روايات وقصص

مشروع الليلة الأخيرة حكايات شروق خالد

قبل فرحي بليلة، سمعت “الإشبينة” بتاعتي من وراء حائط أوضة الفندق وهي بتقول إنهم هيصبوا عصير أو شربات على فستاني وهيضيعوا الدبل. صورت 4 دقائق كاملة بالموبايل وأنا حاطة ضهري على باب الوصلة اللي بين الأوض. كنا حاجزين أربع أوض في الفندق ده ليلة الجمعة.

ماكنش جالي نوم خالص. الفستان كان معلق على باب الدولاب في كيسه، وكرات الكوشة والترابيزة عليها حاجات الفرح، وكنت قرأت آخر رسالة منه حوالي تسع مرات:
“مستنيكِ على الكوشة يا عروستي.”
يا دوب لسه طافية أباجورة الكومودينو، وسمعت صوت ضحك جاي من الأوضة اللي جنبنا.
في الأول مطّنت ومخدتش بالي؛ ما هو طبيعي أربع بنات في فندق ليلة فرح هيقعدوا يهزروا ويضحكوا.
لحد ما سمعتها بتتكلم بجد.
«هكب عصير أو شربات على فستانها، ونضيع الدبل.. أصلها ما تستاهلوش أصلاً.»
فواحدة تانية ردت عليها وقالت لها: “يا شيخ دي عيب عليكي!”
فضحكت وقالت: “يا بنتي أنا بقالي شهور بلف حواليه عشان أوقعّه.”
قعدت على حافة السرير ومتحركتش من مكاني.
فيه لحظة كده بتحصل لما عقلك بيرفض يصدق اللي ودنك سمعته للتو. قعدت ثواني أترجم الكلام لنفسي على إنه أكيد مقصود بيه حد تاني.
وبعدين واحدة منهم سألتها: “هو إنتي بجد مجهزة إنه هيختارك إنتي؟”
فرّدت وقالت: “ده كان خلاص هيعملها! الرجالة زيه مش بيتجوزوا بنات زي دي إلا لو بيدوروا على الأمان والسهل.. أنا بس بساعده يرتب دماغه.”
دي إشبينتي.. دي صاحبتي اللي مفروض أقرب وحدة ليا.. وقبل الفرح بـ 13 ساعة بس!
وفجأة، كل حاجة حصلت في الـ 6 شهور اللي فاتوا عدت قدام عيني كأن شريط سينما اشتغل، بس بمعاني مقلوبة تماماً!
إصرارها على إنها تمسك كل تفصيلة في الفرح، وهي اللي ماسكة الدبل، ولما قالت لي في شهر أبريل إن أنا “محظوظة عشان بيحب البنات الهادية أكتر من البنات اللطيفة” — وأنا ضحكت لها وقتها!
وقفتها جمبي في قاعة الخطوبة وإيدها على دراعه.
وبعدين حد فيهم سألها: “فرضا دي عرفت؟”
فردت بثقة: “عمري ما هتحس بحاجة.. دي أواخر دايماً وما بتفهمش غير بعد ما يفوت الأوان.”
وهنا.. طلع من جوايا شعور تحت الصدمة؛ ما كانش رعب ولا عياط.
قمت من على السرير بالراحة، فتحت الموبايل على برنامج التسجيل، وروحت وقفت قدام الباب اللي بيوصل بين الأوضتين.
كان صوتهم عالي، شاربين ومبسوطين باللي بيعملوه، وسجلت 4 دقائق و11 ثانية كاملين.
كل تفصيلة: الفستان، الدبل، كلامها عن إنها بتحاول تنفرد بيه من شهر فبراير تقريباً.. وتلات بنات تانيين بيضحكوا بدل ما يلموها.
رجعت قعدت تاني على طرف السرير.
ولمدة حوالي 40 دقيقة.. ما عملتِش أي حاجة خالص.
ده الجزء بقى اللي مستحيل أشرحه لحد. قعدت على السرير بجزمتي، وقعدت أسمع البنات الأربع بتاعة الأوضة اللي جنبنا وهما بيجهزوا عشان يناموا. واحدة دخلت الحمام، والتانية شغلت السشوار دقيقة تقريباً، وبعدين النور اتقفل من تحت باب الوصلة.
كنت مستنية أتعصب وأتجنن — زي ما بتستفرغ لما تكون تعبان.
بس العصبية ما جتش.. ولحد دلوقتي ما جتش.
اللي جه مكاني كان “لستة” حسابات:
فين الفستان؟ مع مين الدبل؟ مين معاه جدول المواعيد؟ مين نايم في أنهي أوضة؟ ومين اللي أقدر أثق فيه في الفندق ده الساعة اتنين بالليل؟
أنا شغّالة مدير مشاريع، وأدرت حوالي 40 مشروع قبل كده.
وفي نص الـ 40 دقيقة دول، فيه جزء في مخي ملوش أي علاقة بالمشاعر اشتغل لوحده وبدأ يدير اللعبة.
الساعة اتنين وتلات دقائق، بعت رسالة لأخويا، وابن عمي، ومنظمة الفرح، ومدير الفندق المناوب.
الساعة اتنين وعشرين دقيقة، حجزت جناح تاني باسم ابن عمي في الناحية التانية خالص من الفندق.
والساعة اتنين وستة وعشرين دقيقة، بعت له هو رسالة:
“محتاجة أغير كام حاجة بكرة.. بهدوء وبلاش تسألني في حاجة دلوقتي.”
رد عليا في أقل من دقيقة:
“اللي إنتي عايزه. أمري.. أعمل إيه؟”
وفضل قاعد مستني ردي لحد ما كتبتله: “تعاليلي الأوضة حالا.. لوحدك.”
معرفش عدا قد ايه لحد ما خبط على الباب خبطة خفيفة، خبطتين كدا بتوعنا اللي بيني وبينه. فتحتله وانا ثابتة في مكاني، باصة في عينه من غير ولا دمعة، ومن غير أي انفعال. دخل وقفل الباب وراه بالراحة، وبص للفستان المعلق وللأوضة، وبعدين بصلي.
قال بقلق: “في إيه؟ قلقتيني.. شكلك مش عاجبني.”
طلعت تليفوني من جيبي، فتحت التسجيل اللي مدته 4 دقائق و11 ثانية، وعليت الصوت على الآخر، وحطيته على الكومودينو جنبه.
أول صوت طلع من التليفون كان صوتها هي وهي بتقول: “هكب عصير أو شربات على فستانها.. أصلها ما تستاهلوش.”
شفت الدم في وشّه وهو بيتبدل في ثواني. اللون هرب من وشه، وعيونه وسعت وهو مش مصدق ودانة. وقف متجمّد مكانه وصوته اختفى، وجهه بقى أصفر تماماً كأنه شاف عفريت. التسجيل كان شغال وصوت ضحك البنات وصوتها وهي بتتكلم عن الشهور اللي فاتت بيملى الأوضة.
لما التسجيل خلص، فضل السكون ثقيلة سيطرت على المكان كأن الأكسجين خلص.
بصلي وعيونه بتلمع بدموع الصدمة والذهول، وطلع صوته مهزوز ومش طالع: “دي.. دي كدبة.. أنا أقسم بالله ما…”
قاطعتُه بصوت هادي وثابت جداً، صوت مديرة مشاريع بتسلم تقرير نهائي لشغل سلمته: “اسكت خالص.. ولا كلمة. اسمعني كويس عشان اللي جاي مش هياخد نقاش.”
بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مسحوب: “موافق.. اللي إنتِ عايزاه..”
كملت كلامي من غير ما أنفعل: “الفستان اتنقل الأوضة التانية اللي حجزناها. والدبل مع ابن عمي. ومن بكره الصبح، فرحنا مش هيكون بالطريقة اللي هما متخيلينها.. هما جايين بكرة يحضروا فضيحة ليا، بس اللي هيحصل إنهم هيحضروا فضيحة تانية خالص.. فضيحة تليق بيهم.”
بصلي بدهشة وقال: “هتعملي إيه؟”
ابتسمت بهدوء لأول مرة من ساعة ما دخلت الفندق، وقُلتله: “تعال اقعد.. قدامنا ساعتين ونخلص لستة المهام.. جهز نفسك، عشان بكرة هوريك الشغل الصح على أصوله.”

#حكايات_شروق_خالد

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى