روايات وقصص

زوجها رماها ببناتها تحت الكوبري ج1#حكايات_شروق_خالد

جوزي خلّى رجاله يأذوني ويرموني تحت كوبري متجمد في القاهرة، بعد ساعات قليلة بس من ولادتي لبنتين توأم، وكل ده عشان معرفتش أجيب له الواد اللي كان نفسه فيه. كان فاكر إن أنا وبناتي هنموت قبل ما الصبح يطلع، بس الراجل اللي لقانا كان «ياسين الجبالي»، أخطر وأتقَل راجل في عالم المافيا في مصر، ومن اللحظة اللي شالنا فيها وحطنا في عربيته المصفحة، اللي عمله جوزي فينا بقى حسابه مع ياسين.

اسمي مريم. أنا من وأنا صغيرة والفقر معلّمني إن الناس ممكن تشوف الست وهي بتتوجع قدامها، وبرضه تعمل نفسها مش شايفة. بس جوزي كان حكاية تانية خالص. ده كان نفسه في ولد. مش عايز طفل وخلاص.

لأ، كان عايز ولد يبقى وريثه، يفضل يتباهى بيه قدام الناس، ويتحكم فيه ويطلعه على مزاجه، لحد ما يبقى نسخة منه. ولما الداية حطت البنتين الصغيرين في حضني، وأنا جسمي كله بيرتعش من التعب والوجع، جوزي بص لهم كأنه شايف مصيبة نزلت على دماغه.

قال وهو متنرفز: «اتنين؟! إنتي جبتيلي بنتين؟!» ضمّيت بناتي لصدري أكتر وقلت له بصوت ضعيف: «دول بناتك يا محمود.» بص لي بنظرة كلها قسوة وقال: «بنات إيه؟ دول بلاء.» حسيت قلبي اتكسر. بصيت على بنتيّ الصغيرين، اللي كانوا لسه مولودين ومش فاهمين الدنيا فيها إيه، ودموعي نزلت غصب عني.

قلت له: «دول مالهمش ذنب… دول عيالنا.» ضحك بسخرية وقال: «أنا قولتلك عايز ولد. إنتي فاهمة يعني إيه ولد؟ يعني اسم العيلة يفضل موجود. إنما البنات؟ هصرف عليهم ليه؟» محدش في الشقة نطق. أهله كانوا واقفين ساكتين. ولا واحد فيهم قدر يقول له كلمة.

وبعد كام ساعة بس من الولادة، وأنا لسه حتى مش قادرة أقف على رجلي، مسكوني وجرّوني بره. كنت بصرخ وبحاول أحضن بنتيّ وأحميهم بجسمي.

«حرام عليكم! دول لسه مولودين! سيبوني!» بس محدش سمعني. أو يمكن سمعوني ومحدش كان فارق معاه. اتأذيت وأنا بحاول أضم بنتيّ.

كل لحظة كانت بتخليني أحس إني هموت، بس كنت بخاف أكتر عليهم مني. كنت بقول لنفسي: «خليهم يأذوكي… المهم البنات.» وبعدين رموني على الأرض. الأرض كانت ساقعة بشكل يخض. الليل كان قارص، والهواء داخل في عظمي. ضمّيت بنتيّ تحت هدومي، وحاولت أغطيهم بجسمي كله.

سمعت جوزي بيقول قبل ما يمشي: «سيبوها هنا. بكرة الصبح هنلاقيها هي والبنات خلصوا.» آخر حاجة سمعتها كانت ضحكته. وبعدين الدنيا اسودت قدامي. في الوقت ده، عربية سودا ضخمة كانت ماشية على طريق قريب من كوبري في القاهرة. العربية كانت جزء من موكب كبير.

وفي وسط العربيات دي كان قاعد ياسين الجبالي. راجل اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير تسكت. كان قاعد في الكنبة الخلفية، وشه جامد وعينيه ثابتة، لحد ما لمح حاجة على جنب الطريق. قال للسواق: «استنى.» السواق بص له في المراية. «في إيه يا باشا؟»

ياسين أشار بإيده. «اركن هنا.» العربية وقفت. واحد من رجاله نزل بسرعة. «في حاجة يا باشا؟» ياسين فتح الباب ونزل بنفسه. مشى كام خطوة ناحية الحاجز الخرساني. في الأول افتكر إنها واحدة مرمية وماتت. جسم ست متكور على نفسه. هدومها متبهدلة.

وشها شاحب. وفجأة… حاجة اتحركت تحت هدومها. ياسين وقف مكانه. ركز أكتر. وسمع صوت ضعيف جدًا. صوت عياط. قرب. لقى طفلة صغيرة جدًا مستخبية تحت هدومي. وبعد ثواني سمع صوت تاني. طفلة تانية. بص لرجاله وقال: «دول لسه عايشين.» واحد من الرجالة اتصدم.

ياسين نزل على ركبته جنبي. لمس إيدي. كانت تلج. قال: «اتصلوا بالدكتور حالًا.» واحد من رجاله قال: «نوديهم المستشفى؟» ياسين بص على وشي. وبعدين بص للبنات. وقال: «مفيش وقت.» خلع الجاكت التقيل بتاعه، وفتح قميصه، وشال البنتين وحطهم على صدره عشان يدفّيهم. واحدة منهم كانت بتترعش.

ياسين قربها منه أكتر. وبعدين مد إيده وشالني أنا كمان. واحد من رجاله لمح الجروح اللي على ضهري. وشه اتغير. وقال: «مين اللي عمل فيها كده؟» ياسين ما ردش. بس فكه اتشد. وعينيه بقت مرعبة. وبعد ثواني قال: «اعرفوا مين عمل كده.» رجاله ردوا في نفس اللحظة: «حاضر يا باشا.»

شالني وحطني في العربية المصفحة. وبناتي كانوا في حضنه. وأول مرة في حياتي، حد كان شايل بناتي كأنهم أغلى حاجة في الدنيا. تلات أيام كاملة عدّوا وأنا مش حاسة بحاجة. حرارة شديدة كانت ماسكة في جسمي.

ولما فتحت عيني، أول حاجة عملتها إني حاولت أقوم. «بناتي… بناتي فين؟» صوتي كان ضعيف جدًا. ياسين كان قاعد بعيد شوية، ماسك ملف في إيده. رفع عينه عليا وقال: «اهدي.» صرخت: «بناتي فين؟!» قال بهدوء: «عايشين.» فضلت أبص له كام ثانية. وبعدين انفجرت في العياط.

«الحمد لله… الحمد لله.» حاولت أنزل من السرير. ياسين قال: «إنتي لسه مش قادرة تقفي.» قلت له: «عايزة أشوفهم.» بص ناحية الباب وقال: «هما في الأوضة اللي جنبك.» وأول ما سمعت صوت واحدة منهم بتعيط، دموعي نزلت أكتر. قلت: «عايزة أشوفهم.» ياسين فتح الباب.

دخلت الممرضة وهي شايلة واحدة منهم، ووراها ممرضة تانية شايلة أختها. مديت إيدي وأنا بعيط. «هاتيهالي.» حطوهم في حضني. فضلت أبوس فيهم وأشم ريحتهم وأنا بعيط. «ماما كانت فاكرة إنها هتخسركم… والله كنت خايفة عليكم.» ياسين كان واقف بعيد وبيتابع في صمت. بعد شوية قال: «مين عمل فيكي كده؟»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى