منوعات

كرسي الملكة ج1 #حكايات_شروق_خالد

أمي الست الكبيرة اللي عندها تمانين سنة، اتّهتمت إنها بتمثل العجز عشان تهرب من طابور الدفع الطويل.. وفجأة، وبينما الست الغاضبة كانت بتزعق فيها بكل جبروت، مدت أمي إيدها بهدوء في جيبها وطلعت حاجة قلبت الموقف راساً على عقب.

أمي، الحاجة فاطمة، قاعدة على كرسي متحرك من أكتر من ست سنين بسبب حادثة بشعة عدت بيها. السبت اللي فات، كنت واخدها معايا لأحد المولات الكبيرة في القاهرة عشان نشتري هدية عيد ميلاد لبنتي. منطقة الكاشير كانت زحمة جداً والناس واقفة في طابور طويل عريض ملوش آخر. لما واحد من موظفين المول شاف كرسي أمي، جه بكل ذوق وقالنا اتفضلوا على الممر المخصص لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

إحنا رايحين في أمان الله، وفجأة لقيت واحدة في الأربعينيات، اسمها سماح، وقفت في وشنا وقطعت الطريق بغشومية وقالت بصوت عالي: “على فين يا جماعة؟! هو احنا بقالنا ساعة واقفين في الطابور عشان حضراتكم تدخلوا على الجاهز؟!”

حاولت أكلمها بذوق وأقولها إن موظف المول هو اللي وجهنا هنا، بس سماح مكنش فارق معها تسمع أصلاً. بصت لأمي من فوق لتحت بقرف وقالت: “مش شايفاها تعبانة يعني ولا فيها حاجة تمنعها!” وشات برجلها ناحية رجلين أمي وقالت: “ما هي البلد مليانة ناس بتمثل العجز عشان تاخد معاملة خاصة وتتهرب من الطابور!”

الناس التفتت علينا والزحمة زادت، وأمي بصت في إيديها بحرج شديد وقالت بصوت مكسور: “معليش يا بنتي، إحنا مش جايين نعمل مشاكل.” بس سماح كملت قلة أدب، وخطت خطوة وراحت خابطة كرسي أمي برجلها خبطة جامدة هزت الكرسي لقدام بعنف. أمي اتفزعت وشهقت من الخضة، وأنا جريت مسكت مقبض الكرسي بسرعة وثبته وأنا بصرخ في وش الست: “إنتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة؟! ابعدي عن أمي وما تلمسهاش تاني!”

صوتنا جاب أمن المول اللي كانوا بيجروا علينا عشان يلحقوا الموقف. بس قبل ما يوصلوا، أمي رفعت إيدها بهدوء وقالت بصوت ثابت هزنا كلنا: “استنى يا أحمد يا ابني.. ثواني.” وبعدين دخلت إيديها جوه جيب الجاكيت الصوف اللي لابهاه، وطلعت بحذر شديد علبة جلدية صغيرة قديمة أوي ومتهالكة كأنها من ريحة الحبايب ومن زمن تاني خالص.

سماح ضحكت بسخرية مستفزة وقالت: “يا سلام! هو ده بقى السحر اللي هتبرري بيه؟!” أمي مردتش عليها بكلمة واحدة، ومسكت العلبة بكلتا إيديها اللي كانوا بيرجفوا بخفة. في اللحظة دي وصل فرد الأمن وقال: “يا حاجة، ممكن أعرف إيه اللي في العلبة دي؟” أمي بصتله بنظرة عميقة ومطولة، وبعدين فتحت قفل العلبة ببطء ورهبة شديدة.

أنا انحنيت قدامها عشان أشوف إيه اللي جوه، بس قبل ما الحق ألمح أي حاجة، حصلت مفاجأة صدمت الكل. سماح اللي كانت لسة حالا بتزعق ومليا المكان صوت.. وشها اتقلب وبقى أبيض كالميت! عينيها جحظت وبصت جوه العلبة كأنها شافت عفريت قدامها. سقط فكها من الرعب وقالت بصوت مرعب: “يا نهار أبيض.. مستحيل!”

سلة المشتريات فلتت من إيديها ووقعت على الأرض بصوت عالي كسر الدنيا، وتناثرت الحاجات اللي فيها في كل حتة. وبعدها رجلها شالوها وفقدت القدرة على الوقوف نهائياً.. وانهارت مغمى عليها ووقعت على الأرض جنب الطابور تماماً! الناس صرخت ورجعت لوراء بخضة، وأمن المول جروا عليها يلحقوها ويطلبوا الإسعاف.

وأنا واقف جنب كرسي أمي في حالة صدمة مش عارف أنطق، فجأة.. موسيقى المول اتقطعت، واشتغل صوت الإذاعة الداخلية للمول بصوت مسؤول جاد ومليان توتر: “تنبيه هام لكل أمن وموظفي المول.. قفل كل الأبواب الرئيسية والمخارج حالاً.. ممنوع أي مخلوق يخرج برة!”

بصيت للست اللي واقعة في الأرض، وبعدين بصيت برعب للعلبة الجلدية القديمة اللي أمي لسة ماسكاها في إيدها كأنها بتحمي سر بيموت. وقتها بس حسيت إن اللي حصل ده مجرد قمة الإيسبرج، وإن وراء الكرسي والعلبة دي أسرار ومرعبة إحنا منعرفش عنها أي حاجة خالص!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى