
«بالضبط.»
نورهان تنفست ببطء.
«يبقى ما نروحش للفخ.»
نظر لها.
«إحنا؟»
«أيوه.»
«نورهان، الموضوع ده مش لعبة.»
«وأنا مش بلعب.»
صمت.
ثم قال:
«من النهارده، ما تتحركيش لوحدك.»
رفعت حاجبها.
«أمر؟»
«طلب.»
«فرق كبير.»
«طلب.»
ابتسمت.
«مقبول.»
—
رجعوا المطعم.
لكن ياسين لم يدخل من الباب الرئيسي.
ممدوح أول ما شافه عرف إن في حاجة حصلت.
«في إيه؟»
ياسين وضع الصورة أمامه.
ممدوح شافها.
وشه اتغير.
نورهان لاحظت.
«إنت تعرف حاجة؟»
«لا.»
ياسين قال:
«ممدوح.»
«والله ما أعرف.»
«بص في عيني.»
ممدوح رفع عينيه.
سكت.
ثواني.
ثم قال:
«في حاجة حصلت من تلات سنين.»
ياسين اتجمد.
«قول.»
ممدوح ابتلع ريقه.
«قبل حادث مالك بأسبوع، كان في راجل بييجي المطعم ويسأل عنك.»
«مين؟»
«ما أعرفش اسمه.»
«شكله؟»
«طويل. شعره أبيض من الجانبين. وكان بيلبس خاتم أسود.»
ياسين سكت.
نورهان قالت:
«الخاتم عليه إيه؟»
ممدوح رفع يده ورسم دائرة في الهواء.
«علامة شبه عقرب.»
تغير وجه ياسين.
«جابر.»
نورهان بصت له.
«مين جابر؟»
«أخو أبو مالك.»
ممدوح هز رأسه.
«كان بينكم خلاف؟»
«مش خلاف.»
صمت.
«كان عايز يشتغل معايا.»
«وإنت رفضت؟»
«رفضت.»
«ليه؟»
ياسين نظر إليها.
«لأنه كان بيبيع أسراره للناس اللي بيدفعوا أكتر.»
نورهان قالت:
«وممكن يكون هو اللي قتل مالك؟»
«ممكن.»
لكن ممدوح تدخل.
«لا.»
ياسين لف له.
«ليه؟»
«لأن جابر مات.»
الصمت وقع على المكان.
«إمتى؟»
«من سنتين.»
نورهان همست:
«يبقى مين اللي بيسأل عنك؟»
لم يجب أحد.
—
في نفس الليلة، رجع ياسين إلى الفيلا.
دخل مكتبه.
فتح درجًا قديمًا لم يفتحه منذ سنوات.
طلع منه صندوق خشبي صغير.
فتحه.
صورة مالك.
ولد صغير بابتسامة واسعة.
ياسين مرر إصبعه على الصورة.
«سامحني يا ابني.»
خلفه، جاء صوت رجله:
«ياسين.»
أغلق الصندوق فورًا.
«قول.»
«لقينا حاجة في تسجيلات المطعم.»
أخرج جهازًا لوحيًا.
«كاميرا الشارع صورت العربية اللي كانت بتراقب نورهان.»
عرض التسجيل.
ياسين ركز.
العربية ظهرت.
ثم توقفت.
بابها اتفتح.
خرج رجل.
ياسين قرب الشاشة.
ثم تجمد.
«وقف.»
الرجل وقف.
ياسين قال:
«كبر الصورة.»
كبرها.
ملامح الرجل ظهرت بشكل أوضح.
نورهان كانت واقفة خلفه.
«تعرفه؟»
ياسين لم يرد.
«ياسين؟»
قال بصوت منخفض:
«ده كان سواق مالك.»
نورهان شهقت.
«بس قلت إن السواق مات.»
«أيوه.»
«إذن مين ده؟»
ياسين ظل ينظر للشاشة.
ثم قال:
«السؤال مش مين ده.»
التفت إليها.
«السؤال هو… ليه عاش كل السنين دي وهو ساكت؟»
—
في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، رن هاتف نورهان.
رقم مجهول.
لم ترد.
رن مرة ثانية.
ثم رسالة:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة عن مالك، تعالي لوحدك.»
وبعدها عنوان.
مكان مهجور على أطراف الإسكندرية.
نورهان قرأت الرسالة.
ثم أغلقت الهاتف.
بعد أقل من دقيقة، وصلتها صورة.
كانت صورة لياسين.
وهو نائم.
وفي الصورة، رجل واقف خلف باب غرفته.
تحتها:
«لو ما جيتيش خلال ساعة، الصورة الجاية مش هتكون لياسين وهو نايم.»
نورهان وقفت فجأة.
خرجت من غرفتها.
لكنها لم تعرف أن ياسين كان واقفًا في آخر الممر.
«رايحة فين؟»
تجمدت.
أخفت الهاتف خلف ظهرها.
«ولا حاجة.»
اقترب.
«وريني.»
«ياسين…»
«نورهان.»
صوته كان هادئًا.
لكنها عرفت إن الهدوء ده أخطر من الغضب.
مدت له الهاتف.
قرأ الرسالة.
وجهه تغير.
«إنتِ مش هتروحي.»
«هو هيأذيك.»
«وده سبب كافي إني أروح.»
«لأ.»
«يبقى نروح سوا.»
نظر إليها.
«لأ.»
«إنت قلت إننا هنواجه ده سوا.»
«قلت ما تتحركيش لوحدك.»
«وأنا مش هتحرك لوحدي.»
صمت.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
«هتحرك معاك.»
—
بعد أربعين دقيقة، توقفت عربية ياسين أمام مبنى مهجور.
المكان كان مظلمًا تمامًا.
نورهان نزلت.
«في حد هنا.»
ياسين رفع يده.
رجاله انتشروا حول المكان.
دخل هو ونورهان.
كان الصمت خانقًا.
وفجأة…
اشتغل جهاز عرض قديم.
ظهرت صورة على الحائط.
صورة مالك.
طفلًا.
ثم ظهرت صورة ثانية.
مالك في المدرسة.
ثم ثالثة.
مالك داخل العربية.
نورهان مسكت ذراع ياسين.
«ياسين…»
لكن الصورة الأخيرة ظهرت.
صورة التقطت قبل موت مالك بساعات.
وكان واقف بجانبه رجل.
ياسين اقترب من الحائط.
اتسعت عيناه.
«مستحيل.»
نورهان بصت للصورة.
«مين؟»
قال ياسين:
«أخويا.»
«إنت قلت إنه مات من سنتين.»
«أيوه.»
ثم اشتغل التسجيل.
وجاء صوت مالك نفسه:
«لو بابا شاف التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مت.»
تجمد ياسين.
صوت ابنه استمر:
«بابا… ما تثقش في أي حد حواليك.»
نورهان وضعت يدها على فمها.
ثم جاءت الجملة الأخيرة:
«خصوصًا الشخص اللي بيقول لك إنه كان بيحميني.»
انطفأت الشاشة.
وسمعوا صوت خطوات من خلفهم.
ياسين لف بسرعة.
ورفع سلاحه.
ظهر رجل في الظلام.
كان في منتصف الخمسينات.
شعره أبيض من الجانبين.
وفي إصبعه خاتم أسود عليه شكل عقرب.
ياسين شهق:
«جابر؟»
الرجل ابتسم.
«وحشتني يا ابن أخويا.»
ثم نظر إلى نورهان.
«ودي بقى… البنت اللي قدرت تعمل فيك اللي فشلنا نعمله تلات سنين.»
رفع ياسين سلاحه.
«إنت اللي قتلت مالك؟»
ابتسامة جابر اختفت.
«لأ.»
ثم قال:
«أنا حاولت أنقذه.»
وسكت لحظة.
«لكن اللي قتله… كان أقرب لك مني.»
انطلقت طلقة.
وانطفأت الأنوار.
حكايات شروق خالد
انطلقت الرصاصة في الظلام.
نورهان صرخت.
ياسين اندفع عليها فورًا وأسقطها أرضًا، بينما دوّى صوت إطلاق نار ثانٍ من ناحية أخرى.
«ما تتحركيش!»
«إنت كويس؟»
«أنا كويس.»
لكن صوته كان مختلفًا.
كان غاضبًا.
أضواء هواتف رجاله اشتغلت في نفس اللحظة.
جابر اختفى.
«فتشوا المكان!»
رجاله انتشروا في كل الاتجاهات.
نورهان قامت بسرعة.
«جابر فين؟»
ياسين لم يرد.
كان واقفًا أمام الحائط، وباصص للصورة الأخيرة.
صورة مالك.
اقترب منها.
كان في زاوية الصورة انعكاس لزجاج سيارة.
ياسين حدق فيه.
ثم قال:
«وقفوا.»
رجاله توقفوا.
«هاتوا الصورة دي.»
واحد منهم قرب.
«دي صورة قديمة.»
«أنا عارف.»
«بس إيه المهم فيها؟»
ياسين أشار إلى انعكاس الزجاج.
«العربية دي كانت عربيتي.»
نورهان قربت.
«عربيتك؟»
«أيوه.»
«يعني كنت موجود؟»
هز رأسه.
«لا.»
ثم سكت.
«لكن حد كان بيستخدمها.»
—
بعد نصف ساعة، رجعوا الفيلا.
نورهان كانت قاعدة في الصالة، وإيديها متشابكة.
ياسين كان واقف عند الشباك.
«إنت مصدق جابر؟»
«مش عارف.»
«قال إنه حاول ينقذ مالك.»
«ممكن يكون بيكدب.»
«بس عرف حاجات محدش يعرفها.»
ياسين التفت لها.
«جابر كان موجود وقت الحادث.»
«إزاي؟»
«لأن عنده تسجيلات.»
«يبقى لازم نلاقيه.»
«هنلاقيه.»
نورهان سكتت.
ثم قالت:
«ياسين.»
«نعم؟»
«أنا عايزة أسألك سؤال.»
«اسألي.»
«لو اكتشفت إن أقرب شخص ليك هو اللي خانك… هتعمل إيه؟»
ابتسم بسخرية.
«هعرفه الأول.»
«وبعدين؟»
«هخليه يتمنى إنه ما عرفنيش.»
نورهان بصت له طويلًا.
«أنا مش عايزاك تبقى الشخص اللي كنت عليه قبل مالك.»
سكت.
«ليه؟»
«لأن مالك لو كان عايز منك حاجة… أكيد ما كانش عايزك تتحول لوحش عشانه.»
الكلام دخل قلبه.
قرب منها.
«إنتِ ليه بتعرفي تقولي الكلام اللي محدش قدر يقولهولي؟»
ابتسمت.
«يمكن عشان أنا مش خايفة منك.»
«وده اللي مخوفني.»
«ليه؟»
«لأني لو خسرتك…»
سكت.
نورهان قالت:
«مش هتخسرني.»
نظر إليها.
وفي اللحظة دي، رن هاتفه.
فتح الخط.
جاء صوت رجله:
«ياسين، لقينا العربية.»
«فين؟»
«في جراج قديم عند الميناء.»
«والسواق؟»
«مش موجود.»
«فتشوا العربية.»
صمت الرجل لحظات.
ثم قال:
«لقينا حاجة.»
«إيه؟»
«شنطة.»
«افتحوها.»
صوت فتح السحاب جاء واضحًا.
ثم سكت الرجل.
«ياسين…»
«قول.»
«فيها صور.»
«صور إيه؟»
«صور نورهان.»
ياسين أغلق عينيه.
«هاتها فورًا.»
—
بعد عشر دقائق، وصلت الشنطة.
ياسين فتحها.
عشرات الصور.
نورهان في المطعم.
نورهان وهي بتشتري حاجات.
نورهان وهي بتضحك مع ممدوح.
نورهان عند باب شقتها.
ثم صورة جعلت الدم يهرب من وجه ياسين.
كانت نورهان نائمة.
والصورة متاخدة من داخل غرفتها.




