
نور دخلت جوه الفتحة السرية، والظلمة كانت مطبقة حواليها تماماً. حطت إيدها على بوقها عشان تخبي صوت نفسها العالي، وكانت سامعة نبضات قلبها كأنها طبول جوه ودانها. ريحة الخشب القديم والتراب كانت مالية المكان، بس رعبها كان أكبر بكتير من أي حاجة تاني.
برا في الأوضة، مراد خد نفس عميق وثبت ملامح وشة، وعدل وقفته عشان يبان طبيعي قد ما يقدر رغم الجرح اللي بينزف جوه. ببطء، فتح باب الجناح المحرم نص فتحة، ولقى مدام زينات واقفة برة ووشها مرسوم عليه القلق المصطنع، ومعاها صينية صغيرة.
قالت زينات بصوت مرتبك وهي باصة في الأرض: “يا باشا.. آسفة على الإزعاج في الوقت المتأخر ده، بس سمعت حركة غريبة هنا، و.. ونور الخدمة مش موجودة في أوضتها، وأنا كنت بطمن على القصر.”
مراد بص لها بنظرة باردة تخلي الحجر ينطق، وقال بصوت خشن وثابت تماماً ما يديش أي إيحاء إنه كان من شوية: “حركة إيه يا زينات؟ أنا اللي كنت بتحرك.. والدور ده بتاعي لوحدي وما حدش يدخله من غير إذني. ونور كانت هنا بتنظف مكتب خاص وخلصت ونزلت من بدري.. إنتِ بقيتِ تفتشي ورايا ولا إيه يا زينات؟”
زينات بلعت ريقها بصعوبة ووشها باهت، وقالت بسرعة وهي بتترتعش: “أبدأ يا باشا.. العفو، أنا بس كنت خايفة على أمنك بعد العاصفة.. تصبح على خير.”
مراد قفل الباب في وشها بقوة خلت الصوت يرن في الممر كله، وبعد ثواني معدودة، فتح الباب السري لنور اللي خرجت وهي بتاخد نفسها بصعوبة وحاطة إيدها على صدرها.
بصت له وقالت بصوت واطي ومرتعش: “دي كانت هتكشفنا.. زينات مش ساكتة، وشكلها كده هي العين التانية لتامر جوه القصر.”
مراد ضيق عينيه ونظراته بقت حادة زي السکين، وقال بصوت حاسم: “زينات وتامر مفكرين إنهم ماسكين خيوط اللعبة.. بس هم ما يعرفوش إن اللعبة اتعكست عليهم خلاص.”
نور بلعت ريقها وقالت بجدية: “قصدك إيه يا مراد؟”
“قصدي إننا مش هنستنى لحد ما تامر يتحرك.. إحنا اللي هنبدأ الهجوم، وبكرة الصبح كل ألاعيبهم هتتكشف قدام الكل.”
مراد ابتسم ابتسامة خفيفة وصعبة، ووشه اتزوق بملامح القسوة وهو بياخد نفس طويل وقال: “ورا تامر ناس كتير.. بس أكبرهم واحد اسمه الشناوي، أكبر تاجر سلاح ومخدرات في الدلتا، وكان مدي عين على موانئ الإسكندرية من زمان. تامر طماع، وباعني عشان الشناوي وعده إنه يخليه هو البوس الكبير وياخد النص بالنصف.”
نور خلصت ربط الشاش بإحكام وحرصت إنها ما توجعهوش، وقالت بنبرة حادة وذكية: “يبقا الحرب مش جوه القصر وبس.. دي برة وجوه. بس تامر مفكرك خلاص انتهيت ومستني اللحظة اللي يعلن فيها إنه السيطرة بقت في إيده. لو شافك واقف على رجليك قدام الرجالة دلوقتي، كل ألاعيبه هتتكشف وهيتجنن.”
مراد بص لها بإعجاب واضح مستدار جوه عيونه، وقال بصوته الخشن: “تفكيرك أسرع من ناس بقالها سنين بتشتغل معايا يا نور.. بس اللعبة خطيرة، وكل خطوة غلط معناها لينا إحنا الاتنين.”
وفجأة.. صوت خطوات تقيلة وبطيئة بدأ يقرب من ممر الدور التالت، تلاه صوت خبط خفيف على باب الجناح المحرم!
مراد وقف بسرعة ومسك مسدسه، وعينه ركزت على الباب بثبات. نور قلبها وقع في رجلها، وقالت بصوت واطي بيترتعش من الرعب: “دي مدام زينات.. لو شافتني هنا، هتبلغ تامر فوراً وهنتكشف إحنا الاتنين!”
مراد مسك دراعها بسرعة وشدها ناحية ضهر الدولاب الخشبي الضخم اللي في الأوضة، وفتح باب سري صغير مدخلش النور منه وقال بصوت حاسم: “ادخلي هنا.. وما تنطقيش بكلمة مهما سمعتي!”
#حكايات_شروق_خالدنور بصتله بقلق وقالت: “هنعمل إيه يا مراد؟ تامر وزينات مش ساهلين، ولو بدأت هجوم من غير خطة واضحة، هيقلبوا الطاولة علينا.”
مراد ابتسم ابتسامة خفيفة مليانة ثقة وقال: “متقلقيش يا نور.. الخطة جاهزة. إنتِ دلوقتي انزلي لأوضتك بهدوء كأن مفيش حاجة حصلت، وأول ما الشمس تطلع وتسمعي صوت الجرس بتاعي في الصالة الرئيسية، تعالي على مكتب الإدارة وخلي عينك دراعك مفتوح لكل حاجة هتحصل.”
نور هزت راسها بثبات، وفتحت الباب بحذر، وبصت يمين وشمال، وبعدين نزلت بخطوات خفيفة لحد ما وصلت لأوضتها في وقت متأخر من الليل، ونامت وهي حاسة إن بكرة هيكون يوم فاصل في حياتها كلها.
تاني يوم الصبح بدري، الشمس لسه مطلعش نورها كويس، والقصر كان فيه هدوء ما يطمنش. تامر كان واقف في الصالة الكبيرة، وبيكلم اتنين من كبار الحراس بصلف وشايف إن خلاص الفرصة بقت في إيده. مدام زينات كانت واقفة بعيد شوية بتراقب بعين مترقبة.
وفجأة.. صوت رنين جرس قوي ومرعب رن في أرجاء القصر كله، جرس مكتب البوس الخاص!
الكل وقف في مكانه مذهول.. تامر اتخطف ودخل في حالة صدمة، ووشه اصفر كأنه شاف عفريت. بص للحراس وقال بتوتر واضحة في صوته: “إزاي ده صحي؟! مش المفروض إنه..!”
قبل ما يكمل كلامه، باب المكتب اتفتح على مصراعيه، وظهر مراد الألفي.. واقف طوله عريض، عيونه بتقدح شرار، وماسك في إيده ملف أسود كبير، ومفيش أي أثر للتعب ولا السخونية اللي كانت مأثرة عليه امبارح.
مراد بص للكل بنظرة تخلي الدم يقف في العروق، وقال بصوته الجهوري اللي هز أركان القصر: “صباح الخير يا رجالة.. شكل فيه ناس هنا نست مين صاحب القصر ده ومين اللي بيمشي الكلمة!”
تامر بلع ريقه بصعوبة وتقدم خطوة ووشه مرعوب وبيحاول يداري توتره: “يا.. يا باشا.. حمد لله على السلامة.. كنا فاكرك.. سافرت!”
مراد ضحك ضحكة قصيرة وجافة، ورمى الملف الأسود على الترابيزة قدام تامر بقوة وقال: “سافرت عشان تسيبني وتبيع موانئ إسكندرية للشناوي يا تامر؟ مفكر إنك قدرت تخبي لعبتك عليا؟”
تامر وشُّه جاب ألوان الطيف، وعيونه جحظت في الملف الأسود اللي واقع قدامه، وابتسم بضحكة صفراء مهتزة وقال بصوت بيلطش: “ملف إيه ده يا باشا؟! دي.. دي أكيد أوراق مزورة! حد بيحاول يوقع بيني وبينك!”
مراد ما أداش لأكاذيبه فرصة، خطى خطوتين بطاء وثقال لحد ما وقف قدامه مباشرة، وقال بصوت واطي بس مرعب: “أوراق مزورة يا تامر؟ وكمان الشيكات اللي باسمك من حسابات الشناوي.. مزورة برضه؟ ولا تسجيلات صوتك وأنت بتتفق معاه على ساعة الصفر لتصفيتي؟ أحب أسمعها للرجالة هنا عشان يعرفوا مين الخائن اللي كان بياكل من عيشنا وبيبيعنا لأعدائنا؟”
الحراس اللي كانوا واقفين بصوا لتامر بنظرات كلها غضب واحتقار، وواحد منهم رجع خطوة لورا وكأن تامر بقى حامل لمرض معدي. الكفة مالت تماماً لمراد، وتامر حس إن الحبل بيضيق حوالين رقبته، وشك ورهبة الدنيا تجمعت في عيونه.
وفي اللحظة دي، مدام زينات كانت واقفة في جنب الصالة، رجليها مبقتش شايلينها، عينيها بتترعش وبتبص لمراد بخوف رهيب، كأنها مستنية دورها في الحساب.
مراد التفت ببطء ناحية زينات، وقال بصوت قاطع زي : “وأنتِ يا مدام زينات.. كنتِ فاكرة إنك لما تبقي العين التانية لتامر، هخفى عني حاجة؟ القصر ده مبيحمش خونة.. ولا ليكي مكان هنا تاني.”
تامر حس إن اللعبة خلصت، وشاط بغضب أعمى، وفجأة مد إيده بسرعة على جنبه وطلع مسدسه، ووجهه على مراد وهو بيصرخ بجنون: “مدام هي خربانة خربانة.. هخلص عليك يا مراد وأخد اللي أنا عاوزه بقوة السلاح!”
قبل ما إيد تامر تضغط على الزناد، كان فيه ومض سرعة ظهر من زاوية الصالة.. نور، اللي كانت واقفة بعيد بتراقب المشهد بقلب يدق بسرعة، ما ترددتش ولا ثانية؛ جريت بسرعة البرق، وبأقصى قوة عندها، ضربت صينية معدنية كبيرة كانت محطوطة على ترابيزة جنبها في دراع تامر اللي ماسك !
#حكايات_شروق_خالدالصينية خبطت دراع تامر بعنف، والمسدس طار من إيده وطلعت رصاصة طايشة طرشقت في السقف وعملت دوي فظيع هز أركان القصر كله. الحراس والحاضرين اتجمدوا من الصدمة، بس مراد الألفي ما استناش ولا ثانية واحدة.
بحركة سريعة وقوية، مراد على تامر زي الأسد اللي بيوقع ، ونزل فيه ضرب لحد ما ركعه على الأرض. في نفس اللحظة، الحراس فوقوا من صدمتهم وجريوا على تامر، ثبتوه على الأرض وكتفوا إيديه وراء ضهره بقسوة.




