
“بعد ست أيام بالتمام والكمال من دفن جوزي، كنت واقفة في آخر الدولاب بتاع هدومه بقلّب في جلابية كتان قديمة من بتوعه، لما إيدي خبطت في حيطة… حيطة ما كانش ينفع أبداً تكون موجودة في المكان ده!
أنا ليلى، عندي ٦٣ سنة، مدرّسة طلعت على المعاش، وأرملة من أسبوع واحد بس.
جوزي الله يرحمه “محمود” بنى بيتنا العيلة ده بإيديه الاتنين على حتة أرض فدانين وشوية على أطراف المنيا.
ربينا هنا ولدين.
عملنا جنينة صغيرة قدام الباب.
وشوفنا ٣٨ صيف بيعدوا علينا وأحنا قاعدين سوا على نفس المصطبة الكبيرة اللي في الدوار.
والظاهر كده إن محمود كان شايل سر كبير أوي في عمق الدولاب بتاع أوضة النوم من غير ما أعرف.
بس أنا بسَبّق الأحداث…
أنا لازم أحكيلكم الأول الدنيا كانت ماشية إزاي قبل ما أكتشف الباب ده، لأن الباب ده غير كل حاجة، ولازم تفهموا اللي فات عشان تستوعبوا اللي حصل بعد كده.
محمود مات يوم الثلاث الصبح في شهر مارس.
قلبه وقف فجأة وهو معدي في الأرض ورايح ناحية الساقية.
كان عنده ٦٧ سنة، بس كان لسة طول بعرض وصحته شايلاه ويروح الغيط ويشيل ويحط عادي.
دكتور الصحة قال إنها جت بسرعة وما لحقش يتعذب.
قاللي إنه غالباً ما حسش بأي ألم… وأنا مسكت في الكلمة دي كأنها طوق نجاة بطمن بيه قلبي من ساعتها.
في العزا، ابني الكبير “حاتم” وقف قدام الناس وكان بيتكلم عن أبوه بكلام يوجع القلب.
حكى عن محمود وهو بيعلمه أصول الزراعة والمرمات في الغيط، وعن المرة اللي أخد فيها العربية وسافرله القاهرة ١١ ساعة رايح جاي عشان يساعده وهو ينقل في أول شقة يأجرها.
وعن محمود إنه كان يرد على التليفون من تاني رنة على طول، مهما كان مشغول أو وراه إيه.
أنا كنت قاعدة وسط الحريم وببكي بحرقة، ومصدقة كل كلمة بيقولها… لأني في اللحظة دي كنت لسة بصدق ابني وأمناله.
أما ابني الصغير “زياد”، فكان واقف جمبي طول الوقت.
زياد عنده ٣١ سنة، مش متجوز، وشغال مهندس مشاريع في شركة عقارات كبيرة في القاهرة.
كان ساكت طول العزا بس السكوت بتاعه ما كانش شكل واحد زعلان على أبوه.
أنا حسيت بالنغزة دي تحت حزني، زي ما بتحس إن الجو برد فجأة من غير ما تاخد بالك.
ما كانش بيعيط… كان بيفكر.
صاحبته “نهى” كانت جيا معاه من القاهرة.
لابسة طقم أسود شيك أوي وجزمة جلد بتلمع، وكانت واقفة بعيد شوية عن بقية العيلة، ماسكة التليفون وبتفر فيه بطرف عينها كل ما تحس إن محدش باصص عليها.
أنا مش ست قاسية ولا بحب أتكلم على حد بالباطل، بس الحق يقال… نهى كانت باصة لبيتنا ولأرضنا بنفس النظرة اللي بيَبص بيها المقاول لقطعة أرض فضة جاهزة للمباني.
لما الناس مشت والعزا خلص، كنت ماشية في البيت زي العروسة المولد، أسلّم وأحضن وأصب شاي للناس وأشكر اللي أجو.
كنت موجودة بجمسي بس عقلي طاير… هو الحزن التقيل بيعمل كده، بيقسم البنادم نصين.
على آخر النهار، سمعتهم بالصدفة.
كنت طالعة فوق أتوضا وأغسل وشي بماية ساقعة، وأنا راجعة في الطرقة رايحة ناحية السلم، سمعت صوت طالع من أوضة المكتب بتاعة محمود.
الباب كان موارب مش مقفول للآخر.
وسمعت صوت زياد واضح أوي… واطي، بس بيتكلم بتركيز وخبث.
كان بيتكلم في التليفون:
«موضوع تغيير صفة الأرض والتراخيص خلاص شبه خلصان يا باشا… الجماعة في المحافظة مرحبين جداً بالتوسع الجديد.
الشارع ده هو اللي هيفتح عليه الامتداد التجاري والسكني كله.
الفدانين دول في المكان ده يعملولهم رقم محترم، يخشولهم في بتاع ١٥ أو ٢٠ مليون مرتاح للمشتري الصح، وأنا معايا المشتري الجاهز.»
وقفت في الطرقة، وإيدي معلقة على درابزين السلم.
سمعته بيسأل اللي بيكلمه:
«طب وهنعمل إيه في موضوع الحجة؟»
سكت ثانية… وبعدين طلّع ضحكة مكتومة وسخة كده وقال:
«ما تقلقش منها خالص… مش هتعمل مشاكل.
هي اصلاً مش دارية بالدنيا ولا عارفة إحنا في شهر إيه دلوقتي!
قاعدة فوق تندب وتعيط على الهدوم.
عقبال ما تفوق وتفهم إيه اللي بيحصل قانوياً، هنكون خلصنا البيعة وقبضنا.»
سمرت في مكاني مش قادرة أتحرك.
وزياد كمل كلامه:
«أنا مظبط مع دكتور نفسي بيكتب تقارير القوى العقلية دي… اسمه دكتور رمزي.
إحنا متعودين نتعامل معاه في الحالات دي.
بياخد رقم كبير شوية بس منجز وبيخلص.
أول ما يطلع التقرير إن عندها تراجع عقلي أو عدم أهلية، هرفع قضية حجر في المحكمة على طول.
الموضوع كله مش هياخد أكتر من تلت أسايع ولا شهر بالكتير.»
جاني غثيان ووجع في بطني فوق ما حد يتخيل.
مسكت في درابزين السلم بآخري لدرجة إن الخشب علّم في كف إيدي.
ابني!
ابني الصغير… اللي سهرت بيه في القصب والحمى تأكله، اللي كنت بقوم أغطيه في الشتا لما يخاف من البرق وهو عنده ٩ سنين، اللي بعنا واداينا عشان ندفعله مصاريف كليته ونوقفه على رجليه في القاهرة!
الابن ده واقف في مكتب أبوه اللي لسة مدفون، وبيخطط عشان يحجر عليا ويطلعني مجنونة عشان يبيع البيت والأرض ويشردني!
ما طلعتش ولا صوت.
درت وشي، ومشيت بالراحة في الطرقة، ونزلت تحت للناس.
وبصيتلهم… وابتسمت.”
وقفت جوه الأوضة السرية وتحت إيدي المفتاح والملفات، وضربات قلبي كانت سريعة بس واثقة. صوت زياد وهو بينادي عليا اتعاد تاني وبره الطرقة:
«يا ماما! إنتِ فين يا ست الكل؟ الدكتور رمزي جه ومعاه الورق اللي اتفقنا عليه عشان نطمئن على صحتك!»
حطيت المفتاح في جيبي، ولميت بعض الأوراق المهمة وحطيتها تحت جلابيتي بسرعة، وبعدين زقيت باب الحيطة السري قفلته ورايا، وطلعت من الدولاب كأن مافيش حاجة حصلت.
فتحت باب أوضة النوم وطلعت على الطرقة وأنا واخدة نفسي بهدوء. لقيت زياد واقف في الصالة وجنبه راجل غريب بملامح باردة وماسك شنطة جلد، وشايف نهى واقفة في البلكونة بتشرب قهوة ومستنية المسرحية دي تخلص عشان تبارز على اللقمة الباردة.
بصلي زياد بابتسامة مصطنعة وقال بحنية مزيفة:
«أخيرًا يا ماما! تعالي، الدكتور رمزي جاي يطمن عليكِ وعلى الذاكرة وكده، عشان بعد اللي حصل في العزا نحب نتأكد إنك مرتاحة وكل أمورك تمام.»
بصيت لزياد وبصيت للكتور رمزي اللي فتح شنطته وطلع ورقة وقلم وقال بصوت هادي: «أهلاً بيكِ يا ست ليلى، اتفضلي اقعدي، أسئلة بسيطة خالص وهنخلص.»
قعدت على الكرسي الهزاز اللي كان بيفضله محمود، وشبكت إيدي في بعضها، وبصيت لزياد نظرة طويلة وباردة… نظرة خلت الابتسامة تتبخر من على وشّه فجأة.
قلت بصوت ثابت وصارم ما فيهوش نقطة ضعف واحدة:
«تطمئن عليا أنا يا زياد؟ ولا تطمئن على أرض أبوك اللي ناوي تبيعها لمشتري القاهرة بـ ٢٠ مليون من ورايا؟»
وش زياد جاب ألوان الطيف، واتبلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متهدج:
«إيه… إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا ماما؟ أرض إيه ومشتري إيه؟ أنتي أكيد مش في قمة تركيزك من الصدمة!»
وقفت من على الكرسي، وطلعت الورق اللي جبته من الأوضة السرية ورزعته على الترابيزة قدامه، وقلت بصوت عالي ملا البيت كله:
«الصدمة الحقيقية هي إن اللص اللي ربيته في بيتي طلع بياع أبوك من قبل ما ينشف ترابه، وناسي إن محمود سابلي مفتاح كل بلاويك، وإن اللي يقدر يضيعك في ثواني مش أنا… دي العدالة اللي هتبدأ دلوقتي حالا!»
#حكايات_شروق_خالدالدكتور رمزي بص للورق اللي على الترابيزة برعب، ولمّ شنطته في ثانية، وقال لزياد بصوت مرتعش: «أنا مش قد اللعبة دي يا مهندس زياد، إنت مفهمتنيش إن فيه ورق وشرطة ومحاكم!»، وجري على برا الباب من غير ما يبص وراه.


