
طلعت الابتسامة على وشي بصعوبة، ونزلت لضيوفي اللي قاعدين تحت كأن مافيش حاجة حصلت. قعدت مع اللي قاعدين، وودعت اللي مشيوا، وأنا حاسة إن روحي هي اللي بتتسحب مني مش عمري. طول الليل ونا نايمة جنب الحيطة دي في أوضة النوم، ألف فكرة وفكرة بتلف في دماغي؛ إزاي ابني اللي ربيته على ايدي يعمل فيا كده؟ وإمتى امتدت أطماع زياد للدرجة دي؟
تاني يوم الصبح بدري، والبيت فاضي تماماً ما عدا زياد وخطيبته نهى اللي كانوا قاعدين بيشربوا قهوة في البلكونة، قررت أدخل مكتب محمود.
فتحت الباب بالراحة. الأوضة كانت لسه ريحتها فيها ريحة سيجار محمود القديم والتبغ اللي بيحبه. قعدت على كرسيه الجلدي الكبير، وفتحت الدرج بتاعه. ما لقيتش غير ورق قديم، وفواتير، وإيصالات أسمدة. بس وأنا بمد إيدي في آخر الدرج من جوه، لقيت خشبة بارزة شوية… دوست عليها، فلقيت الدرج بيوسع أكتر وراه باب سري صغير جواه دفتر مغلف بجلد أسود قديم ومفتاح صغير.
مسكت المفتاح وجريت على أوضة النوم.
وقفت قدام الدولاب الكبير، زقيت الهدوم ورا خالص لحد ما وصلت للحيطة اللي لفت انتباهي أول يوم. بصيت كويس، لقيت في خرم صغير قد رأس الدبوس، حطيت فيه المفتاح ولفيته بحذر…
وفجأة… طلعت الحيطة لبرة بصوت “تكة” خفيفة، وفتحت قدامي طرقة ضلمة وضيقة!
قلبي كان بيخبط في ضلوعي من الفزع والفضول. مسكت كشاف التليفون ودخلت. الطرقة كانت بتنزل لتحت على سلم خشب قديم، نزلته خطوة بخطوة لحد ما لقيت نفسي في أوضة تحت الأرض، مكنتش أعرف أساساً إنها موجودة تحت بيتنا!
الأوضة كانت منورة بكشاف قديم، ومليانة صناديق خشبية وأوراق متبعثرة على مكتب خشب. قربت وأنا بترعش، وفتحت أول صندوق…
وهنا، اتجمد الدم في عروقي.
لقيت ملفات وأوراق رسمية، وعقود بيع، ومستندات أرض… مش باسم محمود جوزي وبس، لأ! دي كانت عقود لأراضي تانية كتيرة في المنيا وبورسعيد، مسجلة بأسامي أشخاص تانيين… والأدهى من كده، لقيت ورق رسمي يحمل توقيع ابني “زياد”، واتفاقات بينه وبين شركات استثمار كبرى من سنة فاتت!
يعني الحكاية ما كانتش وليدة اللحظة… ولاتخطيط من أمبارح!
زياد كان بيبيع ورانا من وراء أبوه من زمان، وكان ناوي على البيعة دي من قبل ما محمود يموت أساساً!
سمعت صوت خطوات على السلم فوق… صوت خطوات زياد وهو بينادي بصوتي: “يا ماما… إنتي فين؟ الدكتور اللي كلمتك عليه وصل تحت!”
طفيت كشاف التليفون بسرعة، ووقفت في الضلمة، وأنا حاسة إن الست الهادئة اللي كانت بتبكي من أسبوع ماتت، والست اللي هتاكل حقها وحق الراجل اللي ردموا عليه التراب لسه صاحية وقوية ألف مرة.
بعد مرور بضعة أشهر، هديت العاصفة ورجعت الأمور لمصابها الصحيح، بس شكل الحياة في الدار اتغير تماماً.
زياد أخذ جزاءه، وقضى أيامه الأولى في الحبس لحد ما بدأت خيوط الشبكة اللي كان واوقع فيها تتكشف كلها قدام النيابة؛ طلع إن شركة الاستثمار اللي كان شغال فيها هي اللي ورطته ودبرت ليه كل ده عشان يوقعوا في أرضنا وأراضي غيرنا، و”نهى” اختفت تماماً وسافرت برة البلاد أول ما القضية اتفتحت لما عرفت إن أبوها نفسه بقى تحت طائلة القانون والتفتيش.
أما حاتم، فقرر يسيب شغله البعيد وينزل يقعد معانا في المنيا، يمسك أرض أبوه ويوسع فيها، ويقف في ضهري زي ما كان أبوه بيعمل. رجع الغيط ينبض بالحياة، والساقية تدور بصوتها الحنين اللي بيطرد أي وحشة.
بقعد كل عصر على المصطبة الكبيرة قدام الدار، بشرب شاي بالنعناع، وأبص على الشجر اللي زرعه محمود بإيديه، وعلى الحقل الأخضر اللي ممتد لحد ما يتقاطع مع السما.
محدش قدر ياخد شبر واحد من أرضنا، ولا حد قدر يكسر الست اللي فاكروها ضعيفة وهي في الأصل قوية بربها وبأصلها.
قفلت الدفتر القديم اللي لقيته جوة الدولاب السري، وحطيت عليه فنجان القaiهوة، وابتسمت لنفسي في صمت…
بيوت الأصول ما تخربش، وحق الميت بيرجع، وعمر الغريب ما بياكل لقمة أهل الدار أبداً.
#حكايات_شروق_خالدووسط كل ده، ما كنتش أنسى وقفة عم أحمد الجار الجدع، ولا دمعة حاتم وهو بيصلح غلطة أخوه ويرد الاعتبار لاسم أبوه في البلد كلها.
مرت الأيام، وبقى اسم “دار الحاج محمود” علامة للخير والأصول، وبقت الناس تضرب المثل بوقوف الأم اللي ما استسلمتش لكسرة الحزن ولا لغدر القريب.
بقيت قاعدة كل يوم على نفس المصطبة، بمسح الغبار عن درابزين الشرفة اللي بنيناها سوى، ومرتاحة البال إن اللي سابه الراجل الغالي في رقبتي مصون وفي أمين.
قفلنا سيرة زياد ونسيناها زي ما الصفحة بتقلب، وفضلنا عايשים في أرضنا، مرفوعين الراس، لا هيداروا علينا ولا حد يقدر يمس شبر واحد من ترابنا.
وتوتة توتة.. خلصت الحدوتة، بس أصول أهل الصعيد ما بتخلصش أبداً.
سر الدولاب وسور الدار
حكايات شروق خالد



