
قبل فرحي بيومين، والدي بلغني إنه سلّمني لعيلة من أخطر العائلات في مصر، وإن رفضي للجواز هيخليني أخسر كل حاجة. لكن الصدمة الحقيقية كانت ليلة فرحي، لما الراجل اللي كان مقتنع من البداية إني بنت مدللة ومتهورة وعايشة حياتي في الحفلات، اكتشف السر الوحيد اللي محدش يعرفه: إني عمري ما سمحت لراجل يلمسني.
بدأ صباح الخميس زي أي يوم عادي في شقتي في الزمالك. كان عندي امتحان في كلية الحقوق الساعة الحادية عشرة، ولسه ورايا بحث متأخر لازم أخلصه، لما البواب اتصل وقال:
«آنسة ليان، عربية والد حضرتك مستنياكي تحت.»
والدي عمره ما بعتلي عربية في صباح يوم دراسي. بابا، كمال الشناوي، كان رجل أعمال كبير ومعروف في القاهرة، ووجوده في حياتي عادةً كان بيقتصر على عشا يوم الجمعة أو مكالمة سريعة بين اجتماعاته، مش إنه يطلبني الساعة 7:40 الصبح قبل امتحاني.
لما وصلت مكتبه في وسط القاهرة، لقيته واقف قدام مكتبه، ماسك ظرف مقفول بالشمع الأحمر، وعليه حرف «م» بارز. إيديه كانت بتترعش.
قال بصوت خافت:
«أنا توصلت لاتفاق مع عيلة المنصوري.»
كل الناس اللي في دايرتنا كانوا يعرفوا الاسم ده، حتى لو أصحاب العقل كانوا بيتجنبوا ينطقوه بصوت عالي. عيلة المنصوري كانت من أقوى وأخطر العائلات في مصر، وليها نفوذ واسع في القاهرة والصعيد، والناس كانت بتفضل تبعد عن طريقهم بدل ما تدخل معاهم في أي صراع.
بصيت له باستغراب.
«اتفاق إيه؟»
رفع عينيه لي وقال:
«جواز.»
ضحكت، لأن البديل كان إني أصرخ.
«مع مين؟»
صوته خرج بصعوبة:
«سليم المنصوري.»
معدتي اتقبضت.
«إمتى؟»
«السبت.»
اتجمدت مكاني.
يومين.
بس يومين.
«أنا مش هعمل كده.»
«هتعملي.»
وقفت وأنا مصممة أمشي، لكنه ضرب كف إيده على المكتب بعنف لدرجة إن فنجان القهوة اهتز.
«لو رفضتي، هضطر أحرمك من كل حاجة.»
بصيت له بصدمة.
«إنت بتهددني؟»
«أنا بحميكي.»
لكن ولا حاجة في وشه كانت بتقول كده.
كان مرهقًا.
خايفًا.
ويائسًا تقريبًا.
ولما أجبرته يبص في عيني، شفت إن عينيه كانت حمرا.
قال بصوت مكسور:
«أنا بحبك.»
رديت وأنا حاسة إن قلبي بيتكسر:
«صدقني… أنا كنت زمان بصدق ده.»
خرجت قبل ما يشوف دموعي.
صاحبتي المقربة مريم كانت مستنياني قدام شقتي ومعاها قهوتين مثلجة. أول ما قلت لها إني هتجوز سليم المنصوري، سكتت تمامًا.
وبعدين حضنتني بكل قوتها وهمست:
«اهربي.»
بعدت عني وبصت في عيني.
«هنلاقي حل. أي حل.»
لكن الخوف اللي شفته في عيني أبويا ما قدرتش أنساه.
كان فيه حاجة هو مخبيها عني.
وحاجة أكبر بكتير من الفلوس.
بحلول يوم الجمعة، فستان فرحي وصل من غير ما حد يسألني حتى عن مقاسي.
ساتان عاجي ثقيل.
وأول ما لبسته، لقيته مناسب لجسمي بشكل مثالي.
وده معناه إن ناس تابعين لعيلة المنصوري كانوا عارفين مقاسي بالضبط.
الحقيقة دي خوفتني أكتر مما كنت عايزة أعترف.
فوقتها وعدت نفسي بحاجة واحدة:
مهما كان سليم المنصوري، ومهما كان فاكر عني إيه، عمره ما هيشوفني بتوسل.
وصل السبت تحت سماء زرقاء جميلة بشكل مستفز.
والدي دخل بيا قاعة زفاف فخمة في القاهرة محاطة بعربيات سوداء، وحراسة مشددة، ورجالة كانت عيونهم بتتحرك باستمرار وكأنهم مستنيين هجوم في أي لحظة.
وبعدين بدأت موسيقى الزفاف.
رفعت عيني ناحية آخر القاعة…
واتحبس نفسي.
سليم ما كانش الراجل العجوز اللي تخيلته، اللي قضى عمره كله في عالم الجريمة وبقى بيعتمد على الصبر.
كان لسه في أوائل الثلاثينات.
طويل.
عريض الكتفين.
لابس بدلة سوداء متفصلة عليه بدقة، وشعره الأسود مصفف للخلف.
لكن أكتر حاجة خوفتني فيه كانت هدوءه.
هدوء راجل مش محتاج يرفع صوته عشان الناس تطيعه.
عيناه قابلت عيني.
مفيهاش أي دفء.
ولما والدي قرب بيا منه، سليم بصلي بنظرة باردة، كأنه كان بالفعل سمع كل الكلام عن بنت كمال الشناوي المدللة والمتهورة، وقرر من أول لحظة أنا أي نوع من النساء.
عند المأذون، والدي حط إيدي في إيده.
أصابع سليم قفلت على إيدي.
همس:
«إيدك بتترعش.»
قلت بسرعة:
«بردانة.»
بص ناحية التكييف اللي كان شغال على أعلى درجة.
وبعدين قال بسخرية:
«طبعًا.»
الكلمة البسيطة دي حرقتني.
هو فاكر إنه عرفني.
فاكر إن الصور اللي اتنشرت ليا في المناسبات والحفلات معناها إني متهورة في كل حاجة، حتى في علاقاتي بالرجالة.
لكن وهو واقف قدامي، وأنا لابسة فستان اختاره ناس غرباء، عرفت إن جوزي الجديد ما يعرفش عني أي حاجة.
ولا يعرف السر اللي عمري ما وثقت في حد كفاية عشان أقوله.
أنا عمري ما نمت مع راجل.
بعد ساعات، وبعد ما انتهى الفرح واختفى المدعوون، أخدني سليم لبيته الكبير في القاهرة، واللي كان محاطًا بحراسة على مدار الساعة.
دخل غرفة النوم وأغلق الباب خلفه.
صوت القفل وهو بيتحرك خلاني أرتجف.
خلع الجاكيت من غير ما يبصلي وقال ببرود:
«لازم نتفق على شوية قواعد للجواز ده.»
وقفت جنب السرير، بحاول بكل قوتي ما أبينش خوفي.
وبعدين سليم رفع عينيه ليا أخيرًا.
لكن أول ما شاف وشي…
تعبيره اتغير.
لأن في اللحظة دي، لأول مرة، بدأ يشك إن البنت اللي قدامه مش هي البنت اللي كان فاكر إنه اتجوزها.
حكايات شروق خالد
فضل سليم ساكت ثواني، وعينيه ثابتة على وشي.
أنا حاولت أهرب من نظراته، لكنه قال بهدوء:
«بصيلي.»
رفعت عيني له بالعافية.
«إنتِ خايفة مني؟»
بلعت ريقي.
«لأ.»
ابتسم ابتسامة صغيرة من غير أي فرحة.
«كدابة.»
اتوترت أكتر، فبعد خطوة عنه.
«أنا مش فاهمة إنت عايز إيه.»
حط الجاكيت على الكرسي، وبعدين وقف قدامي على مسافة بعيدة.
«عايز أفهم حاجة واحدة.»
سكت لحظة.
«إنتِ فعلًا زي ما أبوكي قال؟»
قطبت حاجبي.
«قال لك إيه؟»
ضحك بسخرية.
«إنك بنت مدللة، متهورة، بتحبي السهر والخروج، وإن الرجالة في حياتك كتير.»
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
«وأنت صدقته؟»
«كان عندي سبب.»
«إيه؟»
مد إيده ناحية موبايله، وفتحه على صور كانت منشورة على صفحات كتير.
صور ليا وأنا خارجة من مطعم.
صورة وأنا في حفلة مع صحابي.
صورة وأنا بضحك وسط مجموعة من الشباب.
بصيت للشاشة، وبعدين بصيت له.
«دي كل أدلتك؟»
«كانت كفاية.»
ضحكت بمرارة.
«إنت عارف إن الصورة ممكن تكذب؟»
«وعارف إن الناس ممكن تكذب أكتر.»
قرب خطوة.
«لكن أنا مش مهتم بالماضي.»
استغربت.
«أمال مهتم بإيه؟»
قال بهدوء:
«باللي هيحصل من دلوقتي.»
سكت، وبعدها أضاف:
«الجواز ده بدأ باتفاق بين عيلتين. أنا ما اخترتش الظروف، وإنتِ كمان ما اخترتيهاش.»
لأول مرة صوته كان خاليًا من القسوة.
«لكن طول ما إنتِ في بيتي، محدش هيقرب منك.»
رفعت حاجبي.
«حتى إنت؟»
سكت.
ثانية.
ثانيتين.
وبعدين قال:
«خصوصًا أنا.»
اتسعت عيناي من المفاجأة.
سألته:
«ليه؟»
«لأنك مراتي، مش ملكيتي.»
الكلمات دي لخبطتني.
كنت متوقعة تهديدًا.
أوامر.
سيطرة.
لكن مش ده.
سليم أشار ناحية باب صغير في آخر الغرفة.
«دي غرفة منفصلة. هتكون ليكي.»
مشيت ناحية الباب وفتحته.
لقيت غرفة نوم كاملة، هادية، فيها ملابس جديدة، ومكتبة، ومكتب صغير.
كل حاجة كانت متجهزة.
لفيت له ببطء.
«إنت كنت عارف إني هرفض أنام معاك؟»
«كنت متوقع.»
«ليه؟»
بصلي فترة طويلة.
«لأن الست اللي قابلتها النهارده ما كانتش شبه الست اللي سمعت عنها.»
قلبي دق بسرعة.
«إنت ما تعرفنيش.»
«لسه.»
قالها ببساطة.
«وعشان كده مش هحكم عليكي من أول ليلة.»
دخلت الغرفة وأنا مش عارفة أقول إيه.
قبل ما أقفل الباب، سمعته بيقول:
«ليان.»
بصيت له.
«نامي مطمنة.»
وبعدين خرج.
قفلت الباب وفضلت ضهري مسنود عليه.
لأول مرة من يومين، أخدت نفس كامل.
لكن الراحة ما استمرتش طويلًا.
في الساعة تلاتة الفجر، صحيت على صوت زعيق في الدور السفلي.
خرجت من غرفتي، ونزلت السلم بهدوء.
كان سليم واقف في الصالة، قدام تلاتة من رجاله.
واحد منهم قال:
«يا سليم باشا، الموضوع خرج عن السيطرة.»
«إزاي؟»
«العربية اللي كانت بتراقب البيت اختفت.»
سليم سكت.
«يعني إيه اختفت؟»
«من ساعتين.»
تغيرت ملامحه فورًا.
«مين كان جواها؟»
«رجالتنا.»
سليم بص ناحية الشبابيك، وبعدين رفع عينه للسلم.
وشافني.
تجمد مكانه.




