روايات وقصص

العشاء الأخير» حكايات شروق خالد

الساعة 1:38 بالليل، وبعد حداشر شهر من الغفلة مع مديرة العلاقات العامة بتاعت شركتي، طائرتي الهليكوبتر نزلت على سطح شقتنا الفارهة في الزمالك—ومراتي اللي عشت معاها ستتاشر سنة كانت اختفت. لا صراخ، لا ورق انفصال، ولا ضجة. كل اللي سابته دبلتها، والكرت الأسود اللي كنت ماديهولها، ورسالة مكتوب فيها: “دور عليا في مفيش. الست اللي كانت قاعدة تستناك مبقتش موجودة.”

اسمي طارق عز الدين، وعندِي ستة وأربعين سنة، وثروتي كانت معدية التلاتة مليار جنيه. عندي فنادق، وأبراج، وطائرات خاصة، وشركات في مصر كلها، بس ضيعت بطريقة ما الست اللي ساعدتني نبني كل ده من الصفر.

مريم حبّتني وأنا مش معاي حتى حق أقبّض العمال. باعت الشقة اللي أبوها سيبهالها عشان تنقذ أول شركة ليا، وقالتلي ساعتها: “نقدر نشتري بيت تاني.. المهم مَتستسلمش”.

وطوال ستتاشر سنة، مابعتش طلبت أسهم، ولا شهرة، ولا هدايا غالية. كل اللي كان يهمها وتعرفه.. هو أنا راجع البيت اتعشى معاها ولا لأ؟

لحد ما ظهرت نادين، مديرة العلاقات العامة اللي عندها اتنين وتلاتين سنة وذكية جداً. رحلة شغل واحدة لشرم الشيخ تحولت لغرفة فندق، وبعدها مكان خاص في التجمع، وتليفون تاني، وحداشر شهر من الغفلة والتجاهل.

قبل ما مريم تختفي بأربع شهور، سألتني في ليلية من الليالي: “أنت بتحب نادين؟”

رفضت أرد.

“لو طلبت منك تنهي الموضوع ده، هتعمل كده؟”

صمتي كان هو الجواب.

بصّت لكوباية العصير اللي مأشرتهاش وقالتلي: “فاكر لما وعدتني إنه مهما ربنا كبرنا وبقينا أغنياء، عمري ما هاكل العشاء لوحدي؟”

سبتها ومشيت من غير ما أنطق بكلمة.

يوم عيد جوازنا الستتاشر، مريم سابت هدية على مكتبي.

قالتلي بصوت هادي: “افتحها بالليل.. دي الأخيرة”.

وفي الساعة 8:11 بالليل، بعتتلي صورة عشاء على ضوء الشموع.

“هستنى لحد الساعة عشرة”.

رديت عليها: “ماتستنيش.. أنا مشغول”.

وبدل ما أروح لها، قضيت السهرة مع نادين.

لما رجعت البيت، كانت الشموع طفيت، وعشاء مريم زي ما هو محدش قربله، وكل حاجة اشتريتها لها طول السنين دي فضلت في مكانها.. بس ملابسها وجواز سفرها اختفوا.

جوا الظرف، لقيت حداشر صفحة مكتوبة بخط إيديها بتوثق غفلتها عني.

اليوم 19: “قلتلي ما تنتظرش العشاء.. استنيت برضه”.

اليوم 201: “النهارده بطلت أعيط”.

اليوم 248: “بدأت ألم هدومي”.

وفي صفحة عيد الجواز، كاتبة: “الليلة دي، أنا بديلك اختيار أخير.. مش بين ستين، لا، بين الراجل اللي كنت عليه والراجل اللي بقيت فيه.. وأنت اخترت”.

بعدين فتحت هدية عيد الجواز.

لقيت جواها.. جوربين صغار خالص بتوع بيبي.

وتحتيهم صورة أساور وسونار.

في بداية حمل بتسع أسابيع وأربع أيام.

إيدي بدأت ترجف وأنا بضرب نمرة دكتور العيلة.

“هي مريم كانت في بداية حمل؟”

“أيوة يا طارق بيه”.

“ومال فين ابننا؟”

جه بعديها صمت مرعب.

“حصلها فقدان الحمل من شهرين”.

قالي إنها دخلت المستشفى بسبب تعب شديد، وفضلت طالبة منهم يكلموني، بس السكرتير بتاعي مأدرش يوصلّي لاني كنت في مرسى علم أو الجونة مع نادين.

افتكرت وقتها لما طنشت الرسالة وقلت: “لو الموضوع مش مستعجل، اتصرفوا فيه لوحدكم”.

وجوا علبة الهدية، مريم كانت سايبة رسالة تانية.

“لما قالولي إن ابننا غاب، كنت محتاجة جوزي.. اتصلت أربع مرات.. ومردتش عليا ولا مرة”.

رجلي ما شالتنيش ووقعت على الأرض.

بعد تلات أيام وتلاتة وثمانين مكالمة من غير أي رد، وصلني تسجيل صوتي.

“حسام—”

لا.. أنا اسمي طارق، ولما سمعت مريم بتهمس باسم تاني، حسيت إن روحي بتطلع.

“يا طارق.. أنت دتني كل حاجة، ما عدا الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجها بجد.. أنت”.

بعدين صوتها اتقطع من العياط:

“في حاجة تخص ابننا.. عمري ما حكيتها لأي مخلوق”.

قلبي وقف.

“ولو في يوم عرفتها.. هتعرف ليه مستحيل أرجع البيت ده تاني طول عمري”.

التسجيل خلص.

حكايات شروق خالد

الفصل الرابع: البداية الجديدة

عدت السنين، والدرس فضل محفور جوه روحي كأنه جرح ما بيتعالجش.

مستمتعتش بمليار واحد من الفلوس اللي سبتها لمريم؛ لأني فهمت متأخر أوي إن الفلوس من غير ناس تكمل معاهم.. مجرد ورق بيزيد تزوير الحزن. اتبرعت بباقي ثروتي لمؤسسات خيرية باسم “مريم”، وقررت أعيش حياة بسيطة جداً، في شقة صغيرة تليق بالراجل اللي كنت عليه يوم ما قابلت مريم أول مرة، قبل ما الدماغ تتخرب بالفلوس.

كنت كل فترة أعدي من قدام المؤسسة اللي بتشتغل فيها، من غير ما أقرب أو أضايقها.. كنت بس بكتفي أشوفها من بعيد وهي بتضحك بصدق مع الأطفال والستات اللي بتساعدهم، وشايف النور اللي رجع لعينها، النور اللي أنا طفيته بغبائي وطمعي.

وفي يوم شتوي هادي، وأنا قاعد في قهوة شعبية قديمة بشرب شاي مظبوط، لقيت طفل صغير بينادي عليّ ومد إيده بوردة جورية، وقال بصوت بريء:

“الست اللي قاعدة هناك دي بتقولك.. الوردة دي تذكرة إن البدايات الجديدة ممكنة.. بس للرجالة اللي اتعلمت الدرس بجد.”

قلبي دق بجنون.. لفيت وشي بسرعة، لقيت مريم واقفة على بُعد خطوات، لابسة نفس الهدوء والوقار اللي عشقتها عشانه، وبتديني ابتسامة خفيفة مليانة تسامح وسلام داخلي.

قمت وقفت.. رجليا كانت بتهتز، وقربت منها بخطوات بطيئة، وقلت بصوت متهدج:

“مريم.. إنتِ.. سامحتيني بجد؟”

بصتلي بعيون كلها دفء وقالت:

“سامحتك يا طارق.. عشان الشيل كان تقيل أوي، وعشان الإنسان مبيقدرش يعيش طول عمره حابس روحه في الماضي. بس رجوعنا لبعض.. مش هيكون زي زمان. لو تحب.. تبدأ من جديد، كطارق القديم اللي حبني وأنا حافية.. أهلاً بيك.”

ابتسمت، ودموع الفرح نزلت غصب عني لأول مرة من سنين طويلة.. حسيت إن روحي ردت فيا، وإن ربنا بيعوض صبري وندمي بفرصة تانية ماكنتش أحلم بيها.

مسكت الوردة وجاوبتها بصوت طالع من قلبي:

“مستعد أبدأ من تحت الصفر.. المهم أكون معاكي.”

ومن اليوم ده، عرفت إن الندم الحقيقي بيخلق بني آدم جديد، وإن أغلى ما في الكون مش القصور والمليارات.. دي كلمة “حبيبي” لما تطلع من قلب إنسان بيحبك لشخصك.. مش لفلوسك.

#حكايات_شروق_خالد

حكايات شروق خالد

الفصل الثاني: الوجه الآخر للثروة

القصر اللي كان المفروض يكون دافئ، بقى أشبه بمكان بارد. الكرسي اللي كانت مريم بتقعد عليه وهي مستنياني بالليل، بقى شاهد على غبائي. بصيت للرسالة دي ألف مرة، والحروف كانت بتتحول لكلمات قاسية بتوجعني في صمت.

“لو في يوم عرفتها.. هتعرف ليه مستحيل أرجع البيت ده تاني طول عمري.”

يعني إيه؟ إيه اللي ممكن يكون أفظع من إننا فقدنا الحمل وأنا قاعد مع واحدة تانية في الجونة؟

مسكت تليفوني وبدأت أدور في سجلات المستشفيات، وكلمت مدير أعمالي، ودفعت أضعاف المبالغ عشان أوصل لأي خيط. بعد يومين من الهلوسة والعصبية، وصلني ملف الطبيب المعالج لمريم في مستشفى خاص بالدقي.

سُقت عربيتي بجنون لحد هناك، ودخلت مكتب الدكاترة كأني مجنون. الدكتور فتح الملف وبصلي بنظرة كلها قهر واحتقار وقال بصوت واطي:

“أنت مستوعب المدام مرت بإيه يا طارق بيه؟”

“قولي.. حصل إيه يومها؟”

بلع ريقه وكمل: “المدام جاتنا وتعب شديد مالي هدومها، وكان لازم تدخل إجراء طبي فوري عشان ننقذ حياتها. سألناها عن جوزها عشان يمضي إقرار الإجراء الطبي.. قالتلنا بالحرف: ‘جوزي مش فاضي.. امضوا أنتوا، أنا مش عاوزة منه حاجة.’ بس الدكتور المسؤول رفض يدخل غير لما يكون الأب موجود أو على الأقل موافق تليفونياً.”

حسيت بأعصابي بتغلي وقلبي هيوقف: “وأنتوا كلمتوني؟”

“كلمناك أربع مرات.. وسكرتيرك رد علينا وقال: ‘البيه في اجتماع مهم في الجونة ومش هينفع يقطع رحلته عشان حالة تعب!'”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى