
مديت إيدي بتردد ومسكت الموبايل، وفتحت الخط وأنا حاسس إن ريق ناشف. صوت جاد وخشن، واضح عليه الرتبة العالية، جه من الناحية التانية:
“مع حضرتك اللواء طارق من جهاز المتابعة الخاصة.. إنت فين يا أحمد إنت والوالدة؟!”
بصيت لأمي اللي كانت قاعدة على الكرسي وبتبصلي بثبات تام، ورديت بصوت مرتبك: “إحنا.. إحنا في البيت يا فندم.. اللي حصل في المول…”
قاطعني اللواء طارق بنبرة حازمة: “عارف كل اللي حصل.. وسماح بنت رفعت محتجزة حالياً في مستشفى تحت حراسة خاصة، وغرفة التحكم في المول بعتت لنا الإشارة فوراً أول ما الحاجة فاطمة فتحت العلبة. المستندات اللي معاكم دي بتفتح ملفات ناس كبار أوي.. ناس كانت فاكرين إن القضية اتدفنت من ست سنين للابد!”
سألت بصوت مرتعش: “وطالبين مننا إيه يا فندم؟ أمي في خطر؟”
رد اللواء طارق بسرعة: “خطر جداً.. رجالة رفعت ودراعاته اليمين كانوا بيدوروا عليها من سنين، ودلوقتي بعد ما ظهرت واتحركت الإشارة الأمنية، البيت بتاعكم مش آمن دقيقة واحدة. اقفلوا الأبواب كويس، وخليكم قاعدين في مكانكم، خمس دقايق بالظبط وتشكيل أمني هيكون عند باب شقتكم عشان ينقلكم لمكان آمن تماماً.”
قبل ما ألحق أرد، قفل المكالمة.
بصيت لأمي وقولت بصوت كله قلق: “بيقول إن البيت مراقب، وإن في قوة أمنية جايانا هنا حالا عشان تنقلنا لمكان آمن، وإن رجالة رفعت ممكن يتحركوا في أي لحظة!”
أمي ابتسمت ابتسامة هادئة وخفيفة، وطلعت العلبة الجلدية من جيبها وحطتها على ترابيزة الصالة وقالت: “خليها جنبك يا أحمد.. وأخيراً جه اليوم اللي الحق هيظهر فيه للنور، ومبقاش فيه خضّة أو خوف.. رفعت وباقي الشلة بتاعتهم استمتعوا بسنين طويلة من الظلم، لكن الحساب بدأ النهاردة، وبإذن الله مش هنسيب حقنا.”
لسة بقولها تمام، ولقينا صوت عربيات صالون سوداء بتوقف تحت البيت بسرعة، وبصيت من البلكونة لقيت ظباط بزيّ رسمي ورجالة أمن بيحاصروا العمارة من تحت، وبيدقوا جرس الباب بهدوء بس بإصرار…
فتحت الباب، ولقيت اللواء طارق بنفسه واقف قدامي ومعاه فريق أمن كامل، وبص لأمي باحترام شديد وقال: “أهلاً بيكي يا فندم.. نورتِ بيتك الحقيقي، وجه الوقت عشان نرجع الحق لأصحابه.”
دخل اللواء طارق الشقة بخطوات واسعة وواثقة، وعيناه مفعمة بتقدير واهتمام بالغين تجاه أمي. انحنى باحترام وقال بصوت يملؤه الجدية: “الحمد لله على سلامتك يا فندم، تعبنا سنين طويلة وإحنا بندور على الأثر ده، وحضرتك جيبتيه لحد عندنا وبنفسك.”
أمي هزت رأسها بهدوء، ومدت إيدها بالعلبة الجلدية وقالت بصوت ثابت: “المستندات دي مش بس حقي يا طارق بيه، دي حقوق ناس كتير اتظلمت وناس راحت ضحية طشعهم.. رفعت ورجالته لعبوها صح سنين، بس نسوا إن العدل الإلهي ملوش معاد محدد.”
أخد اللواء طارق العلبة بحرص شديد، وفتحها ببطء ليلقي نظرة سريعة على المستندات والأختام الأصلية، وظهرت على وجهه ابتسامة ارتياح ونصر. لف وشّه للفريق الأمني اللي معاه وقال بحزم: “تأمين كامل للمكان، وتجهيز عربيات الترحيلات فوراً، والتحفظ على كل كاميرات المول والمستندات الرقمية اللي تخص واقعة النهارده.”
بص لي طارق بيه وقال بطمأنة: “متخافش يا أحمد، الوالدة في أمان تام، ومحدش هيقدر يلمس منها شعرة.. الملفات دي كفيلة تقفل السِتارة نهائياً على كل عصابة رفعت.”
أما أنا، فوقفت باصص لأمي وهي بتتحرك بالكرسي بتاعي وبتاعها مع القوة الأمنية، وحاسس إن همّ كبير اتقلع من على قلبنا. الست اللي بدأت الخناقة في المول عشان “طابور الدفع”، مكنتش تعرف إنها بتفتح أبواب جهنم على أبوها وفاسدين الدولة كلهم، وإن صدفة صغيرة في “ممر كبار السن” هتهد إمبراطورية فساد كاملة اتبنت على ظلم الناس.
ركبنا عربيات الأمن، وفي طريقنا للمكان الآمن، بصيت لشوارع القاهرة وهي منورة، وحسيت إن النهار اللي طالع بكرة هيكون أبيض ونضيف بجد، وإن حق أمي وكل مظلوم راجع لا محالة.
#حكايات_شروق_خالد
دخلنا أنا وأمي مقر جهاز المتابعة الخاصة، المكان كان هادئاً بشكل مرعب، يغلب عليه الطابع الرسمي والأمني الصارم. دخلنا مكتب اللواء طارق، اللي طلب لينا قهوة ومشروبات دافئة عشان نهدي أعصابنا، وقعد قدامنا وهو حاطط العلبة الجلدية قدامه على المكتب.
قال بصوت هادئ: “أولاً، أحب اطمنكم.. سماح دلوقتي في المستشفى تحت حراسة مشددة، فاقت وعيطت كتير لما عرفت إن الملفات وقعت في إيدينا، وبدأت تتكلم وتعترف بأسماء ناس تانية مشاركة في شبكة الفساد.. وأبوها، اللواء المعاش رفعت، اتقبض عليه من ساعتين في بيته وهو بيحاول يحرق باقي المستندات!”
أمي تنفست الصعداء، وقالت بنبرة فيها راحة سنين: “الحمد لله.. يعني كدة الكابوس خلص يا طارق بيه؟”
رد اللواء طارق بابتسامة تقدير: “خلص بالنسبة لينا يا فندم، وبدأ ليهم.. المستندات دي فيها إدانات موثقة بالصوت والصورة والأختام الرسمية لأكبر قضايا إهدار مال عام واستغلال لفوائد الدولة في العشر سنين اللي فاتوا. حضرتك مش بس جبتي حقك، حضرتك أنقذتِ بلد بحالها من ناس كانت بايعة ضميرها.”
بعد ساعات، بدأ التحقيق الرسمي وسجلوا أقوالي وأقوال أمي كشهود رئيسيين وكمجني عليهم في قضية الشروع في الاغتيال القديمة وقضايا الفساد الكبرى. ولما خلصنا، جه ظابط شاب ومعاه عربية مجهزة خصيصاً عشان توصلنا لبيتنا في حراسة أمنية مشددة تضمن سلامتنا تماماً لحد ما تبدأ محاكمة رفعت وعصابته.
رجعنا الشتا كان بدأ يهدي، ودخلنا بيتنا اللي بقى ليه طعم تاني خالص.. طعم الأمان اللي افتقدناه ست سنين.
أمي دخلت أوضتها، وقفت قدام الشباك وبصت للسماء بابتسامة هادئة، وقالت لي بصوت دافي: “تعال يا أحمد.. حقنا رجع، وكل خوف السنين دي طار مع الهوا.. بكرة تفتح المحل بتاعك وأنت رافع راسك لفوق، ومحدش هيقدر يجرؤ يبص لنا بنظرة وحشة أبداً.”
قربت منها وحضنتها جامد، وحسيت ساعتها إن الكرسي المتحرك ده مكانش علامة ضعف أبداً، ده كان كرسي ملكة حاربت لوحدها عشان ترجع الحق لأصحابه.. ونهاية الحكاية ما كانتش في المول، دي كانت بداية جديدة لحياة نضيفة وخالية من الخوف.
كرسي الملكة
#حكايات_شروق_خالد




