
اشتغل ٢٨ يوم في منصة بترول بالخليج، وجيت راجع البيت بدري بأسبوعين.. لقيت ابني اللي عنده ٨ سنين واقف على كرسي قدام البوتاجاز الساعة ١٠ بالليل، عمال يطبخ العشا لعيال واحد تاني. ودراعه الشمال ملفوف بلزق فضي من رسغه لحد كوعه. بص لي وقال بصوت واطي: “متتعصبش يا بابا.
. تروي بيقول لو العشا اتأخر، هنام في الكوخ اللي بره.”٢٨ يوم شغل.. ٢٨ يوم إجازة. دي عيشة عمال المنصات. الشغلانة دي فلوسها حلوة.. هي اللي جابت بيتنا اللي بره لافاييت في لويزيانا، وهي اللي جابت عربية مراتي، وعلاج التخاطب لابني، والمرجيحة اللي عملتها في الجنينة بإيدي.
إيلي ابني.. عنده ٨ سنين. جسمه رفيع وصغير على سنّه وخجول مع الناس الغريبة، بس معايا أنا مبيسكتش كلام خالص. كل ليلة أكون فيها في الشغل، بنعمل فيديو كال على الفيس تايم الساعة سبعة بالظبط؛ يحكي لي عن المدرسة، عن السحلية بتاعته، وعن البيت الصغير اللي بيبنيه تحت البلكونة.
بس آخر شهر، المكالمات بقت تقصر وتخلص بسرعة. شانون مراتي كانت بتقول وهي ماسكة الموبايل: “تعبان.. نام خلاص.”الساعة سبعة بالليل؟”العيال بتكبر يا كول.. وهو كويس، بطل قلق.”وبعدين جه إنذار إعصار وقفل المنصة، ونزلونا بطيارة هليكوبتر بدري بأسبوعين. متصلش أقولهم إني جاي.
. كنت عايز أعملها مفاجأة لأبني. وصلت البيت الساعة ١٠ إلا دقيقة. لقيت عربية نقل عالية مش بتاعتي راكنة في مكاني، وعجلها كله طين. باب البيت كان مردود ومفتوح. التلفزيون صوته عالي على ماتش كورة، وفيه ولدين أول مرة أشوفهم، شكلهم كده عندي ١٠ و١٢ سنة، نايمين على الكانبة وعمالين ياكلوا في مقرمشات.
وفي راجل غريب نايم على الكرسي الهزاز بتاعه، جزمته في رجله، وماسك إزازة بيرة في إيده. وفي المطبخ.. واقف على كرسي عشان طايل البوتاجاز.. ابني. كان بيقلب حلة مكرونة سريعة، ولبس المدرسة متبهدل، وشعره متسيب من أسابيع. ودراعه الشمال ملفوف بشريط لحام فضي من رسغه لحد كوعه.
“إيلي.”لف بسرعة لدرجة إن الكرسي كان هيتقلب بيه. لثانية واحدة.. وشّه نوّر من الفرحة. وبعدين اتملى خوف ومرعب.”بابا.. إنت مش المفروض تيجي دلوقتي!”شيلته من على الكرسي وحضنته.. كان خفيف قوي، أخف بكتير من يوم ما سافرت.”إيه اللي حصل في دراعك يا حبيبي؟
“بص وراء كتفي للراجل اللي نايم جوه.”اتحرقت.. بس عادي، حطيت لزق.””مين اللي حرقك؟”مرضيش ينطق. وقال بسرعة وكأنه مرعوب: “متتعصبش يا بابا.. تروي بيقول لو العشا اتأخر، هنام في الصندرة.”الصندرة..الأوضة اللي من غير شبابيك ولا نور، اللي بنيتها أصلاً عشان أحط فيها جزازة العشب من المطر!
الراجل اللي على الكرسي صحي. بص لي وبعدين بص لإيلي وهو في حضني، وقام بتمطيط وبطء. راجل ضخم، رقبته كلها وشم، ومن غير قميص. وقال: “أنت غالباً كول.. أنا تروي، صاحب شانون.””فين مراتي؟””في الكازينو في كوشاتا، سهرة بنات.” وضحك ببرود: “لازم حد يخلي باله من العيال وهي بتستجم.
الواد ابنك ده طري وطري، بيعيط على أي حاجة.”عياله ضحكوا من على الكانبة. الولد الكبير قال: “بيعيط زي البيبي.. بابا بيخليه ينام في الصندرة كل يوم ثلاث.”تروي هز كتافه: “بيعمله راجل.. أبويا كان بيعمل فيا أكتر من كده.”نزلت إيلي ورا ضهري.
كل قطرة دم في جسمي كانت عايزة تكسر عظم تروي ده في الحائط. بس إيلي كان بيرجف في إيدي، وأنا اتعلمت هناك في المنصة إن الصوت العالي معناه إن الواحد مش مسيطر. قلت بهدوء تام: “تمام.. شكراً إنك خليت بالك منه.”تروي ابتسم.. كان فاكرني خفت وضعيف.
شانون رجعت البيت الساعة ١ بالليل، وريحتها سجاير وبرفان رخيص. شافتني قاعد على ترابيزة المطبخ واتجمدت في مكانها.”كول.. جيت بدري ليه؟””مين تروي ده؟”رفعت دقنها وقالت بتحدي: “واحد موجود بجد لما إنت مش موجود.. إنت غايب نص السنة، مش من حقك تيجي تحاسبني.
وبعدين بصت على دراع إيلي ورفعت حاجبها بملل.”مسك يد الطاسة وهو غبي.. ابنك طول عمره ألعوب.”الصبح بدري.. وهي لسه نايمة شانون، دخلت دولاب مكتبي القديم بدور على شاش وبلاستر. لقيت موبايلي القديم هناك..
الموبايل اللي سبته لما جبت واحد جديد للشغل، ومكنش فيه شريحة أصلاً (ولا بيكلم حد ولا بيبعت).بس لقيته لسه بشحنه. فتحت الشاشة، لقيت ملاحظة واحدة متسجلة في تطبيق Notes.. عنوانها: “لأبي.”٢٦ رسالة.. كلهم مكتوبين لي أنا.
ومفيش ولا واحدة اتبعتت، عشان الموبايل مكنش عليه شبكة أصلاً. أول رسالة كانت بتقول:”اليوم الأول.. ازيك يا بابا، أنا بكتب لك كل ليلة زي ما قلت لي.. أنا كويس.”نزلت بصباعي لحد آخر رسالة.. اللي اتكتبت قبل ما أنزل البيت بيومين بس.
قريتها وأنا واقف جوه ريحة هدومي القديمة في الدولاب. ودراعاتي الاتنين بدات ترجف جامد. قريت الرسالة اللي بعدها..”اليوم التاني.. تروي جه قعد معانا. جاب معاه الولاد بتوعه. بيقول إن الشنطة بتاعتي كبيرة على اللبس بتاعي، وخدها للولد الكبير.
بابا، أنا مش عارف أنام كويس، السرير بينشف من الدموع. بس أنا شاطر ومش بعيط لما بكلمك.”قلبت الصفحة..”اليوم العاشر.. بابا، ماما اتعصبت مني عشان الكرسي اتزحلق. تروي قالي لو مش عارف تساعد في البيت، يبقى مكانك بره.
نمت امبارح في الصندرة.. كانت ظلام خالص وفيه فار عدى من جنب رجلي. بحبك يا بابا، ارجع بالسلامة.””اليوم التمناتاشر.. دراعي اتعور من مية المكرونة المغلية. ماما قالت متقولش لك حاجة عشان متقلقش وتعرف تخلص شغل.
تروي حط لي لزق كتير.. بيلزق في الجلد وبيوجع أوي لما بشيله. نفسي تخلص الشغل وتجيلي.””اليوم التلاتة وعشرين.. بابا، أنا خايف. تروي كسر لعبة الديناصور اللي جبتها لي عيد ميلادي عشان بيقول بتعمل صوت يصدع دماغه. ماما كانت قاعدة بتتفرج ومبتتكلمش. هو إحنا ليه مكناش قاعدين لوحدنا؟
“”اليوم الساتة وعشرين.. بكرة تخلص الشغل يا بابا صح؟ أنا واقف بستناك عند الباب من الصبح. مش قادر أكمل كلام.. إيدي بتوجعني أوي ومش عارف أحرك صوابعي عشان اللزق ناشف زي الحديد. وحشتني يا بابا.. تعالي خدني من هنا.
“خلصت كلام آخر رسالة، ولقيت الدموع نازلة على خدي من غير ما أحس. الصمت كان مالي البيت كله حواليا.. برة في الصالة، تروي وشانون كانوا نايمين، ومش حاسين بحاجة خالص. قفلت التليفون وحطيته في جيبي بهدوء. فتحت باب الدولاب وطلعت براحة عشان مميزش صوت. دخلت أوضة إيلي..
كان نايم على طرف السرير، لابس التيشيرت المتبهدل، ودراعه الملفوف باللزق محطوط على المخدة، وشه كان مخطوف وبأين عليه التعب والوجع حتى وهو نايم. قعدت جنبه على السرير ونزلت لمستوى ودنه. حطيت إيدي تحت راسه بحذر شديد عشان ميفززش، وشيلته من على السرير وهو نايم في حضني.
فتح عينيه نص فتحة وبص لي بصوت كله نوم وخوف: “بابا؟””أنا معاك يا حبيبي.. مش هسيبك.”خرجت بيه من الاوضة دي خالص، مشيت على طريقي للباب المفتوح، وطلعت بره البيت في هواء الليل. حطيته في الكنبة ورا عربيتي البك أب.. وقعدته جنبه.”رايح فين يا بابا؟
” سألني بصوت مكسور وهو بيمسح عينيه. بصيت لبيتي.. وللصندرة اللي هناك دي.. وللعربية المرفوعة بتاعة الكائن ده اللي راكنة قدام الباب. فتحت باب العربية وركبت وراء السكينة.. دورت الموتور وطلعنا على الطريق، أبعد ما يكون عن البيت ده، وعن أي حد ممكن ياذي ابني تاني.#حكايات_شروق_خالد




