روايات وقصص

زعيم المافيا اللي فقد ابنه حكايات شروق خالد

في نفس اللحظة اللي وصلت فيها الرسالة لموبايل ياسين، كان واقف في مكتبه قدام الشباك الكبير، والمدينة كلها تحت رجليه.

قرأ الجملة مرة.

ثم مرة تانية.

«هي مش صدفة يا ياسين.»

شد على الموبايل في إيده.

مالك كان آخر شخص خاف عليه بالشكل ده.

ومن يوم موته، ياسين أقسم إنه مش هيسمح لنفسه يحب أو يتعلق بحد تاني.

لكن نورهان دخلت حياته من أوسع باب.

مش لأنها حاولت.

بالعكس.

هي الوحيدة اللي ما حاولتش.

ما خافتش منه.

ما اتملقتش له.

وما سألتوش عن فلوسه.

كانت بتبص له وكأنه مجرد رجل محتاج حد يفكره إنه لسه عايش.

رن هاتفه.

«قول.»

جاءه صوت رجله الأول:

«لقينا العربية.»

«فين؟»

«قدام بيت البنت.»

تجمد ياسين.

«والراجل؟»

«اختفى.»

«الكاميرات؟»

«اتمسحت.»

سكت ياسين ثواني.

ثم قال:

«أنا عايز أعرف مين الراجل ده قبل الفجر.»

«حاضر.»

«ولو حد قرب من البنت…»

توقف.

ثم قال بصوت منخفض:

«ما تستناش أمري.»

—

في صباح اليوم التالي، دخلت نورهان المطعم وهي بتضحك مع واحدة من العاملات.

كانت ماسكة كيس ورق.

ممدوح بص لها باستغراب.

«إيه ده؟»

«فطار.»

«إنتِ جايبة فطار؟»

«آه.»

«لمين؟»

رفعت الكيس.

«لضيفنا الكئيب.»

ممدوح اتنهد.

«نورهان، بالله عليكِ بطلي.»

«أبطل إيه؟»

«الراجل ده مش زي باقي الناس.»

«كل مرة تقول لي كده.»

«لأنك مش فاهمة.»

ابتسمت.

«يمكن.»

وفي اللحظة نفسها، دخل ياسين.

سكتت نورهان.

ثم ابتسمت.

«صباح الخير.»

ياسين نظر إليها.

«صباح الخير.»

رفعت الكيس.

«جبت لك حاجة.»

نظر إليه.

«إيه؟»

«فطار.»

«أنا ما طلبتش.»

«عارفة.»

«ليه؟»

هزت كتفها.

«عشان امبارح شكلك ما أكلتش كويس.»

ممدوح كان واقف بعيد، يتابع المشهد وكأنه بيتفرج على كارثة بتتكون قدامه ببطء.

ياسين أخذ الكيس.

فتح العلبة.

فول وبيض وجبن ورغيف عيش.

رفع عينيه لها.

«إنتِ بتطبخي؟»

«بعرف أعمل حاجات كتير.»

«زي إيه؟»

«أحرق المطبخ.»

ضحك.

ضحكة حقيقية المرة دي.

ممدوح كاد يقع.

نورهان ابتسمت.

«شايف؟»

«شايف إيه؟»

«رجعت تضحك.»

جلس ياسين.

«اقعدي.»

«عندي شغل.»

«ممدوح.»

ممدوح قال فورًا:

«روحي اقعدي يا نورهان.»

جلست وهي بتضحك.

لكن ياسين لم يكن يضحك هذه المرة.

كان يراقبها بعين مختلفة.

عين رجل بدأ يكتشف أنه مهتم.

وده كان أخطر شيء ممكن يحصل له.

—

بعد ساعة، خرجت نورهان من المطعم عشان تشتري حاجة من الصيدلية.

مشت في الشارع وهي بتتكلم في الهاتف.

«أيوه يا أمي، أنا كويسة.»

ضحكت.

«لا، مش راجعة أمريكا دلوقتي.»

توقفت عند إشارة المرور.

وفي اللحظة نفسها، اقترب منها رجل غريب.

«آنسة نورهان؟»

لفتت له.

«أيوه؟»

مد لها ظرفًا.

«ده ليكِ.»

«من مين؟»

«ما أعرفش.»

ثم مشى بسرعة.

نورهان بصت للظرف.

كان مكتوب عليه اسمها فقط.

فتحت الظرف.

جوا صورة.

الصورة كانت لها وهي قاعدة قدام ياسين في المطعم.

وفي ظهرها جملة:

«إنتِ ما تعرفيش إنتِ بتلعبي مع مين.»

اتسعت عيناها.

وقبل ما تستوعب، وصلتها رسالة على موبايلها.

رقم مجهول.

«لو بتحبيه، ابعدي عنه.»

نورهان قرأت الرسالة مرتين.

ثم رفعت عينيها.

في آخر الشارع، كانت نفس العربية السوداء موجودة.

تحركت فجأة.

نورهان اتراجعت خطوة.

وبدون تفكير، اتصلت بالرقم الوحيد اللي خطر في بالها.

ياسين.

رد من أول رنة.

«نورهان؟»

صوتها كان مرتعشًا.

«إنت فين؟»

تغير صوته فورًا.

«إيه اللي حصل؟»

«أنا…»

نظرت إلى العربية.

«في حد بيراقبني.»

سكت ياسين لحظة.

ثم قال:

«ما تتحركيش.»

«أنا خايفة.»

الجملة دي كانت كفاية.

ياسين قام من مكانه.

«أنا جاي لك.»

—

بعد عشر دقائق، توقفت سيارة ياسين أمامها.

نزل بنفسه.

مشى إليها بسرعة.

«وريني.»

أعطته الصورة.

قرأها.

وجهه تحول إلى حجر.

«مين اداها لك؟»

«راجل ما أعرفوش.»

«فينه؟»

«مشي.»

نظر حوله.

ثم أمسك يدها.

«تعالي.»

نورهان سحبت إيدها.

«استنى.»

نظر لها.

«إيه؟»

«أنا مش عايزة أهرب من حاجة أنا حتى مش فاهمة هي إيه.»

سكت.

قالت:

«مين بيعمل كده؟»

«ما أعرفش.»

«كداب.»

رفع عينيه لها.

«نورهان…»

«إنت عارف.»

صمت طويل.

ثم قال:

«عندي أعداء.»

ضحكت بسخرية.

«أعداء؟»

«أيوه.»

«قد إيه؟»

لم يجب.

«عشرات؟»

سكت.

«مئات؟»

ظل ساكتًا.

نورهان بصت له بصدمة.

«إنت مين بالظبط يا ياسين؟»

اقترب منها خطوة.

«أنا الشخص اللي لازم تبعدي عنه.»

«طب ليه؟»

«لأن أي حد يقرب مني بيتأذي.»

«ومالك؟»

تجمد.

نورهان أدركت إنها لمست جرحًا عميقًا.

«أنا آسفة.»

لكنه قال:

«مالك اتقتل بسببي.»

نزلت دمعة من عينه دون أن يشعر.

نورهان لم تقل شيئًا.

فقط اقتربت منه.

ومدت يدها.

وضعتها على ذراعه.

«إنت مش لازم تحمل ده لوحدك.»

نظر إلى يدها.

ثم إلى عينيها.

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، سمح لنفسه ألا يكون الرجل القوي.

قال بصوت مكسور:

«أنا تعبت.»

نورهان اقتربت أكثر.

«عارفة.»

«إنتِ ما تعرفيش.»

«يمكن لأ.»

ثم ابتسمت بحزن.

«بس أقدر أقعد جنبك لحد ما تتعب أقل.»

ظل ينظر إليها.

ثم قال:

«إنتِ أخطر حاجة حصلت لي من يوم موت ابني.»

ابتسمت.

«ليه؟»

«لأني بدأت أخاف أخسرك.»

—

في مكان آخر من المدينة، كان رجل يراقب كل شيء من شاشة كمبيوتر.

ظهرت أمامه صورة ياسين وهو يمسك يد نورهان.

ابتسم.

ثم أجرى مكالمة.

«الحاج، حصل اللي كنا عايزينه.»

جاءه الصوت من الطرف الآخر:

«وقع؟»

«مش بس وقع.»

نظر إلى الشاشة.

«ده وقع للآخر.»

سكت الرجل لحظة.

ثم قال:

«دلوقتي نبدأ المرحلة التانية.»

«والبنت؟»

جاء الرد ببرود:

«خلوها تعيش يومين كمان.»

«وبعدين؟»

صمت.

ثم قال:

«بعدين نخلي ياسين يختار.»

«يختار بين إيه؟»

جاء الرد:

«نورهان… أو الحقيقة اللي دفنها من تلات سنين.»

وفي نفس اللحظة، وصل إلى هاتف ياسين تسجيل صوتي.

ضغط تشغيل.

وجاء صوت رجل غريب:

«فاكر إن ابنك مات في حادث؟»

تجمد ياسين.

ثم جاءت الجملة الثانية:

«مالك ما ماتش بالصدفة يا ياسين.»

نورهان رفعت عينيها إليه.

«إيه اللي حصل؟»

ياسين لم يرد.

لأن التسجيل انتهى بجملة واحدة:

«واللي قتله… موجود قريب منك أكتر مما تتخيل.»

حكايات شروق خالد

فضل ياسين واقف في مكانه، والموبايل لسه في إيده.

نورهان بصت له.

«ياسين؟»

ما ردش.

شغّل التسجيل مرة تانية.

نفس الصوت.

نفس الجملة.

«مالك ما ماتش بالصدفة.»

قبضته شدت على الموبايل لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضّت.

نورهان قربت منه.

«مين ده؟»

«مش عارف.»

«بس هو يعرف مالك.»

ياسين رفع عينيه لها.

«أيوه.»

«وأنت مصدقه؟»

سكت.

قالت بهدوء:

«بعد تلات سنين، أول مرة حد يقول لك إن موت ابنك مش حادث… طبيعي تصدقه؟»

«أنا ما بصدقش حد.»

«بس إنت مصدوم.»

اقترب منها.

«لأن يوم موت مالك كان أكتر يوم راجعت فيه كل تفصيلة في حياتي.»

«وما لقيتش حاجة؟»

هز رأسه.

«العربية كانت سليمة. الطريق كان مراقب. السواق مات. وكل حاجة اتقفلت رسميًا.»

«يبقى ليه حد يفتح الموضوع دلوقتي؟»

ياسين نظر للصورة الموجودة في إيده.

«عشان عايزني أتحرك.»

«أو عايزك تقع في فخ.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى