
تلاتاشر سنة عدت من اليوم اللي تركني فيه طليقي أنا وعيالنا التوأم، وفجأة لقيته واقف قدامي جنب رفيقته وابنهم في مسابقة تعليمية كبيرة على مستوى مصر.
رد فعله الأول كان العصبية والزعيق: “إزاي تجرؤي تيجي هنا؟”، بس بعد كام ساعة، ابنيّ الاتنين طلعوا على المسرح ولابسين الميداليات الذهبية، والراجل اللي تركهم وأهملهم طول السنين دي كلها، استوعب أخيرًا مين دول بالظبط.
أنا اسمي مريم، وما تقابلناش ولا اتكلمنا وش لوش من تلاتاشر سنة.
ساعتها شوفته واقف قدام مكتب التسجيل.
كانت هدى واقفة جنبه بكل برود، وابنهم لابس لبس مدرسة خاصة غالية أوي.
طارق لمحني.
“مريم؟”
لثانية واحدة، اتخض وبان عليه الذهول.
وبعدين ملامحه نشفت وعدّلت وشها.
“إنتي بتعملي إيه هنا؟”
هدى قربت بابتسامة سمجة.
“دي حفلة خاصة.”
قلت لها: “دي مسابقة على مستوى الجمهورية كلها، والاسم مكتوب صريح.”
طارق وطى صوته وقال بنبرة تحذير:
“إزاي تجرؤي تيجي هنا النهاردة.”
ناس كتير كانت واقفة جنبنا وسمعته.
اللي ما لاحظوش خالص، هما الشابين اللي عندي عندهم سبعتاشر سنة وكانوا واقفين ورايا بخطوات قليلة.
أو جايز يكون شافهم بس أهملهم وما عرفهمش أساساً.
آخر صوره طارق شافها لتوأمنا كانت يوم السبوع بتاعهم.
قلت بصوت ثابت: “أنا هنا عشان عيالي.”
ضحك باستهزاء وقال:
“عيالك إنتي؟”
عينه عدت على الولاد من غير ما يحس بأي حاجة ولا يفتكرهم.
“اليوم ده مهم لابننا.”
“وهو مهم لعيالي أنا كمان.”
ما حبيتش أطول معاه في الكلام.
تلاتاشر سنة من عيد ميلاد لعيد ميلاد، وكشوفات دكاترة، ومعارض علوم، وحفلات مدرسة، ومذاكرة للصبح، وعشا بيتي عادي، كل ده كان بيننا.
قلت للولاد: “يلا يا ولاد، التسجيل هيقفل كمان عشر دقايق.”
واحنا ماشيين، واحد من الولاد همس لي وقال: “يا ماما، هو ده… صح؟”
“أيوه.”
“أبونا؟”
“أيوه.”
ولا واحد منهم نطق بكلمة تانية.
ساعتها افتكرت إنهم مصدومين من المفاجأة.
بس طلعت غلطانة.
الساعة أربعة العصر، حفل توزيع الجوايز بدا.
ولما المذيع وصل لفئة الرياضيات التطبيقية، اسم ابني الكبير رنّ في القاعة كلها.
ميدالية ذهبية.
وما لحقتش أنفَس، لحد ما أعلنوا عن فئة العلوم.
ابني التاني كسب الذهب كمان.
وبعدين جه الإعلان الأهم.
أعلى مجموع جابه طالب على مستوى الجمهورية كلها.
أخين إتنين.
ميداليتين ذهب.
ونفس اسم العيلة.
التفتّ وبصيت لطارق.
كان قاعد بعيد عني بكم صف ورا.
قعدت أتفرج عليه وهو بيستوعب اللي بيحصل حتة حتة.
أولاً، سمع اسم عيلتنا بيتقال مرتين ورا بعض.
ثانياً، شاف الولاد الاتنين قايمين مع بعض.
وفي الآخر، ابني التاني طلع على المسرح وبص لي وابتسم.
كان واخد وش طارق بالحرف.
نفس العينين.
نفس الدقن.
ونفس التعبييرة.
راجل كان قاعد جنبنا مال على مراته وقال لها:
“مين الولاد دول؟”
هي بصت في الكتالوج وقالت:
“توأم عيلة الشريف، مامتهم هي اللي مربياهم لوحدها.”
وبعدين بصوت عالي شوية سمعته كل الناس اللي حوالينا، قالت: “بصراحة، الست دي تستحق جايزة لوحدها على اللي عملته.”
طارق سمع كل كلمة.
وشه جاب ألوان واتغير تماماً من الصدمة.
ده عيى وهو معدي جنب ولاده الصبح وما قدرش حتى يتعرف عليهم.
ودلوقتي الولاد اللي نساهم وتجاهلهم، واقفين وسط أشطر طلاب مصر.
واللي أكتر من كده، إن واحد منهم جاب مجموع أعلى من كل الطلاب اللي هنا—بما فيهم الواد اللي طارق جاي عشانه وبسببه.
وبعدين ابني نزل من على المسرح.
بس بدل ما يمشي ناحيتي، لف وشه.
ومشي دغري على طارق.
طارق وقف ببطء من مكانه.
ابني وقف قدامه، والميدالية الذهبية متعلقة في رقبته وبتلمع.
وبعدين مد إيده جوه الجاكيت وطلع ظرف مقفول.
وقال له بصوت هادي: “يا بابا، أنا وأخويا صار لنا تلاتاشر سنة مستنيين نديك ده.”
حكايات شروق خالد
فتح طارق الجواب وعينيه متسعتين من شدة الصدمة والخوف، وكأنه خايف يقرأ اللي جواه قدام مراته والناس اللي حواليه.
ايديه كانت بتترعش شوية وهو بيفتح الورقة اللي جوه الظرف.
لقى قدامه قرار وصية قديم وصور لشهادات ميلاد التوأم الموثقة بأسماءهم الحقيقية، ومعاهم ورقة مكتوبة بخط إيد واحد من الولاد.
نزل عينه على الكلام اللي مكتوب بخط واضح وحاسم:
“تلاتاشر سنة يا بابا وإنت فاكر إنك قدرت تمسحنا من حياتك وتبدأ حياة جديدة مع عيلتك التانية.. تلاتاشر سنة واحنا بنشوف أمنا بتشيل مسؤوليتنا لوحدها وبتعمل المستحيل عشان تطلعنا رجالة.. الجواب ده مش جاي عشان نطلب عطفك ولا عشان ترجع لنا.. الجواب ده بيأكد لك إننا عشنا وبقينا أحسن بكتير من غير ما نحتاج لك في يوم.. وإحنا بننهي علاقتنا بيك للأبد بالاسم اللي شرفناه لوحدنا من غير فضلك.”
طول القاعة كان هادي تماماً، وكأن الكل كان مستني اللحظة دي.
هدى بصت لطارق بعيون مليانة استنكار وغضب وهي مش مصدقّة اللي بيحصل قدامها، والناس حواليهم بدأت تهمس بصوت عالي.
طارق رفع عينه وبص لولاده اللي كانوا واقفين جنبه بكل هيبة وفخر، والميداليات الذهبية بتلمع في صدورهم، وكل ملامح وجههم بتصرخ باسم الحقيقة اللي هرب منها سنين طويلة.
ابني الكبير بص له بابتسامة هادية وقال: “مبروك لابنك الجايزة اللي خدها في الآخر.. بس متأكد إنه لو كان نافسنا، مكنش هيشم الهواء أصلاً.”
لفت ضهري للراجل اللي أوجعني زمان وتركني، وخدت ولادي في إيدي، وطلعنا من القاعة، ورأسنا مرفوعة للسماء.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
الناس في القاعة فضلت باصة علينا والهمس كتر حواليهم، وطارق فضل واقف مكانه زي اللي مصدوم بصدمة قوية مش قادرة تنطقه حرف.
هدى بصت له بنظرة مليانة لوم وعصبية، وابنها اللي كان لابس لبس المدرسة الخاصة انكمش على نفسه من الإحراج والكسفة قدام زمايله وأهاليهم.
أنا مسكت إيد ولادي الاثنين، وحسيت إن التلاتاشر سنة اللي فاتوا بكل تعبهم وسهرهم ولياليهم الصعبة، اتحولوا في اللحظة دي لعزة نفس وفخر ما يتمنوش بعده حاجة تاني.
خرجنا من القاعة وإحنا ماشيين بخطوات ثابتة وراسنا مرفوعة، والهواء البارد של برا القاعة كان دافي على قلوبنا.
ولادي بصوا لي في نفس اللحظة وضحكوا ابتسامة صافية، وقالوا لي بصوت واحد: “عملناها يا أمي.. ورفعنا راسك فوق.”
حضنتهم وأنا حاسة إن الدنيا كلها بقت في إيدي، ونسيت كل ألم السنين اللي عدى، لأن الرب اللي بيربي ما بيضيعش تعب أبداً.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
وفي عربية العيلة اللي كنا مؤجرينها عشان نوصل بيها للمسابقة، ركبنا وإحنا حاسين إن الهواء برة القاعة بقى أخف وأطهر بكتير.
طول الطريق لمصر، العربية كانت هادية، بس السكون ده ماكنش فيه أي توتر، كان سكون راحة واطمئنان بعد معركة طويلة كسبناها من غير ما نضرب ولا طلقة، كسبناها بالتعب والصبر والنجاح.
لما وصلنا البيت، فتحت الباب ودخلنا، وكأن الشقة الصغيرة دي نورت بأسامي ولادي وبالميداليات الدهب اللي بتلمع على ترابيزة الصالون.
ابني الكبير حط الميداليات جنب بعض وضحك وقال: “تفتكري يا ماما.. لو كان شافنا واحنا بندرس تحت لمبة الجاز وقت قطع النهر، ولا واحنا بنطبق الليل بالنهار، كان هيعرف يعمل زليوناية من اللي عملناها دي؟”
رديت عليه وأنا بمسح دمعة فرحة نزلت غصب عني: “يا حبيبي، إنتوا طلعتوا رجال لوحدكم، وربنا هو اللي كان وكيلكم ووليكم.. واللي ليه ضهر زيكم ما ينكسرش أبداً.”
تاني يوم الصبح، حسيت إن الدنيا اتغيرت تماً.
تليفوني بدأ يرسل رسائل وناس كتير من الجيران والأهل اللي كانوا عارفين قصتنا وشافوا التعب اللي عشته سنين طويلة، كلمونا وباركوا لنا.
والصفحة اللي كنت بنشر عليها حكاياتي وتجميعاتي للقصص الناس فيها تفاعلت بشكل جنوني مع صورة الولاد وهما على المسرح.
أما عن طارق.. فسمعت من بعيد إن حياته اتقلب فوقاني تحتاني.
هدى سبته بعد الإحراج اللي حصل قدام كل الناس في المؤتمر، وابنهم دخل في حالة نفسية من كتر ما اتقارن بولادي اللي محوا اسمه في الكشوفات الرسمية.
لكن أنا، ولأول مرة من تلاتاشر سنة، حسيت إني مش محتاجة أبص ورايا تاني.
الماضي انتهى ومبقاش ليه مكان، والمستقبل كله بقى قدام ولادي.. حكايات جديدة، وبدايات تانية، وتاج من العز والفخر على راسي أنا وبس.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
قعدت على الكنبة جنب ترابيزة الصالون، وبصيت للميداليات الدهب وهي بتلمع في النور الهادي، ولقيت شريط السنين كله بيمر قدام عيني في دقايق.
افتكرت أول يوم دخلت فيه الشقة دي وأنا شايله التوأم على دراعي، لوحدي، وخايفة من بكره.
افتكرت الديون، وكسرة النفس، وليالي البكاء والحسرة، ولحظات اليأس اللي كنت بقعد فيها أكلم نفسي وأقول: “يا رب، أنا مليش غيرك، قويني عشانهم.”
وفعلاً، ربنا ما كسرتنيش.
ابني الصغير جه وقعد جنبي على الكنبة، وحط راسه على كتفي وقال بصوت دافئ: “يا ماما، خلاص، الصفحة دي اتقفلت ومش هتنفتح تاني.. إحنا بقينا رجالة، ومش هنخلي حاجة تزعلك بعد النهاردة أبداً.”
بسته في راسه، وحسيت بحضنه الدافي بينسيني كل ألم السنين اللي عدت.
رديت عليه بابتسامة طالعة من قلبي: “طول ما أنتوا في ضهري، أنا أقوى ست في الدنيا يا حبيب أمك.”
التليفون على الترابيزة رن بصوت عالي، بصيت فيه لقيتها رسالة من واحدة من المتابعات على صفحتي بتقول لي: “قصة ولادك النهاردة هي أحسن وأجمل قصة كتبتيها يا شروق.. دي مش مجرد حكاية بنقراها، دي حياة حقيقية وعبرة لكل ست مفكرة إن الدنيا اتقفلت في وشها.”
ابتسمت وأنا بمسح دمعة فرح جديدة.. يمكن السنين اللي فاتت كانت صعبة وقاسية، بس النهاية دي كانت تستاهل كل دمعة وكل تعب.
فتحنا صفحة جديدة، صفحة مفيهاش ألم ولا فراق، فيها بس بكرة أحلى، ومستقبل مشرف، وحكايات جديدة هنكتبها سوا أنا وولادي بكل فخر.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
جبروت الصبر وعظمة الأم..
حكايات شروق خالد


