روايات وقصص

السر اللي قلب حياته كلها حكايات شروق خالد

كانت آخر كلمات رماها جوزي في وشي قبل ما تختفي عربيته البنتلي السوداء وسط شوارع القاهرة: «دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.» ومع شروق الشمس، كنت اختفيت، وكاميرا مراقبة كانت قد صورت فان بيضاء وهي واقفة قدام بيت طفولتي، والرجل اللي كل القاهرة كانت بتخاف منه كان على وشك يعرف يعني إيه رعب حقيقي.

 

كانت الساعة عدت نص الليل، والبرد شديد، وأنا واقفة بره حفل خيري بحاول أمنع دموعي، بينما أنوار العربيات كانت بتقطع شارع كبير في وسط القاهرة.

لمدة تلات سنين، عشت في عالم لوكا المنصوري…

حراس شخصيين، تهديدات بتتقال بالهمس، ورجالة عيونهم ميتة.

ومهما كانت خناقاتنا بتوصل لإيه، كان دايمًا بيرجع لي.

لحد الليلة دي.

الخناقة بدأت لما شفت واحد من رجالة لوكا بيسحب صحفي شاب لممر جانبي بعيد عن الناس، لمجرد إنه سأل سؤال غلط عن صفقة تطوير على النيل.

لحقت لوكا عند مكان حفظ المعاطف، وقلت له بغضب:

«إنت ما ينفعش تسمي ده حماية. ده خوف.»

شد فكه وقال:

«إنتِ بتعملي منظر.»

«إنت بتقول إنك عايز جواز حقيقي، لكن أنا عايشة جوه قلعة، والقسوة فيها بقت معناها ولاء.»

رد ببرود:

«القسوة هي اللي بتحافظ على الناس عايشة.»

همست:

«لأ… القسوة هي اللي بتحافظ عليك مسيطر.»

في اللحظة دي، اتغيرت نظرته.

لوكا كان يقدر يستحمل الإهانات، والرصاص، والخيانة…

لكن الحقيقة كانت بتوجعه بطريقة مختلفة.

بعد ما خرجنا بره، وقف جنب عربيته وقال:

«اركبي.»

«لأ.»

رجالته اتجمدوا في مكانهم.

حدق في عيني للحظات، ثم قال ببرود:

«يبقى دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.»

وركب عربيته ومشي، وسابني واقفة لوحدي.

طلبت تاكسي يرجعني لقصرنا في الزمالك، وأنا متوقعة إن لوكا هيتصل بيا قبل ما أوصل.

لكنه ما اتصلش.

والصمت اللي استقبلني جوه البيت الرخامي الضخم كان أبرد من هواء الليل.

الساعة اتنين، سبت كوباية المية على جزيرة المطبخ من غير ما ألمسها.

الساعة تلاتة، فضلت أبص على مخدة لوكا الفاضية.

ولما الساعة وصلت خمسة، وبدأ الفجر يصبغ النيل باللون الأزرق، حصل جوايا شيء غريب.

بطلت أنكسر…

وبقيت هادئة بشكل مؤلم.

جهزت شنطة جلد صغيرة.

ما أخدتش الماس، ولا الفساتين الغالية، ولا الهدايا اللي لوكا كان بيشتريها لي كل مرة يبدأ إحساس الذنب ياكله من جوه.

أخدت كام بنطلون، وبلوفرات، وصورة أمي، وسلسلة فضية قديمة، ومذكراتي، والجاكت الجينز اللي كنت لابساه يوم ما لوكا قبلني لأول مرة قدام مطعم صغير في السيدة زينب.

وقفت عند باب أوضتنا، وفهمت أخيرًا الحقيقة اللي كنت برفض أعترف بيها.

ده ما كانش بيت.

كان قفصًا جميلًا.

خرجت بعد شروق الشمس بوقت قصير، وركبت تاكسي لمنطقة شبرا، للبيت الصغير المبني بالطوب اللي كبرت فيه مع أمي وأختي الصغيرة، مريم.

كان البيت مليان حزن وذكريات أكتر مما أقدر أتحمل، لكنه كان بيتي…

أو على الأقل، كنت فاكرة إنه لسه بيتي.

بعد ساعة، رجع لوكا للقصر.

عرفت بعد كده إنه نادى اسمي في الممرات الفاضية، وفتش كل أوضة، لحد ما شاف تسجيلات كاميرات المراقبة وهي بتبينني وأنا خارجة من بوابة القصر لوحدي.

وبعد سادس مكالمة من غير رد…

الغضب اختفى.

والخوف أخد مكانه.

أمر رجاله يتتبعوا موبايلي، ويسحبوا تسجيلات كل كاميرات المراقبة الموجودة بين القصر وشبرا.

وبعدها بنفسه، فضل يسوق في شوارع القاهرة، ويدور عليّ في الكافيه اللي بحبه، والمكتبة، ومحلات الورد، والطريق اللي كنت بحب أمشي فيه جنب النيل.

وبعدين اندفع ناحية بيت طفولتي.

الباب الأمامي كان مفتوحًا بالفعل.

دخل.

مصباح كان واقع على جنبه، وكرسي المطبخ كان مرمي على الأرض.

وفوق الترابيزة، كان فيه ورقة مكتوبة بخط شخص غريب:

«إنت سبتها لوحدها… إحنا لأ.»

اتصل لوكا فورًا بنائبه، نادر.

قال نادر:

«لقينا تسجيلات من كاميرات المرور.»

صوت لوكا كان هاديًا بشكل مخيف:

«قول.»

«فان بيضاء وصلت بعد ليان باتناشر دقيقة.»

سكت لحظة، ثم تابع:

«رجل ملثم دخل البيت.»

قبض لوكا على الهاتف بقوة.

«وبعدين؟»

«بعد أربع دقايق خرج وهو شايل ست على كتفه.»

ساد الصمت.

ثم سأل لوكا بصوت منخفض:

«كانت لسه واعية؟»

حكايات شروق خالد

«كانت لسه واعية؟»

نادر سكت ثانيتين.

«مش قادرين نحدد.»

«يعني إيه مش قادرين تحددوا؟»

«الصورة بعيدة، والرجل كان لابس ماسك. بس…»

«بس إيه؟»

«قبل ما يحطها في الفان، هي حركت إيدها.»

لوكا غمض عينيه.

«حركتها إزاي؟»

«كانت بتحاول تمسك حاجة.»

«إيه؟»

«مش عارف.»

لوكا فتح عينيه.

«هات التسجيل كامل على موبايلي. حالًا.»

«حاضر.»

قفل المكالمة، وفضل واقف في بيت ليان القديم.

كان بيبص للورقة اللي على الترابيزة.

«إنت سبتها لوحدها… إحنا لأ.»

الجملة كانت بتدور في دماغه.

هو فعلًا سابها.

لكن مش لأنه ما كانش بيحبها.

هو كان مقتنع إن إبعادها عن عالمه هو الطريقة الوحيدة لحمايتها.

دلوقتي فهم إنه كان غلطان.

لأن اللي بيخاف عليه…

اتخطف.

—

بعد أقل من عشر دقايق، وصل نادر.

دخل البيت بسرعة.

«لوكا.»

«وريني التسجيل.»

فتح نادر اللابتوب.

ظهرت صورة الفان البيضاء.

كانت واقفة قدام البيت.

ثم ظهر الرجل الملثم.

دخل.

خرج وهو شايل جسد ليان.

لوكا قرب من الشاشة.

«وقف.»

الصورة توقفت.

«كبر إيده.»

نادر عمل تكبير.

لوكا ركز.

كان الرجل ماسك ليان من كتفها، وفي يده اليمنى خاتم فضي عليه شكل صغير يشبه رأس ثعبان.

لوكا اتغير وشه.

«الخاتم ده…»

نادر بص له.

«تعرفه؟»

«أيوه.»

«مين؟»

لوكا لم يرد.

رجع التسجيل.

قبل ما الرجل يدخل الفان، ليان رفعت إيدها.

كان في إيدها السلسلة الفضية القديمة اللي أخدتها من القصر.

وضغطت عليها بإصبعين.

نادر قال:

«إيه اللي بتعمله؟»

لوكا حدق في الشاشة.

ثم همس:

«كانت بتبعت لي إشارة.»

«إشارة لإيه؟»

«السلسلة دي مش مجرد ذكرى.»

رفع عينيه.

«أمي كانت ادتها لها قبل ما تموت.»

نادر سكت.

«ومين صاحب الخاتم؟»

لوكا قال:

«عمّي.»

«بس عمك مات من عشر سنين.»

«أنا شفت جثته.»

نادر اقترب.

«يبقى اللي أخد ليان… حد عايزنا نفتكر إن الموت نهاية.»

لوكا شد فكه.

«أو حد رجّع واحد من الماضي.»

—

في مكان مظلم، فتحت ليان عينيها ببطء.

كان أول شيء حسته هو صداع شديد.

حاولت تتحرك.

إيديها كانت مربوطة.

قدامها كرسي خشب.

وحائط إسمنتي.

رائحة رطوبة.

وصوت مياه بتنقط من مكان قريب.

حاولت تفتكر.

البيت.

الباب.

الرجل.

ثم الفان.

وفجأة تذكرت.

أول ما الرجل قرب منها، كانت لسه واعية.

قال لها:

«ما تخافيش.»

فردت عليه:

«لو مش عايزني أخاف، شيل القناع.»

لكنه لم يرد.

وقبل ما تفقد وعيها، لمحت خاتمه.

نفس الخاتم اللي كانت شافته مرة واحدة فقط في حياتها.

في صورة قديمة كانت أمها محتفظة بها.

صورة لرجل واقف بجوار والد ليان.

ليان همست:

«أنت مش من رجال لوكا.»

جاء صوت من الظلام:

«لا.»

«يبقى مين؟»

الرجل خرج للنور.

خلع القناع.

ليان شهقت.

«مستحيل.»

ابتسم.

«أخيرًا افتكرتيني.»

كانت عيناها مليئة بالصدمة.

«إنت…»

«أيوه.»

اقترب.

«أنا السبب في إن لوكا اتجوزك.»

ليان عقدت حاجبيها.

«إنت بتقول إيه؟»

«جوازك منه ما كانش صدفة.»

«كذاب.»

«أمك كانت تعرف.»

«أمي ماتت.»

«لكن قبل ما تموت، سابت رسالة.»

تجمدت ليان.

«لمن؟»

«للوكا.»

سكت لحظة.

«وفي الرسالة كانت بتحذره منك.»

ليان حدقت فيه.

«تحذرّه مني؟ ليه؟»

الرجل ابتسم ابتسامة باردة.

«لأنك مش ضحية في الحكاية دي يا ليان.»

اقترب أكثر.

«إنتِ الورقة الوحيدة اللي لوكا ما يعرفش يلعب من غيرها.»

—

في نفس الوقت، كان لوكا واقف في مكتبه.

على الطاولة أمامه صورة قديمة.

صورة والد ليان.

وبجانبه الرجل صاحب الخاتم.

دخل نادر.

«عرفناه.»

لوكا رفع رأسه.

«مين؟»

«اسمه فريد الشاذلي.»

سكت لوكا.

«فريد مات في حريق مخزن من عشر سنين.»

«الجثة كانت باسم مستعار.»

لوكا قام.

«مين أكد موته؟»

نادر تردد.

«أبوك.»

لوكا بص له.

«أبويا؟»

«أيوه.»

سكت لوكا.

ثم قال:

«هات كل ملفات أبويا.»

«كلها؟»

«كل ورقة.»

خرج نادر.

لوكا رجع يبص للصورة.

كان فيه شيء مش منطقي.

فريد كان شريكًا قديمًا لوالده.

لكن قبل موت والد لوكا بشهر، اختفى فريد.

وبعدها مات والد ليان.

ثم ظهرت ليان في حياته.

والأغرب…

إن والدته كانت رافضة تمامًا للجواز.

قالت له وقتها:

«لوكا، البنت دي هتدخل حياتك ومعاها مصيبة.»

هو اعتبرها مجرد خوف أم.

لكن دلوقتي…

بدأ يشك إنها كانت تعرف الحقيقة.

—

وصل نادر بملف قديم.

لوكا فتحه.

كان أول شيء صورة لأم ليان.

ثم ورقة مكتوبة بخط يدها.

لوكا قرأ:

«لو ابنتي وصلت يومًا إلى لوكا المنصوري، لا تمنعه عنها.»

توقف.

قلب الورقة.

«لكن لا تسمح له أبدًا أن يعرف الحقيقة قبل الوقت المناسب.»

لوكا عقد حاجبيه.

«إيه الحقيقة؟»

كانت هناك صفحة ثانية.

لكنها ممزقة.

نادر قال:

«فيه جزء ناقص.»

لوكا رفع الورقة.

«مين شال الصفحة؟»

«مش عارف.»

«اعرف.»

ثم وصلته رسالة.

صورة ليان.

كانت مربوطة على الكرسي.

لكنها كانت تنظر للكاميرا مباشرة.

وتحت الصورة:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى