
«اسمعني كويس دلوقتي!» — بت الشغالة الصغننة هزت المعلم الكباره اللي المنطقة كلها بتترعب منه!
البت الصعننة اللي عندها ست سنين دخلت الصالون اللي مليان سباع ورجالة تقطع الخيط، حطت إيديها الاتنين الصغيرين على الترابيزة الرخام، وزعقت في وش أكابر الناس وأعتى راجل في المنطقة:
«اسمعني كويس دلوقتي!»
ولا بني آدم فتح بوقه بضحكة—عشان الحاج منصور القناوي بقاله تلاتين سنة مربي الرعب في القلوب، وما يعيشش ولا يتولد الراجل اللي يرفع عينه فيه ولا يكلمه بالأسلوب ده.
سعاد الشغالة اتكهربت في مكانها وصينية الشاي الفضة في إيدها مالت، ونزل منها نقطتين على المفرش الأبيض، بس ولا جدع من القاعدين بص على المفرش اصلاً. اتناشر راجل بلاوي متلتلة لابسين جلابيب وصداري غالية اتلووا كلهم يبصوا على البت الصغيرة اللي واقفة تحت النجفة بشربات بينك، ومريلة مطبخ مستلفة ملفوفة مرتين على وسطها القشة، والنار قايدة في عينها.
سعاد همست ولسانها مربوط:
«مريم..»
بس البت ولا هنا وما عبرتهاش.
مريم ذات الست سنين شاورت بصُباعها الصغير على الراجل العريض صاحب السلسلة الدهب اللي كان لسة ماسك إيد سعاد بعشم وقسوة عشان نقطتين شاي جم على طرف جلبابه.
«سيب إيد أمي ياض انت!»
الراجل ساب إيد سعاد من كتر الخضة والذهول، مش من باب الطاعة.
واحد في آخر القعدة بلع ريقه وصدره شخر من الخضة.
أما الحاج منصور القناوي.. فما اتهزتش منه شعرة.
كان قاعد في صدر المجلس بجلباب كحلي يورث الهيبة، إيده مستريحة جنب كوباية الشاي، وشعره الأبيض متسرح لورا، ووشه اللي الجرايد والمجلات بقالها سنين بتكتب عنه وعن بلاويه ومش عارفين يمسكوا عليه غلطة.
وهو عنده ستين سنة، كان اتعلم إن القوة في السكوت.
الرجالة الهفأ هي اللي بتجعور.
والرجالة الخايفة هي اللي بتجري وتستعجل.
إنما الكباره بجد.. مابيعملش غير إنه بيتقل.
بس يظهر إن مريم ما حدش فهمها الأصول دي.
بصت له وقالت بقلة صبر:
«هو مش انت المفروض الكباره بتاع البيت ده؟»
سعاد أخيراً لسانها اتفك من الرعب:
«مريم.. يا مصيبتي تعالي هنا الله يهديكي!»
«لا!»
الكلمة رنت في الصالون زي ضربة الرصاصة.
مريم بصت للحاج منصور في عينيه طوالي:
«أبله في المدرسة قالت لي إن الكباره هو اللي بياخد حق الضعيف ويوقف الحاجات الوحشة.»
كام راجل من القاعدين اتلووا في قعدتهم وغيروا ركبتهم بكسفة.
عين الحاج منصور اتنقلت لمعصم سعاد، محل ما صوابع الراجل التاني معلمة محمرة.
وبعدين رجع بص لمريم تاني:
«قالت لك كده؟»
«أيوه!»
مريم قربت خطوة كمان.
«طب لما انت الكباره بجد.. قاعد ساكت ليه ومستني إيه؟»
سعاد حست إن دمها اتصفى ووشها جاب ألوان الطيف.
الراجل صاحب السلسلة الدهب ضحك ضحكة صفرا ومخضوضة:
«جرى إيه يا حاج منصور؟ الظاهر البت دي طافحة تمثيليات لما شبعت!»
مريم اتلفتت له وزقرت فيه:
«انت تسكت خالص وما تتكلمش!»
واحد من القاعدين حط إيده على بوقه بيكتم الضحكة بالعافية.
والتاني وِطى راسه بسرعة عشان يخبي ابتسامته.
الراجل صاحب السلسلة الدهب وشه أحمر وزرق من الكسفة:
«نعم ياختي؟! انتِ بتكلميني أنا؟»
مريم شاورت على أمها:
«انت خضيت أمي ومسكتها جامد!»
«أنا ملمستهاش يا بت انتِ!»
«لا لمستها وعورتها كمان!»
سعاد قالت بصوت واطي بيرتعش:
«مريم.. خلاص يا روحي..»
بس دقن مريم كانت بترتعش، وسعاد عارفة الشدة دي كويس.. ده مش تناحة ولا قلة أدب، ده رعب وميت من الخوف بس بيحاول يقف على حيله بالعافية.
مريم بصت للحاج منصور تاني:
«اسمعني كويس دلوقتي.»
الصالون رجع أظلم وأسكت من التربة.
«انت ما تسمحش لحد يزعل أمي.. وما تسمحش حد يضايق ناس المطبخ الغلابة.. وما تسمحش للرجالة اللي تحت يدخلوا عندك وشهم مكسور وزعلانين وتعمل نفسك مش شايفهم!»
عينين الحاج منصور اتغيرت تماماً.
سعاد لمحت التغيير ده.
لمدة ثانية واحدة بس.
ومريم كملت كلامها قبل ما حد يقدر يوقفها:
«ولو انت الكباره بجد بجد.. يبقى أي حد يغلط في حق حد لازم يتأسف له قدام الكل!»
الراجل أبو سلسلة دهب نتر بضيق:
«جرى إيه يا حاج! ما خلاص بقى بلاش دلع عيال!»
الحاج منصور رفع صباع واحد بس في الهوا.
الراجل اتخرس وما نطقش ولا حرف.
مريم بلعت ريقها بالعافية:
«ولازم كمان كل الناس تأكل مع بعضها ساعات..»
صوتها بدأ يصغر ويبقى طفولي، بس ضغطت على نفسها عشان تطلع الكلمة الأخيرة:
«عشان الناس بتبقى قاسية ولئيمة لما بيقعدوا يأكلوا لوحدهم كتير!»
في اللحظة دي بالذات.. إيد الحاج منصور القناوي بدأت ترتعش.
كانت رجفة صغيرة تكاد تكون مش باينة.
تكاد تكون.
بس سعاد بقالها تلات أسابيع بتنضف بيته وتخدمه.
وكانت بتلاحظ كل صغيرة وكبيرة.
بتلاحظ الأبواب اللي دايماً مقفولة بالترباس.
ومين من الرجالة المسموح له يدخل مكتبه من غير ما يخبط.
ومين من الشغالين بيكتم صوته أول ما الحاج منصور يعدي في الصالون.
وكانت ملاحظة إن إيد الحاج منصور عمرها ما اترعشت ولا اهتزت أبداً.
ولا مرة.
لحد اللحظة دي.
الحاج منصور كان باصص لمريم كأنه شايف حد واقف وراها بالظبط.. حد مفيش أي كائن في الأوضة شايفه غيره هو.
وبالبطيء الشديد.. وعكس كل توقعات البشر.. أكبر راجل ويهابه التخين في المجلس كله.. زق كرسيّه لورا وقام وقف.
جسم سعاد اتشد واتشنج من الرعب:
«يا حاج منصور.. أرجوك وحياة أغلى ما عندك.. دي عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة!»
الحاج منصور قام وقف على طوله.
شجاعة مريم لأول مرة تهتز.
رجعت خطوة لورا وخافت.
سعاد جرت في ثانية وسحبت بنتها في حضنها وجنبها.
الرجالة القاعدين على الترابيزة كلهم حبسوا أنفاسهم ومستنيين المصيبة.
الحاج منصور مشى ناحيتهم.
خطوة..




