جابر قال:
— أبوكي هو اللي بدأ كل حاجة.
سيف بص لرنا، وجابر كمل:
— والحريق اللي حصل من خمسة وعشرين سنة… ما كانش حادث.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة:
— كان بداية الحرب.
وفجأة، صوت سيارات الشرطة ظهر من بعيد. جابر لف وهرب ناحية العربية. حسام قال:
— الشرطة وصلت.
سيف ما جريش وراه، بص للصندوق، وبعدين لرنا، وقال:
— الأول هنرجع أمي.
— وبعدها؟
سيف بص في اتجاه العربية اللي جابر هرب فيها:
— بعدها هنقفل آخر باب في الماضي.
#حكايات_شروق_خالد
وصلت عربيات الشرطة للمخزن، وبعد ما سيف سلّمهم التسجيل والصور والأوراق اللي في الصندوق، قدروا يطلعوا أمر تحرك سريع ناحية الفيوم. سيف كان قاعد جنب رنا في العربية، وحسام سايق بأقصى سرعة آمنة.
رنا كانت ساكتة، ماسكة صورة أمها بين صوابعها. بعد فترة قالت:
— سيف؟
— نعم؟
— لو أمي عايشة بقالها خمسة وعشرين سنة… ليه ما حاولتش ترجع لي؟
سيف بص لها:
— يمكن حاولت.
رنا هزت راسها بحزن:
— بس أنا ما افتكرهاش.
— عشان كنتي طفلة.
سكت شوية، وبعدين قال:
— وممكن تكون عاشت كل السنين دي وهي فاكرة إنك متي.
رنا بصت من الشباك، ودموعها نزلت من غير صوت. بعد حوالي ساعتين، وصلوا لقرية صغيرة على أطراف الفيوم. كان المكان هادي جدًا. بيوت طينية قديمة، زرع على الجانبين، وطريق ترابي طويل. حسام وقف العربية:
— فيه نخلة كبيرة قدام البيت اللي على اليمين.
سيف نزل، ورنا نزلت وراه. قربوا من البيت. الباب كان مقفول. سيف خبط. مفيش رد. خبط تاني. وفجأة سمعوا صوت حركة من جوه.
سيف قال:
— الشرطة معانا.
الباب اتفتح ببطء. ست كبيرة ظهرت قدامهم. شعرها كان أبيض، وملامحها مرهقة، وعينيها فيها حزن سنين طويلة. رنا أول ما شافتها…وقفت مكانها. مش عارفة ليه، لكن قلبها عرفها قبل عقلها. الست بصت لرنا. إيدها بدأت ترتعش، وقالت بصوت مكسور:
— رنا؟
رنا شهقت. الصوت. نفس الصوت اللي سمعته في ذاكرتها. صوت الست اللي كانت بتجري بيها وسط النار.
— ماما؟
الست حطت إيدها على بوقها، وبعدين فتحت دراعها. رنا مشيت ناحيتها بسرعة على قد ما تقدر، ووقعت في حضنها. الست فضلت تبكي وهي بتضمها:
— كنت عارفة إنك عايشة…
رنا كانت بتبكي في حضنها:
— أنا افتكرتك متي.
— وأنا افتكرت إن جابر قتلك.
سيف وقف بعيد. الست رفعت عينيها له. وبصت له لفترة طويلة:
— سيف؟
هو قرب ببطء:
— أيوه.
أمه لمست وشه بإيد مرتعشة:
— يا ابني…
سيف ما قدرش يمنع دموعه. أول مرة من سنين طويلة، الراجل اللي الكل بيخاف منه وقف قدام أمه كأنه طفل صغير. حط راسه على كتفها، وهي ضمته:
— سامحني.
قال بصوت مبحوح:
— إنتي اللي سامحيني… أنا افتكرت إنك سيبتيني.
— عمري ما كنت هسيبك.




