
محمود ضحك بسخرية. «إنت مش فاهم اللي بتدخل نفسك فيه.» ياسين قال: «وأنت مش فاهم مين اللي وقعت في إيده.» وفجأة واحد من رجال ياسين دخل بسرعة. «يا باشا، العربية وصلت.» ياسين سأله: «مين؟» الراجل قال: «الراجل اللي طلبت نجيبه.» محمود وشه اصفر. «مين؟» ياسين بص له وقال: «أبو مريم.»
محمود اتراجع خطوة. «مستحيل.» وفي اللحظة دي… الباب اتفتح. دخل راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان علامات السنين. وقف قدام محمود. محمود رجع لورا. والراجل بص ناحية باب الأوضة اللي أنا فيها. عينيه دمعت. وقال بصوت مبحوح: «مريم…» أول ما سمعت الصوت.
.. حسيت بحاجة غريبة جوايا. صوت مش غريب. صوت كأني سمعته وأنا صغيرة. فتحت الباب ببطء. الراجل بص لي. ولما شافني، حط إيده على قلبه. وقال: «بنتي.» أنا اتجمدت. «بابا؟»
«بابا؟» الكلمة خرجت مني من غير ما أحس.
الراجل الكبير وقف مكانه، وعينيه اتمليت دموع. قال بصوت مكسور: «أيوه يا بنتي… أنا أبوكي.» هزيت راسي بسرعة وأنا مش مستوعبة. «لا… لا، إنت مش أبويا.» قرب خطوة. «عارف إنك مش هتصدقي.» بصيت لياسين، كأني مستنية منه يقول إن الراجل ده بيكدب.
لكن ياسين كان ساكت. قال: «مريم، الراجل ده اسمه جابر السيوفي. والتحريات اللي عملناها أكدت إن فيه أدلة قوية إنه والدك البيولوجي.» حطيت إيدي على بوقي. «بس… ليه؟ ليه سيبتني؟» جابر نزل عينه في الأرض. «أنا مسيبتكيش يا بنتي.»
صرخت: «أمال كنت فين؟!» صوته اتهز. «كنت في السجن.» سكت. «اتحبست عشرين سنة في قضية ملفقة.» محمود ضحك من بعيد. «كفاية تمثيل بقى.» جابر لف له. وأول ما عينيه وقعت على محمود، ملامحه اتغيرت. «إنت.» محمود رجع خطوة. جابر قال: «أنا فاكر وشك.» محمود حاول يتماسك. «إنت فاكرني غلط.»
جابر هز راسه. «لا. أنا عمري ما أنسى الراجل اللي كان واقف جنب أخويا يوم ما بنتي اختفت.» أنا بصيت لجابر. «أنا اختفيت؟» هز راسه. «إنتي اتاخدتي مني.» سألته: «مين خدني؟» جابر سكت. ياسين قرب منه. «قول لها الحقيقة كلها.» جابر أخد نفس عميق. «أخوكِ… عمكِ شوقي هو اللي دبر كل حاجة.» أنا حسيت برجلي مش شايلاني. «عمي؟» «كان عايز ثروتي.» «طب ليه أنا؟» جابر بص لي بحزن. «لأنك كنتي الوريثة الوحيدة.» محمود قال بسرعة: «وده بالظبط السبب اللي يخليها تيجي معايا.» ياسين لف له. «إنت مالك؟»
وبعدين قال: «مين؟» محمود ضحك. «ناس أكبر منك.» رجال ياسين اتحركوا، لكن ياسين رفع إيده. «سيبوه.» وبعدين قرب من محمود. «إنت عايز تلعب لعبة؟» محمود قال: «أنا مش بلعب.» ياسين رد: «وأنا كمان.» في اللحظة دي، واحدة من بناتي بدأت تعيط. جابر بص ناحية الصوت. وشه انهار.
دخلت وأنا شايلة واحدة منهم، والتانية كانت نايمة في السرير. جابر قرب مني ببطء. «ينفع أشيلها؟» بصيت له. كنت لسه مش عارفة أصدقه. لكن لما شفت عينيه وهي مليانة دموع، مدّيت له البنت. شالها بين إيديه. إيده كانت بتترعش. فضل يبص لها كأنه شايف معجزة.
وقال: «أنا ضيعت عشرين سنة من عمري… بس مش هضيع يوم واحد تاني.» دموعي نزلت. «أنا مش فاهمة حاجة.» جابر بص لي. «هفهمك كل حاجة.» قبل ما يكمل، تليفون ياسين رن. رد. سكت شوية. وبعدين قال: «اتأكدت؟» الراجل رد من الناحية التانية.
ملامح ياسين اتغيرت. «خليهم مكانهم. محدش يتحرك.» قفل. سألته: «في إيه؟» بص لياسين. قال: «رجال عمك شوقي حوالين العمارة.» جابر اتصدم. «عرفوا إني خرجت؟» ياسين قال: «أيوه.» محمود ابتسم. جابر بص له. «إنت اللي بلغت عني.»
محمود ما ردش. ياسين بص لرجاله. «اقفلوا كل المداخل.» واحد من الرجال قال: «حاضر.» وفجأة… النور قطع. صرخت وأنا ضميت بنتي. ومن تحت الباب ظهر ضوء كشاف. وبعدين سمعنا صوت راجل من بره: «سلّموا مريم وجابر.. ومحدش هيتأذى.» ياسين ابتسم بهدوء. وقال: «واضح إنهم مش عارفين هما دخلوا على مين.» محمود بدأ يضحك. «المرة دي مش هتلحق تنقذها.» ياسين بص له. «إنت لسه فاكر إنك اللي بتحدد النهاية؟» وفجأة… صوت طلقة دوّى في الممر.



