روايات وقصص

خادمته كانت ترقص بقميصه سرًا حكايات شروق خالد

«إنتِ بتسرقي مني.» حطّت مريم الشاذلي فوطة التنظيف على الترابيزة، ولفّت ببطء، وبصّت في عيني أخطر راجل في القاهرة من غير ما ترمش. ما خافتش. وما اعتذرتش. قالت بثبات: «أنا مسرقتش حاجة. بس في حد سرق من البيت ده… ومش أنا.»

اتقدّم آسر المنشاوي خطوة ناحيتها.
وبصوت هادي، لكنه كان كفاية يخلي أي حد يرتجف، قال:
«أمال كنتِ بتعملي إيه في قاعة الرقص بتاعتي الساعة اتناشر بالليل؟»
الصمت اللي نزل بعدها كان أعلى من أي صوت سمعته مريم في حياتها.

آسر المنشاوي ما نامش بقاله أربع أيام.
ومش بسبب الشغل والاجتماعات اللي كانت مخلياه مسيطر على شركاته ومصالحه في القاهرة.
ومش بسبب الحروب اللي كانت بتحصل في الخفاء بين رجال الأعمال وتجار السلاح وأصحاب النفوذ، ولا بسبب الخلافات على الأراضي والفلوس والنفوذ اللي كانت بالنسبة لأي راجل تاني كفيلة إنها تضيّع نومه سنين.
ولا بسبب ألف سبب طبيعي ممكن يخلي راجل في مكانته يفضل صاحي وباصص للسقف الساعة تلاتة الفجر.
هو ما كانش قادر ينام لأن حد دخل مكتبه الخاص.
كان حاسس بده.
آسر عمره ما كان محتاج دليل عشان يعرف إن حاجة غلط حصلت.
كان بيحس بالتغيير في الهوا نفسه.
الراجل اللي قضى عشرين سنة بيبني أسوار حوالين حياته، ويتأكد إن محدش يقدر يقرب من أسراره، بيتعلم مع الوقت يلاحظ أبسط تفصيلة لما حد يخترق الحدود دي.
الإحساس ده هو اللي خلّاه عايش لحد دلوقتي.

والساعة القديمة كانت اختفت.
مش ساعة الرولكس البلاتين اللي كانت في علبتها فوق المكتب.
ولا الساعة الباتيك القديمة اللي تمنها كان يساوي ثروة بالنسبة لأي شخص عادي.
الاتنين كانوا مكانهم.
لامعين.
محدش لمسهم.
الساعة الوحيدة اللي اختفت كانت ساعة سيكو قديمة، إزازها مكسور، وسوارها الجلد بقاله سنين مستهلك.
ساعة ما بقتش بتظبط الوقت من أكتر من خمستاشر سنة.
من الناحية المادية، الساعة ما كانتش تساوي حاجة.
لكن بالنسبة لآسر…
كانت تساوي الدنيا كلها.
وقف قدام مكتبه، وبص للمكان الفاضي اللي كانت الساعة قاعدة فيه لمدة عشرين سنة.
ما كانش محتفظ بيها عشان تمنها.
كان محتفظ بيها لأن رميها كان هيحسسه إنه خان ذكرى شخص عمره ما قدر ينساه.
حس بغضب بارد بيتجمع جواه.
الغضب المرة دي ما كانش بسبب السرقة.
حد دخل مكتبه.
حد لمس حاجته.
وحد أخد الحاجة الوحيدة في البيت ده اللي مهما كان عنده فلوس… مش هيقدر يشتري بديل ليها.

الساعة ستة الصبح، آسر اتصل برئيس الأمن.
قال:
«عايز كاميرات.»
حسام رأفت، رئيس أمن قصر المنشاوي من أكتر من عشر سنين، سكت ثانيتين قبل ما يرد.
هو كان يعرف صوت آسر كويس.
ولما آسر يتكلم بالهدوء ده، يبقى الموضوع أخطر بكتير من لو كان بيزعق.
قال حسام:
«تكون موجودة قبل آخر اليوم.»
رد آسر فورًا:
«قبل الضهر.»

اتركبت الكاميرات قبل الساعة اتنين.
كاميرات صغيرة جدًا، مستخبية في أماكن محدش ممكن ياخد باله منها.
جوا أرفف الكتب.
ورا الساعات القديمة.
وجوا الزخارف الخشبية اللي فوق الأبواب.
آسر المنشاوي بنى إمبراطوريته كلها على قاعدة واحدة:
الثقة رفاهية هو ما يقدرش يتحملها.
اتعلم الدرس ده وهو صغير.
اتعلمه من شخص خسره.
ومن يومها، الخسارة دي أثرت في كل قرار أخده.

القصر كان فيه أربعة عشر موظف بيشتغلوا بشكل دائم.
كل واحد فيهم حسام كان فاحصه بنفسه.
تحريات عن الماضي.
سؤال عن كل وظيفة سابقة.
اتصالات بالمراجع.
واختبارات ولاء محدش فيهم كان يعرف عنها حاجة.
الشغل عند آسر كان مريح من ناحية الفلوس.
كان بيدفع لموظفيه أكتر من ضعف المرتبات العادية.
لكن في المقابل، كان عايز حاجة واحدة:
السرية.
لأن آسر كان فاهم إن أقرب الناس ليه…
هم نفس الناس اللي ممكن يكونوا أخطر ناس عليه.
كان بيثق في موظفيه قد ما يقدر يثق في أي حد.
يعني في الحقيقة…
ما كانش بيثق فيهم خالص.

أول تلات أيام من التسجيلات ما ظهرش فيها أي حاجة مفيدة.
الشيف كان بيتحرك في المطبخ بنظام شديد.
عمال الجنينة كانوا يدخلوا ويخرجوا من الباب الجانبي.
ومساعدة آسر كانت بتتنقل بين المكاتب بسرعة وتركيز.
ولا واحد فيهم دخل مكان مش مسموح له.
ولا واحد قرب من المكتب.
لحد ما الكاميرا سجلت شخص آسر ما كانش حاطه في حساباته.

مريم الشاذلي.
كانت بتشتغل في قصر المنشاوي بقالها تلاتة وعشرين يوم.
وصلت عن طريق شركة توظيف حسام كان بيتعامل معاها.
الخدامة القديمة اللي اشتغلت في القصر أربع سنين سابت الشغل فجأة عشان ظروف عائلية.
ومن يومها والبيت بدأ يفقد النظام اللي آسر كان متعود عليه.
حاجات بسيطة.
لكن آسر كان بيلاحظها.
مريم كانت مختلفة.
ملفاتها كانت نظيفة.
مراجعها كويسة.
عندها تسعة وعشرين سنة.
ما عندهاش أي سجل إجرامي.
وما كانش عليها مشاكل مالية غير الحاجات العادية اللي ممكن تحصل لأي إنسان.
أول يوم دخلت فيه القصر، كانت هادية جدًا.
مهنية.
ما بتتكلمش كتير.
وتعرف إزاي تعمل شغلها من غير ما تلفت الانتباه.

آسر قابلها مرة واحدة.
أربعين ثانية بالظبط.
سألها سؤالين عن خبرتها.
جاوبت بثبات.
وبعدها نسي وجودها تمامًا.
بالنسبة له، هي مجرد خدامة.
واحدة من أربعة عشر شخص بيتحركوا في البيت كل يوم.
جزء من الخلفية.
لحد ما الكاميرات بدأت تسجلها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى