
تاني يوم الصبح، الساعة كانت لسه سبعة. فتحت عيني ولقيت الأوضة هادية. بصيت ناحية السرير، لقيت أمل مرتبة الملايات ومنظفة المكان كأنه محدش قعد فيه أصلاً. الولاد كانوا صحيوا بس كانوا قاعدين بهدوء، وماسكين في فستانها.
لما شافتني صاحي، قربت مني بخطوات خجولة وقالت بصوت واطي: “صباح الخير يا فندم.. أنا جهزت كل حاجة، والولاد لبسوا.. ومستعدين نمشي عشان ما نسببش لحضرتك إزعاج تاني.”
بصيت للولد الصغير وهو بيبتسم لي ببرائة، والبنت وهي ماسكة لعبتها، حسيت بحاجة دافية جوه قلبي. “استني هنا دقيقة.”
دخلت غرفة التفتيش وطلعت بشنطة صغيرة فيها شوية حاجات خاصة بي كنت مستغنني عنها، ومعاها ظرف فيه مبلغ محترم يكفيهم شهور قدام لحد ما تقف على رجليها بجد. طلعت وحطيت الظرف في إيدها.
“ده مش تفضل مني يا أمل.. دي سلفة لحد ما تبدأي شغلك الجديد في فرع تاني من الفندقة هنا، وتكوني قررتي هتعملي إيه.”
أمل فتحت بوقها عشان تعترض، بس لما بصت في عيني سكتت، ونزلت دموعها بصمت وهي بتضغط على إيدي وقالت: “ربنا يبارك لك في عمرك يا بيه.. ويرزقك أضعاف اللي عملته عشاني وعشان عيالي.”
مشيت وسابت وراها أثر طيب لأول مرة يحس بيه الجناح الفاخر ده.
بعد ما خرجوا، قعدت على نفس الكرسي، ولقيت التليفون بيرن. كان مدير الأمن في الفندق بيسألني: “يا فندم، بخصوص الست اللي كانت تحت بالليل وعاملة قلق…”
قاطعته بنبرة قاطعة: “مفيش ست، ومفيش مشاكل.. الموضوع خلص تماماً، والملف ده اتقفل للأبد.. مفهوم؟”
سكت شوية وقال باحترام: “تمام يا فندم، أمرك.”
قفلت السكة، ووقفت قدام الشباك مرة تانية، وبصيت للشوارع الواسعة تحت، وحسيت إني لأول مرة من سنين طويلة.. حاسس إني إنسان حقيقي، مش مجرد رجل أعمال آلي.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
أيام قليلة عدت، ورجعت لشغلي ومشاغلي العادية، بس الجناح بتاعي مابقاش مجرد مكان بنام فيه بالساعات، بقى فيه ذكرى إنسانية دافية فضلت محفورة جوايا.
في يوم، وأنا قاعد في مكتبي بتابع الأوراق، باب الأفتتاح اتفتح ودخل مدير الشقق الفندقية وبصته كلها حماس: “يا فندم.. فكر الست أمل اللي ساعدتها؟”
رفعت عيني من على الملفات وسألته باهتمام: “مالها أمل؟ حصل حاجة؟”
ابتسم وقال: “لا خالص، دي حاجة تفرح.. هي استلمت الشقة اللي حضرتك وفرتها لها، ودخلت اختبارات إدارية في فرع الإدارة الرئيسي، وبسبب كفاءتها وخبرتها القديمة، اتقبلت النهاردة وبقت مسؤولة قسم الإشراف الداخلي في الفندق! وطلبت تقابل حضرتك بنفسها عشان تشكرك.”
حسيت بابتسامة واسعة اتلاقت على وشي لأول مرة من وقت طويل. قلت له بصوت هادئ: “خليه تقابلني دلوقتي.”
بعد دقايق، دخلت أمل المكتب، وكانت ملامحها منعكسة عليها ثقة الدنيا وفرحة ما تتكررش. كانت لابسة لبس الشغل الجديد بمهارة، وعيونها لمعت بالدموع أول ما شافْتني. قربت وراحت قايلة بصوت كله امتنان: “يا فندم.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللي عملته عشاني أنا وعيالي.. لولا حضرتك، كنا زماننا في الشارع.. حضرتك ما أنقذتناش من الطرد وبس، حضرتك رجعت لنا الأمل والحياة.”
وقفت من على مكتبي، وبصيت لها بابتسامة مشجعة: “أنا ما عملتش حاجة يا أمل.. كل اللي عملته إني فتحت الباب لشخص كان محتاجه بجد.. وأنتِ اللي أثبتِ كفاءتك واستحملتي.”
كملت كلامها وقالت: “الولاد بيسألوا عليك دايماً، وبيقولوا إن الراجل الطيب اللي ساعدنا هو بطل حكايتنا.”
ضحكت بصوت عالي، وحسيت إن الدفء اللي دخل قلبي يوم ما لقيتهم نايمين في سريري، رجع يملى الدنيا حواليا من جديد. ساعتها عرفت إن الخير عمره ما بيضيع، وإن المواقف الإنسانية البسيطة هي اللي بتترك الأثر الحقيقي في حياتنا، مش الفلوس ولا المناصب.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
قعدت على كرسي المكتب بعد ما أمل خرجت، وبصيت قدامي على الأوراق، بس دماغي كانت في حتة تاني خالص. افتكرت كلامها عن ولادها وإزاي بيعتبروني “البطل”، والجملة دي فضلت ترن في وداني.
في عالمي اللي كله أرقام وحسابات وصفقات، كنت دايماً باخد كل حاجة بالعقل والمنطق الصارم، ونسيت إن أحياناً كلمة طيبة أو موقف إنساني بسيط ممكن يغير حياة بني آدم ويقلبها من الضلمة للنور.
مسكت التليفون وكلمت السكرتير بتاعي: “بقولك يا محمود، جهز لي زيارة تفتيشية مفاجئة لفرع الفندق اللي شغال فيه قسم الإشراف الداخلي الجديد… وعايز أعرف خطة التوسعات الخاصة بسكن العاملين هناك أخبارها إيه.”
محمود رد باستغراب لطيف: “أمرك يا فندم، ثواني وتكون عندك الملفات كلها.”
قفلت السكة وأنا حاسس برضا غريب مكنش موجود من زمان. حسيت إن الفلوس اللي ربنا رزقني بيها ملهاش أي قيمة حقيقية لو ما كانتش سبب في ستر ناس محتاجة، أو فرحة طفلين لقوا حضن دافي يجمعهم بعد خوف.
فتحت أدراج المكتب ودخلت أيدي بالصدفة في كروت قديمة، ولقيت ورقة صغيرة كانت أمل كتبت عليها عنوانها القديم بخط إيدها المرتجف يوم ما دخلت الجناح. بصيت لها وابتسمت، وقلت لنفسي: “دي البداية بس… لسه فيه حكايات تانية كتير تستاهل إننا نفتح لها باب الأمل.”
قمت وقفت، وبصيت من شزاز البانوراما على شوارع مصر اللي كانت منورة بأنوار المساء، وحسيت إن قلبي بقى أخف بكتير، وإن بكرة شايل في طياته حاجات أجمل بكتير من كل اللي فات.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
بعد مرور شهر على اليوم ده، حياتي اتغيرت بطريقة ماكنتش أتوقعها. الفندق بقى مكان تاني بالنسبة لي؛ مبقاش مجرد مبنى ضخم ب أديره برقم مالي، بقيت ببص لكل عامل وعاملة نظافة بحترام وتقدير أعمق بكتير، وعرفت إن خلف كل يونيفورم قصة كفاح وتعب تستحق الاحترام.
وفي يوم الجمعة، كنت قاعد في البيت بشرب قهوة الصباح، ولقيت الباب بيخبط. فتخت، ولقيت قدامي أمل ومعاها فريدة ويوسف الصغيرين، وكانوا شايلين في ايدهم علبة شوكولاتة صغيرة ووردة بيضا.
أمل بصت لي بابتسامة دافية وقالت: “صباح الخير يا فندم.. عارفة إن ده مش ميعاد شغل، بس أنا والولاد حبينا نيجي بنفسنا نقول لك شكراً، وبنعتذر عن الإزعاج.”
يوسف الصغير رفع عينه وبص لي وقال بصوته البريء: “أنا جبت لك الوردة دي عشان أنت بطل حكايتنا.”
حسيت بغصة فرحة في ضلوعي، نزلت على ركبي قدام الولاد، وخدت الوردة من يوسف بحب كبير، وحضنتهم الاتنين وأنا حاسس إن السعادة الحقيقية مش في الملايين في البنك، السعادة في جبر الخواطر وإدخال السرور على قلوب مكسورة.
قمت وقفت وبصيت لأمل اللي كانت عيونها بتلمع بالدموع، وقلت لها: “أهلاً بيكم في أي وقت.. البيت بيتكوا، ويوسف وفريدة نوروا الدنيا كلها.”
ومن اليوم ده، تأكدت إن أطيب الحكايات مش اللي بنكتبها على الورق، دي الحكايات اللي بنعيشها وبنصنعها بإيدينا لما بنختار نكون بشر بجد.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
ودّعت أمل والولاد، وقعدت لوحدي في الصالون وفنجان القهوة في إيدي. بصيت للوردة البيضا اللي يوسف إدهالي، وحسيت إنها أثمن هدية جات لي في حياتي كلها.
في الوقت ده، فتحت اللابتوب بتاعي، وبدأت أكتب صفحة جديدة في حياتي؛ صفحة مش عن الصفقات والأرقام، لكن عن الإنسانية، وعن إزاي الصدف الصغيرة ممكن تقلب حياتنا وتخلينا نشوف الدنيا بعيون أرحم وأطهر.
قفلت اللابتوب وأنا ببتسم، وراسي مرتاح على المخدة وأنا متأكد إن أحسن الحكايات.. هي اللي بتبدأ بالرحمة وبتنتهي بالحب.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
حكاية في جناح الفندق
حكايات شروق خالد




