
يا معلم مرسي، أنا بكلمك من مستشفى النزهة الدولي. يا باشا… ربنا رزقك ببنت.
صمت الرجل النافذ البالغ من العمر أربعين عامًا تمامًا. فقبل خمسة عشر شهرًا، طلق المرأة الوحيدة التي أحبها حقًا، والآن تخبره غريبة بأن لديه طفلة عمرها ستة أشهر.
لكن الجملة التالية للممرضة هي التي جعلت فارس مهران ينهض فجأة من مقعده.
والدتها، مريم رضوان، عملت حادثة عربية كبيرة وهي دلوقتي في عمليات الإنقاذ.
كانت الساعة 11:17 من ليلة خميس ممطرة في وسط البلد بالقاهرة.
كان فارس جالسًا داخل مخزنه بمنطقة الوراق، يتعامل مع خلاف مالي بينه وبين أحد رجاله بشأن مبلغ 83 ألف جنيه. وأمامه، كان الشاب المرعوب ينتظر القرار الذي سيتخذه بشأنه.
عادةً، فارس مهران كان صارمًا جدًا في التعامل مع خرق الثقة.
فهو مسيطر على تجارة وسوق كبير، واسم لوحده بيخلي أعتى الرجال توطي صوتها قدامه.
ولكن فجأة، مفيش حاجة من دي فرقت معاه.
عندها كام سنة البنت؟ سأل بصوت ناشف.
ستة أشهر يا باشا. اسمها ليليا.
حدق فارس في الحيطة.
ستة أشهر.
الطلاق كان منتهي من خمسة عشر شهرًا.
مريم كانت حامل يوم ما سابها ومشي.
البنت جرى لها حاجة؟
لا يا باشا، البنت سليمة وآمنة تماماً. بس والدتها مصابة إصابات خطيرة، ومالقيناش أي رقم لأهلها غيرك.
عرفتوا رقمي منين؟
لقينا كارت طوارئ جوه شنطة البيبي، ومكتوب عليه اسمك ورقمك.
بدأت إيد فارس ترتجف.
أنا جاي في السكة.
قفل المفتاح وبص لـ رجب، ذراعه اليمين.
جهز العربية حالاً.
بص رجب في وشه باستغراب:
في إيه يا معلم؟
بلع فارس ريقه بصعوبة.
مريم عملت حادثة.
وبعدين كمل بصوت يا دوب يتسمع:
وخلفَت… جابت لي بنت.
ثلاثة وعشرون دقيقة فصلت فارس عن المستشفى.
وطول الطريق ده، الذكريات اللي قعد خمسة عشر شهرًا يحاول يدفنها رجعت له بوضوح يوجع القلب.
افتكر أول مرة شاف فيها مريم في مكتبة صغيرة وسط الزمالك.
كانت قاعدة على الأرض بتحكي قصة للأطفال، وفجأة رفعت عينها وأمرته بحدة إنه يتحرك من مكانه لأنه كان مستبي بيان ورسمة على الأرض.
مفيش مخلوق تجرأ يومها يأمر فارس مهران بحاجة.
بس هو تحرك من سكتها.
بعد خمس أيام، رجع.
وبعدها رجع تاني.
لحد ما في يوم، الضحوكة اللي عيونها عسلية وفي وشها رذاذ نمش جميل بصت له وقالت وهي بتضحك: بقولك إيه، تعزمني على كشري أو عشاء هيبقى أرخص بكتير من إنك تشتري كتب الأطفال اللي في المكتبة دي كلها!
وبعد عشر شهور، اتجوزوا.
مريم خلته يحس إنه بني آدم طبيعي وزوج عادي، مش رجل نافذ الناس بتخاف تفتح بوقها قدامه.
علمته يعمل الشاي المضبوط، كانت بتضحك لما يلخبط الغسيل، ودايماً كانت تسيب لمبة صغنونة منورة جنب الشباك لحد ما يرجع متأخر من شغله.
ولحد ما في يوم، وصلته تلات صور.
مريم وهي خارجة من الشغل.
مريم وهي شايلة طلبات البيت.
مريم وهي بتضحك قدام كافيه في المعادي.
وفي الصورة الأخيرة… كان فيه علامة حمراء واضحة على صورتها.
فارس فهم الرسالة المقلقة جيدًا.
أبوه وأمه فقدهما بسبب خلافات قديمة وهو لسه طفل.
وماكانش مستعد أبدًا إن نفس الكابوس يتكرر مع مريم.
علشان كده خد القرار الأصعب في حياته.
أقنعها بصعوبة إن جوازهم كان غلطة وأنه ما بيحبهاش.
أنا لا أستطيع أن أكون الزوج الذي تتمنينه، ده اللي قاله لها وهو يحاول إخفاء حزنه.
تأثرت بشدة.
ترجته يفسر لها إيه اللي بيحصل.
بس هو مضى أوراق الطلاق ورمى الورق في وشها ومشي.
كان فاكر إن ابتعادها عنه هتحافظ على حياتها بعيد عن عالمه.
ودلوقتي بس، بيدفع ثمن صمته وغبائه.
لما وصل فارس المستشفى، دخلته الممرضة لغرفة هادئة ومضيئة بنور هادي.
كانت فيه طفلة صغنونة نايمة جوه سرير أطفال، ولابسة بيجاما عليها نجوم صغيرة.
شعر غامق وكثيف.
خدود مدورة.
وفم صغير بملامح جادة.
وفجأة… الطفلة التفتت وبصت له.
فارس وقف، ونفسه اتقطع.
كانت واخدة عيونه بالضبط.
قرب من السرير بخطوات بطيئة، كان خائف حتى يلمسها.
ينفع… ينفع أشيلها؟
هزت الممرضة راسها بالموافقة وهي بتبتسم.
أول ما ليليا استقرت على صدره، وقفلت أصابعها الصغنونة على قميصه بقوة، الراجل اللي كان بيواجه الموت وخصومه من غير ما رمش عينيه يترعش، انهار وبكى زي الأطفال.
بعد دقايق، رجعت الممرضة وهي شايلة شنطة البيبي.
يا معلم فارس، فيه حاجة هنا لازم تشوفها بنفسك.
مدت إيدها ببطاقة بلاستيكية صغيرة قديمة.
فارس عرف خط مريم من أول نظرة.
قرا اسم ليليا، وتاريخ ميلادها، وفصيلة دمها.
ولحد ما وصل للسطور الأخيرة اللي كتبتها بخط إيدها:
لو جرا لي حاجة… ابعتوا بنتي لأبوها: فارس مهران.
#حكايات_شروق_خالد
دخلت إرين وهي تجري ووجهها متبدل الملامح، وبصوت مهتز قالت:
“يا معلم فارس… دكتورة العمليات بتطلبك فوراً جوه!”
نهض فارس من مكانه، وترك ليليا برفق بين يدي الممرضة الأولى، وعيناه متسعتان من ما سمعته. ركض في ممر المستشفى بخطوات واسعة، و”رجب” خلفه لا يفارقه.
أمام غرفة العمليات، كانت الممرضات يتحركن في حالة استنفار قصوى، والدكتورة تقف بملابس الجراحة وعليها علامات الإرهاق. نظرت إلى فارس وقالت بحزم:
“حالتها صعبة جداً، كانت إصابتها شديدة، وضغط الدم هبط بشكل مفاجئ. قدرنا ننقذ حياتها في اللحظات الأخيرة، لكن… هي دلوقتي في غيبوبة كاملة، والعناية المركزة هي الفيصل خلال الـ 24 ساعة الجاية.”
أغمض فارس عينيه للحظات، وكأن جبلاً قد انزاح عن صدره، لكن القلق الحارق ظل يعتصر قلبه. همس بصوت خشن:
“عايز أشوفها.”
“ممنوع دلوقتي يا باشا، هتنقل العناية وهنبلغك أول ما تستقر نسبيًا.”
عاد فارس بخطوات بطيئة وثقيلة إلى الغرفة التي فيها ابنته. نظر إلى ليليا النائمة بسلام، ووضع يده الكبيرة المليئة بندوب الزمن على رأسها الصغير. شعر للمرة الأولى في حياته أن كل أمواله وسلطته وسطوته لم تكن تساوي شيئاً أمام لحظة ضعف واحدة.
التفت إلى رجب وقال بنبرة صارمة لا تقبل المناقشة:
“اسمع يا رجب… الحادثة دي مكنتش صدفة.”
اقترب رجب وقال بجدية:
“أنا حسيت بكده من الأول يا معلم. أفراد الحراسة بتوعنا هيتحركوا فوراً يفرغوا كاميرات الطريق اللي حصل فيه الحادث.”
“ومش بس كاميرات الطريق يا رجب،” أردف فارس وعيناه تشتعلان بحزم شديد لم يره أحد منذ سنوات، “عايز رجالتنا كلهم ينزلوا الشوارع. عايز أعرف من الذي تجرأ على إيذاء مريم، ومين اللي بعت الصور دي من سنة ونصف. سأحرص على أن يتحمل المسؤولية كاملة.”
مرت الساعات الثقيلة بطيئة كأنها دهور. كان فارس جالساً على الكرسي بجوار سرير ليليا تارة، وواقفاً أمام زجاج غرفة العناية المركزة يراقب مريم وهي تتنفس ببطء عبر أجهزة التنفس تارة أخرى.
في تمام الساعة الثالثة فجراً، انفتح باب العناية المركزة وخرج الطبيب المسؤول، وبصيغة هادئة قال:
“الحمد لله يا معلم فارس، تجاوزت المرحلة الأولى الصعبة، وبدأت تستجيب للاستجابات العصبية البسيطة. لسه قدامنا وقت، لكن المؤشرات مطمئنة.”
تنفس فارس الصعداء، وأخرج هاتفه المحمول، واتصل برجب الذي أجاب فوراً:
“معلم فارس… جبنا الصيد كله.”
“انطق، مين؟”
“العربية اللي خبطت مريم مش عربية عادية، دي تابعة لشركة نقل وهمية، وراها واحد قديم من رجالة “عزت الدسوقي”، خصمك القديم الذي عاد إلى الظهور منذ شهرين.”
ظهر اسم عزت الدسوقي في ميزان الذاكرة؛ الرجل الذي توعد فارس يومًا بأن يضع حدًا لخلافه معه، والذي ظن أن سجنه أنهى أمره.
أغلق فارس الهاتف، ونظر طويلاً إلى وجه مريم النائمة خلف الزجاج، ثم التفت إلى سرير ابنته الصغيرة، وطبع قبلة على جبينها الصغير وقال بصوت همس به للغرفة الفارغة:
“حق أمك لن يضيع، وسأعمل على أن ينال كل شخص مسؤول جزاءه.”
خرج فارس من المستشفى مع أول ضوء للنهار، وعيناه ممتلئتان بنظرة حازمة لا تترك مجالًا للشك في أنه سيبحث عن الحقيقة. ترك ليليا في رعاية الممرضات والأمانة القصوى لرجال ثقته، وتحت حراسة مشددة لا تجرؤ طائر على الاقتراب منها.
ركب السيارة الكاديلاك السوداء وبجانبه رجب، الذي فتح ملفاً صغيراً وقال بصوت حاد:
“عزت الدسوقي مختبئ في ورشة مهجورة بقرية في أطراف الجيزة، ومعاه التلاتة الذين ساعدوه في ترتيب الحادث، واللي كانوا وراء الصور القديمة كمان.”
لم يطق فارس صبراً. ضغط بيده على مقود السيارة بقوة حتى تكشفت عروقه وقال بصوت منخفض وحازم:
“حرك العربيات. أريد أن يُسلَّم الجميع للجهات المختصة، أما عزت فسأتحدث معه بنفسي.”
في أقل من ساعة، كانت سيارات الدفع الرباعي تطوّق الورشة المهجورة من جميع الجهات. فُتح الباب الحديدي بعد أن طرقه رجال فارس بقوة، وفي ثوانٍ معدودة كان المكان قد سقط في أيديهم.
خرج عزت الدسوقي من مكتبه الداخلي مرعوباً، ليرى رجاله جالسون تحت مراقبة الحراس، وأمامها يقف فارس مهران بخطوات بطيئة وثابتة، وملامحه تحمل آثار ضيق السنين.
هتف عزت بصوت مضطرب:
“فارس… كيف… ده إحنا دبرناها صح!”
اقترب منه فارس حتى أصبح وجهه قريباً للغاية من وجهه، ثم واجهه بكلمات حاسمة، ثم أمسك بطرف قميصه للحظة وطلب منه تفسير ما حدث:
“كنت فاكر لما تدخل السجن هنسى؟ وكنت فاكر لما تبعت الصور وتجبرني أبعد عن مراتي إني هسيبك تهنأ بليلة واحدة؟ الإنسان لا ينسى ما مر به لمجرد أن الوقت مضى.”
“أنا… أنا كنت عايز أكسرك!” ردد عزت بصوت متقطع مختنق من شدة الموقف.
“ستتحمل أنت ومن شاركك مسؤولية ما حدث لمريم، وما عانته ابنتي خلال الفترة التي ابتعدت فيها عني.”
لم ينتظر فارس إجابة أخرى. ابتعد عنه وتركه تحت مراقبة رجاله، وأصدر أمره الصارم لرجاله:
“سلّموا الجميع للجهات المختصة، وأغلقوا هذا المكان، وليتحمل كل شخص مسؤولية أفعاله.”
عاد فارس أدراجه إلى المستشفى، وكان التعب قد أكل وجهه، لكن روحه عادت تشتعل بالحياة. دفع باب الغرفة ليجد مريم قد فتحت عينيها ببطء، وتنظر حولها بتوهان وضعف.
اقترب منها بخطوات متساعدة، وجلس على السرير بجوارها، والتأثر التي لم تذرفها عيناه طوال حياته تجمعت في مآقيها. مسح على يدها برفق وصوت متهدج:
“حمد لله على سلامتك يا مريم… أنا أسف، أسف على كل يوم عيشتيه بعيد عني.”
نظرت إليه بعينيها العسليتين المخالطتين للتأثر، وبصوت ضعيف همست:
“بنتنا… بنتنا يا فارس، صالحة؟”
أخرج هاتفه وأراها صورة التقطها لليليا وهي نائمة في سريرها بسلام تحت الحراسة، وقال بابتسامة دافئة لأول مرة منذ سنوات:
“زي القمر… وواخده عيونك، بس خلاص، مفيش خوف تاني، العاصفة خلصت، وهنرجع بيتنا عائلة واحدة، وللأبد.”
#حكايات_شروق_خالد



