روايات وقصص

حكاية في جناح الفندق حكايات شروق خالد

رجعت الجناح بتاعي في الفندق بعد نص الليل، وكنت ناوي آخد تقرير نسيته. بس بدل ما ألاقيه، لقيت طفلين توأم نايمين على السرير بتاعي، وأمهم المرعوبة واقفة عند الباب، بتتوسل لي ما أبلغش الأمن.

أول حاجة وقعت عليها عيني كانت فردة كوتشي وردي على الأرض الرخام. كانت صغيرة لدرجة إنها ممكن تدخل في راحة إيدي.

وقفت عند مدخل الجناح الفاخر في الفندق، وكارت المفتاح لسه بين صوابعي. أنا متعود أدخل أي مكان وأحس إنه ملكي قبل ما أنطق بحرف واحد. قاعات اجتماعات، قاعات حفلات، محاكم، طيارات خاصة. بس الأوضة دي كان حد تاني سبقني وقعد فيها.

كان فيه نور ليلي خافت منور جنب الدولاب. والستائر مسدلة نص سدلة، ومخليه إضاءة الشارع برة ماليّة الحيطان. وفي نص السرير الكبير، تحت ملايات الساتان، كان فيه طفلين صغيرين نايمين وراقدين جنب بعض كأن كل واحد فيهم هو الأمان الوحيد للثاني.

توأم. بنت صغيرة شعرها الدهبي منثور على المخدة. وولد صغير ماسك فيل لعبة قديم لدرجة إن صوابعه باينة شاحبة من كتر ما هو ماسك فيه جامد.

لثانية واحدة عقلي ما كانش قادر يتقبل المنظر. ده جناحي. الفندقي. دوري. مفيش حد بيدخل الدور ده من غير إذن وتصريح. ومع ذلك، فيه طفلين سابوهم لوحدهم في سريري.

همست بصوت واطي: “مستحيل اللي شايفه ده.”

الولد الصغير اتحرك، فتسمرت في مكاني. طلع صوت أنين خفيف وقرب من أخته أكتر. وهي نايمة، البنت الصغيرة مدت إيديها مسكت كمّه وتمسكت بيه جامد. حاجة في دورهم الصغير ده عن الأمان لمست جوانا وتراً قعدت سنين أحاول أقفل عليه وأنسيه.

وبعدين الباب اتفتح ورايا.

ست همست برعب: “يا نهار أبيض… لا.”

التفت ورايا. لقيت عاملة نظافة شابة واقفة عند الباب، لابسة زي الفندق الرمادي. كانت وشها أصفر، وتعبانة وبتترعش. شعرها الأصفر الطالع من الكحكة الفوضوية مبهدل، والهالات السودا محاطة بعينيها الخضراوين. اسمها كان مكتوب على البطاقة: أمل.

صوتي طلع واطي وحاد: “ممكن تفهميني إيه ده؟”

همست وهي خايفة: “يا بيه، أرجوك وطي صوتك. الولاد بقالهم يومين مش عارفين يناموا.”

بصيت لها ببرود: “فيه طفلين نايمين على سريري.”

“عارفة.”

“في جناحي الخاص.”

“عارفة.”

“ومن غير ما حد ياخد باله.”

انكمشت على نفسها من الخوف. وبعدين عينيها عدت من عليّ وبصت للولاد، والخوف اللي في عينيها تحول لحاجة أقوى. قالت بصوت مخنوق: “دول ولادي.. أساميهم فريدة ويوسف، وعمرهم تلات سنين.”

مردتش بحاجة. بلعت ريقها بصعوبة وكملت: “صاحب البيت طردني النهارده الصبح، وباع المبنى، والمالك الجديد طلع الناس كلها من غير أي إنذار.. وما كانش عندي أي مكان أروح له بيهم.”

غضبي ما اختفش. بس قل.

أمل بدأت تتكلم بسرعة، كأن كل ثانية بتعدي ممكن تضيع منها شغلها وكل حياتها. “عارفة إني كسرت القواعد، وعارفة إني ممكن أطرد بسبب كده.. بس الجدول بتاع سعادتك كان مكتوب فيه إنك مش هترجع غير بكرة الظهر، فقلت يناموا هنا كم ساعة على ما أخلص ورديتي، وبعدين كنت هتصرف.”

“وكنتِ شايفة إن استخدام جناح رئيس مجلس الإدارة كملجأ هو أحسن حل قدامك؟”

وشه أحمر من الخكسة، بس رفعت راسها وقالت بثبات: “لا.. ده كان الحل الوحيد اللي قدامي.”

الإجابة دي دخلت قلبي أقوى مما كنت متوقع. عالمي كله مبني على الاختيارات، محامين، سواقين، بنوك، حراسات، والأبواب بتفتح لي قبل ما أخبط أصلاً. وأمل واقفة قدامي ومعاها طفلين، ومفيش ولا باب مفتوح قدامها.

همست بصوت مكسور: “هصحيهم.. هنمشي حالاً.”

“تروحوا فين؟”

شفايفها اتقفلت. ومشفيش أي إجابة.

بصيت للشنطة القديمة اللي جنب السرير. بيجامات، شرابات، كتاب أطفال، وشوية بسكوت. أم خسرت كل حاجة في الدنيا، بس لسه فاكرة تجيب لعيالها شرابات تحميهم من البرد.

وفي اللحظة دي، يوسف رجع أنين تاني. أمل جرت على السرير وحطت إيديها الراستة الرقيقة على ضهره. هدأ في ثواني لمجرد إنها لمسته.

وفجأة، افتكرت أمي الله يرحمها وهي راجعة من شغل التنظيف في الفنادق، تعبانة بس قلبها حنين وهي بتطبطب عليا أنا وأخويا.

سألتها: “قدامك كام وقت؟”

أمل بصت لي باستغراب: “نعم؟”

“قدامك كام وقت لحد ما تلاقي مكان آمن؟”

وقبل ما تلحق ترد، تليفوني رن في جيبي. رسالة وصلتني من أمن الفندق على الشاشة: “يا فندم، البوليس تحت في الاستقبال وبیـسالوا عن أمل ومعاها طفلين.”

أمل شافت وشي وهو متغاظ ومتقلب. وهمست بدموع: “أرجوك لا…”

حكايات شروق خالد

بصيت لرسالة الأمن اللي على الشاشة، وبعدين بصيت لأمل اللي كانت واقفة قدامي بتترعش والدموع مليانة في عينيها، حاضنة نفسها وكأنها مستنية الضربة القاضية. مديت إيدي، وقفلت الشاشة من غير ما أرد على الأمن.

رفعت راسي وبصيت لها بنبرة حازمة بس هادية: “اسمعيني كويس يا أمل.. مفيش بوليس هيطلع هنا، ولا حد هيعرف باللي حصل.”

رفعت عينيها المستغربة وقالت بصوت مكسور: “حقيقي يا بيه؟ بس شغلي… والأمن تحت؟”

“شغلك مش هيجرى له حاجة، والأمن أنا هتصرف معاهم.” بصيت للطفلين وهما نايمين بأمان تام، وبعدين كملت: “الولاد دول هيفضلوا نايمين في مكانهم لحد الصبح.. وأنتِ كمان هتقعدي ترتاحي جوه، وممنوع حركة لحد الشروق.”

وقفت مكانها مش مصدقة اللي بتقول، كأنها في حلم. دمعة نزلت على خدها وهي بتقول بصوت بالكاد مسموع: “أنا… أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.. شكراً يا بيه، شكراً بجد.”

“بلاش شكر دلوقتي،” قطعت كلامها وأنا بتحرك نحو مكتب الصالون. طلعت كارت الڤيزا الخاص بي وكتبت رقم تليفوني على ورقة صغيرة، ومديتها لها: “الصبح بدري، قبل ما حد يحس بحاجة، هتكلمي الرقم ده.. ده مدير الشقق الفندقية الخاصة بي في وسط البلد. هيرتب لك شقة مفروشة وآمنة تقعدي فيها أنتِ والولاد لحد ما تلاقي مكان مناسب، وكل المصاريف مدفوعة مقدماً.”

أمل بصت للورقة وهي بتهز راسها يمين وشمال من كتر التأثر، وقالت بصوت مش إيجابي كفاية من كتر الدموع: “أنا.. مش عارفة أرد جميلك ده إزاي يا فندم.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك.”

“قلت لك بلاش كلام كتير، روحي اقعدي جنب ولادك.”

لفت وشها وجريت بخطوات واسعة بس هادية عشان ما تصحيهمش، وقعدت على كرسي جنب السرير، وراحت من العياط والراحة في نفس الوقت، وهي ماسكة إيد بنتها وبنفسها بيطلع وينزل بسلام لأول مرة من يومين.

أنا وقفت قدام الشباك الكبير، بصيت على أضواء مանهاتن اللي مش بتنام، وحسيت بغصة في ضلوعي. طول عمري فاكر إن الفلوس والسلطة هما اللي بيشتروا راحة البال، بس في اللحظة دي، وأنا شايف أم وابنها وبنتها لاقيين حتة دافية يناموا فيها بعد طرد وظلم، حسيت بمليون مرة طعم أحسن من أي صفقة مليونية كسبتها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى