عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري، وعدني أعز أصدقائي بأننا سنتزوج إذا ظللنا عازبين حتى بلوغنا الستين. لكنه أرسل لي بدلاً من ذلك رسالة أخيرة يطلب مني فيها الابتعاد عنه. وفي يوم عيد ميلادي الستين، اتصل بي ابنه وتوسل إليّ لأذهب إلى المستشفى. وبجانب والده المحتضر، كانت حقيبتي الزرقاء المفقودة وعلبة خاتم صغيرة. ثم أراني صورة التُقطت قبل عقود لأمي وهي تحمل طفلاً، وقد كُتبت أسماؤنا على ظهرها.
عندما كنت في التاسعة عشرة، وعدني أعز أصدقائي بأنه إذا لم يتزوج أي منا بحلول سن الستين، فسنجد بعضنا البعض ونتزوج أخيرًا. بلغت الستين من عمري الثلاثاء الماضي، وفي ذلك المساء، رن هاتفي الأرضي القديم لأول مرة منذ أشهر.
لم يكن الرجل المتصل هو أعز أصدقائي.
قال بصوت هادئ: “اسمي يوسف.. أنا ابن طارق. أبي في المستشفى، ولم يتبقَ له الكثير من الوقت.”
ثم سلم الهاتف إلى شخص لم أسمع صوته منذ إحدى وأربعين سنة.
“حبيبة؟”
كادت ركبتاي تخونانني.
كان طارق الشخص الوحيد الذي ناداني بهذا الاسم طوال حياتي. جعلني سماع هذا اللقب مجددًا أشعر وكأنني في التاسعة عشرة، أقف تحت مدرجات ملعب كرة القدم في نادي الإسكندرية وإصبعه الصغير يلتف حول إصبعي.
همست بصوت مختنق: “لقد تذكرت.”
“لقد تذكرت كل عيد ميلاد يا حبيبة.”
ثم بدأ يبكي.
التقيت بطارق عندما كان عمرنا سبعة عشر عاماً، في حي مصر الجديدة الراقي حيث يعرف الجميع كل تفاصيل حياة الآخرين. أصبحنا لا نَفترق تقريبًا منذ اللحظة الأولى، على الرغم من أننا كنا نُصرّ دائمًا على أننا مجرد أصدقاء.
لقد واعد فتيات أخريات، وذهبت أنا إلى حفل التخرج مع شاب آخر. وكلما كان زملاؤنا يمزحون معنا بشأن الزواج يومًا ما، كنا نضحك لأن أيًا منا لم يكن يريد المخاطرة بفقدان الصداقة التي جمعتنا بالفعل.
ولكن في أحد أُمسيات الصيف، وبعد أن مرّ كل منا بتجربة مواعدة سيئة، أدلى طارق باقتراحه السخيف:
“إذا بقينا نحن الاثنين عازبين حتى سن الستين، فسنتوقف عن التصرف بحماقة ونتعقب بعضنا البعض.”
شبكت إصبعي الصغير بإصبعه قائلة: “اتفقنا.”
بعد شهرين، سافر لدراسة الهندسة في جامعة أخرى خارج المحافظة. تبادلنا الرسائل في البداية، وأحيانًا ثلاثة خطابات في أسبوع واحد، لكن ردوده أصبحت أقل تكرارًا تدريجيًا.
وحين أدركت أنني واقعة في حبه، كان قد بدأ بالفعل في ذكر فتاة أخرى.
وفي عام 1986، وصلتني رسالته الأخيرة.
أخبرني فيها أنه تزوج وطلب مني ألا أتواصل معه مرة أخرى.
بكيت لأسابيع قبل أن أضع رسائله في حقيبة سفر زرقاء قديمة وأخفيها في خزانة غرفة نومي. وفي النهاية، انتقلت للعيش في شقة بمنطقة المعادي، وبنيت مسيرة مهنية في تدريس الأدب العربي، وسافرت، وصنعت حياة كانت جيدة من نواحٍ عديدة.
لم أتزوج قط.
وكلما سألني أحدهم عن السبب، كنت أقول إنني لم ألتقِ بالشخص المناسب. كان ذلك أسهل من الاعتراف بأنني تقابلت معه في سن السابعة عشرة وقضيت العقود الأربعة التالية أتساءل عما كان يمكن أن يحدث.
والآن، في سن الستين، كنت أستمعه وهو يكافح من أجل التقاط أنفاسه عبر الهاتف.
همس طارق: “حبيبة.. هناك شيء يجب أن أخبرك به قبل أن أموت.”
“ما هو؟”
“كنت واقعاً في حبك عندما عقدنا ذلك الوعد. وكنت قد اشتريت خاتماً بالفعل.”
ضغطت بيدي على فمي من شدة الصدمة.
“إذن لماذا تزوجت شخصاً آخر؟”
أصبح تنفسه غير منتظم.
“من فضلك تعالي إلى المستشفى. هناك شيء يجب أن تريه. بمجرد أن تريه، ستفهمين سبب ابتعادي.”
بعد أربعين دقيقة، دخلت غرفة المستشفى في القصر العيني.
بدا طارق واهناً ومتعباً للغاية تحت الغطاء الأبيض، لكنني تعرفت على عينيه فوراً. كانت نفس العينين اللتين طالما راقبتا طفولتنا في شوارع القاهرة.
مد يده ليلمس يدي: “لقد جئتِ.”
“بالطبع جئت.”
وقف ابنه بجانب كرسي بالقرب من النافذة. وُضعت عليه حقيبة سفر زرقاء قديمة، وعلبة مخملية صغيرة لخاتم، وصورة باهتة.
عرفت الحقيبة على الفور.
كانت تلك الحقيبة التي استخدمتها لإخفاء رسائل طارق، والتي كنت أعتقد أنها ضاعت عندما قامت أمي بتفريغ وتنظيف منزل العائلة في مصر القديمة.
سألت: “من أين حصلت على هذه؟”
لم يرد يوسف. وبدلاً من ذلك، ناولني الصورة.
أظهرت الصورة أمي في غرفة مستشفى، وهي تحمل مولوداً جديداً ملفوفاً ببطانية صفراء باهتة. كانت تبدو أصغر سناً مما تتذكرها، وشيء ما في تعبيرات وجهها جعلني أشعر بعدم الارتياح.
قلبت الصورة على وجهها الآخر.
كان شخص ما قد كتب تاريخاً بالحبر الأزرق.
سبتمبر 1987.
وتحته اسمان.
حبيبة وطارق.
نظرت من الصورة إلى الرجل المحتضر على السرير.
“طارق، لمن يعود هذا الطفل؟”
املأت عيناه بالدموع.
سحب يوسف الكرسي المجاور لي.
وقال بهدوء: “قبل أن يفسر لكِ أبي سبب ابتعادكما، هناك شيء يجب أن تفهميه حول ما فعلته والدتك.”
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
لقد أمضت أمي طوال حياتها تخبرني أن طارق قد اختار امرأة أخرى.
والآن، بعد مرور أربعين عاماً، بدأت أتساؤل عما إذا كانت قد أخبرتني بالحقيقة بشأن أي شيء على الإطلاق.
مسح يوسف دموعه، وبص لأبوه نظرة طويلة كأنه بيستأذنه، وبعدين التفت لي وقال بصوت هادي ومتردد:
“الحكاية مش زي ما أمك حكت لك خالص يا طنط.. والدتك هي اللي راحت لأبي سنة 1987، وكانت مهدداه بيكي.”
وقفت مكاني وكأني أخدت قلم على وشي. صوت الكهارب في الأوضة بدأ يطن في وداني.
“ماما؟ مهدداه ب مين؟ وعشان إيه؟”
طارق مد إيده الهزيلة وشد كم بطانية المستشفى، وقال بصوت مكتوم بيطلع بصعوبة:
“يوم ما أرسلت لك الجواب الأخير.. كنت خلاص جمعت فلوس الشقة، وجبت الخاتم اللي قدامك ده، وكنت جاي أطلب إيدك من أبوكِ وأمكِ.. بس أمك قابلتني لوحدنا برة البيت. قالت لي بالحرف الواحد: إنت لسه طالب في أول طريقك، وهتدمر مستقبلها لو مسكت فيها. وقالت لي كلام تاني كذبته في الأول.. قالت لي إنك أنتي بنفسك مش عاوزة تكملي، وإداني ورقة مكتوبة بخط إيدك من أيام الجامعة وفسرتها على مزاجها.”
بصيت للشنطة الزرقة اللي كانت في حضني طول السنين دي، وطلعت منها أول جواب كتبته وأنا صغيرة. بصيت لخط إيدي، وبعدين بصيت لصورة أمي وهي شايلة الطفل.
“والطفل ده؟” سألت ودموعي نزلت غصب عني. “إيه علاقة الطفل ده بينا؟”
يوسف هو اللي رد وقال:
“أمكِ لما لقت إن أبويا ماستسلمش بسهولة.. عملت حيلة تانية خالص. اتفقت مع دكتورة في المستشفى، وقالت لأبي إنك سافرتي وسبتيه عشان تتجوزي غيره، وإنكِ… وإنكِ كنتِ حامل وسقطتي.. وفي نفس الوقت، الست اللي كانت متجوزة قريب لأمك توفت في الولادة، وأمك جابت الولد ده وسجلته باسم أبي في ورقة رسمية مزورة، وقالت له لو قرب منكم تاني هتبلغ البوليس وتدمره في شغله.. أبي كان مفكر طوال الاربعين سنة دول إنكِ أنتي اللي بعتيه، وإنه بيعاقب نفسه بأنه بيبعد عنك عشان تحبي حياتك براحتك.”
بصيت لطارق.. الراجل اللي ضيعت عمري كله وأنا بلعنه في سرّي، وأنا بحسب إنه باعني عشان واحدة تانية. لقيت نفسي بقعد على الكرسي وجسمي كله بيترعش. كل السنين دي، وكل الحزن والوحدة، وكل عيد ميلاد كنت بقعده لوحدي قدام الشباك.. طلع تزوير وترتيب من أم رحلت وخدت السر معاها للقبر.
طارق مد إيده الضعيفة ولمس صباعي اللي كان بيلف عليه زمان. قال بصوت فيه أنفاسه الأخيرة:
“سامحيني يا حبيبة.. والله العظيم ما خنت العهد ولا يوم.. كنت بحبك, ولحد آخر دقيقة في عمري، ما عشقت ست غيرك.”
مسكت إيده وبكيت بحرقة.. حسيت إن الزمن بيرجع بينا أربعين سنة لورا، بس بدل ما نكون شباب بنضحك تحت المدارس، بقينا ناس عجايز سرق منهم الكدب أحلى سنين العمر.
وفي اللحظة دي، جهاز الشاشات جنب السرير طلع صوت طويل وثابت.. ويد طارق نزلت بهدوء على السرير.
#حكايات_شروق_خالدالصمت اللي جه بعد صوت الجهاز كان أثقل من أي كلام ممكن يوصفه. بصيت لوش طارق وهو نايم نومته الأخيرة، وملامحه اللي هدتها السنين والمرض كان مرسوم عليها رضا غريب، كأنه أخيرًا ارتاح بعد ما رمى حمل أربعين سنة من الظلم والوجع.
يوسف ابنه نزل راسه على طرف السرير وبكى بصوت مكتوم، فقمت ووطيت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه. حسيت وقتها إن يوسف مش مجرد ابن الشخص اللي حبيته، ده كان قطعة من الوجع اللي جمعنا، والدليل الحي على اللي كان ممكن يكون لو القدر ما اتلعبش فيه.
بعد أيام، وسط أجواء هادية ومقبولة، خلصنا كل إجراءات الدفن والعزاء. وفي يوم الأربعاء اللي بعده، دعاني يوسف لبيت أبوه عشان نلم حاجاته وندور على باقي الأوراق القديمة اللي ممكن تفهمنا إيه اللي عملته أمي بالضبط وإزاي قدرت تعمل كل ده لوحدها.
روايات وقصص




