روايات وقصص

«البوس الصغيرة وسر أبويا» حكايات شروق خالد

بنتي الصغيرة مريم، اللي عندها تلات سنين، طلعت على الكرسي بتاعي، وخطفت قلم الحبر من فوق المكتب، وقالت بكل ثقة: «أنا البوس دلوقتي.» كنت متوقع أضحك وأرجعها لأمها، لحد ما أول أمر أصدرته كان: «أنا عايزة محدش يخلّي ماما تعيط تاني.» وبعدها بدقايق، شفت آثار صوابع زرقا حوالين معصم المساعدة بتاعتي.

 

اسمي ياسين الجبالي، ولفترة عشرين سنة، الرجالة الكبار كانوا بيتعاملوا مع مكتبي الخاص كأنه مكان محدش يدخله غير بإذني.

المحامين كانوا يستنوا لحد ما أقول لهم يقعدوا.

وشركاء الشغل كانوا بيفكروا ألف مرة قبل ما ينطقوا بكلمة قدامي.

حتى الرجالة اللي أكبر مني مرتين في الحجم كانوا عارفين إن الكرسي الأسود الضخم اللي ورا مكتبي ده بتاعي أنا وبس.

ومع ذلك، في اليوم ده كانت مريم قاعدة عليه، لابسة فستان أصفر وجزمة رياضية بينك، ورجليها الصغيرين متدليين في الهوا.

بصتلي وقالت تاني:

«أنا البوس دلوقتي.»

قفلت باب المكتب بهدوء.

وقلت لها:

«بجد؟»

هزت راسها بحماس.

«أيوه.»

«وإزاي بقيتي البوس؟»

فكرت بمنتهى الجدية، وبعدين ردت:

«أنا طلعت.»

بالعافية منعت نفسي من الضحك.

أنا عندي واحد وأربعين سنة، وكنت مسيطر على مجموعة كبيرة من المطاعم وشركات المقاولات والنقل والعقارات في القاهرة.

لكن ورا الشركات اللي الناس كلها شايفاها قانونية ومحترمة، كان فيه شغل تاني.

شغل ورثته عن أبويا.

شغل قضيت خمستاشر سنة وأنا بحاول أقنع نفسي إني مجرد الراجل اللي بيديره، مش الراجل اللي اختار يدخل فيه بإرادته.

مريم ما كانتش تعرف أي حاجة عن العالم ده.

بالنسبة لها، أنا مجرد الراجل اللي بيلبس بدل غامقة، ويشرب قهوة سادة، وساعات بيسمح لها تسرق حبة فراولة من طبق الفطار بتاعي.

قربت من المكتب، وحطيت إيدي على ظهر الكرسي.

وقلت لها:

«طيب يا بوس مريم… إيه أول قرار؟»

فجأة اختفت الابتسامة من على وشها.

وبصت للأوراق اللي كانت حاطة إيدها الصغيرة فوقها.

وبصوت واطي قالت:

«أنا عايزة محدش يخلّي ماما تعيط تاني.»

ساعتها كل حاجة جوايا سكتت.
#حكايات_شروق_خالد
ما بقيتش شايف طفلة بتلعب.

كنت شايف طفلة بتتكلم عن حاجة حصلت قدامها.

وقبل ما ألحق أسألها تقصد إيه، باب المكتب اتفتح فجأة.

ودخلت أمها، سلمى حسن، وهي بتجري وبتنهج، ووشها أبيض من الخوف.
#حكايات_شروق_خالد
«مريم!»

جريت عليها بسرعة، وبعدين بصتلي وهي بتتكلم بسرعة:

«أنا آسفة يا أستاذ ياسين… أنا بس لفيت وشي دقيقة واحدة. والله ما كان قصدي، ومريم مش هتدخل مكتب حضرتك تاني. أنا آسفة جدًا.»

«سلمى.»

«أنا عارفة إن حضرتك متضايق، وأنا مستعدة أتحمل أي—»

قاطعتها بهدوء:

«مفيش مشكلة.»

سلمى سكتت.

لكن حاجة في خوفها خلتني أركز معاها.

هي ما كانتش خايفة علشان بنتها دخلت مكتبي.

كانت خايفة إنها تخسر شغلها.

كأن فقدان المرتب ده ممكن يهد كل حياتها.

مدت إيدها ناحية مريم.

وفي اللحظة دي، كم فستانها اتحرك لفوق.

وشفت معصمها.
#حكايات_شروق_خالد
علامات غامقة كانت دايرة حوالين إيدها.

علامات صوابع.

حد كان ماسكها بعنف.

سلمى شافت نظرتي، وسحبت كمها بسرعة.

«دي؟»

بصيت لها من غير ما أتكلم.

قالت بسرعة:

«خبطت في رف المطبخ.»

ما رديتش.

أنا طول عمري بعرف الكذب من أول كلمة.

واللي قالته سلمى كان كذبة.

واضحة جدًا.

بصيت لمريم.

وبعدين رجعت بصيت لأمها.

سلمى قالت لبنتها:

«قولي للأستاذ ياسين آسفة.»

مريم بصتلي وقالت:

«بس أنا كنت البوس.»

سلمى اتوترت.

«مريم!»

مريم بصتلي وابتسمت:

«آسفة يا عمو ياسين.»

سلمى غمضت عينيها بضيق.

«قولتلك متقوليش لعمو ياسين! ده أستاذ ياسين.»

لكن أنا ما اهتمتش.

فضلت باصص لمعصم سلمى.

وبعدين قلت:

«بكرة خمس دقايق.»

سلمى فتحت عينيها باستغراب.

«إيه؟»

«البوس مريم هتقعد على كرسيي خمس دقايق تاني.»

مريم ابتسمت من ودن لودن.

لكن قبل ما سلمى تقول أي حاجة، مريم رفعت إيدها الصغيرة وأشارت ناحية باب المكتب.

وقالت بمنتهى البراءة:

«وماما بتقول إن عمو فؤاد وعمو كريم مزعجين لما بييجوا ناحيتها بالليل.»

جسمي كله اتجمد.

فؤاد كان الراجل اللي شغال مع عيلتي من أكتر من تلاتين سنة.

وكريم كان رئيس الأمن بتاعي.

اتنين من أكتر الناس اللي كنت بثق فيهم.

اتنين كانوا عارفين أسراري كلها.

وفجأة…

سمعت صوت خطوات بره المكتب.

خطوتين.

بيقرّبوا.

وش سلمى اتحول للون الأبيض.

مريم بصت ناحية الباب.

وبعدين بصتلي.

وفي اللحظة دي فهمت لأول مرة…

ليه بنت صغيرة عندها تلات سنين كانت مصممة تبقى هي «البوس».

لأنها كانت بتحاول تحمي أمها.

والأسوأ…

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى