روايات وقصص

جواب صاحب الفستان الأزرق#حكايات_شروق_خالد

“بتعملي إيه على الكرسي بتاعي؟”

البت الصغنونة ولا اتهزت ولا اتخضت، رفعت عينيها العسلي الواسعة فيه وهي كابسة على القلم بإيدها الصغيورة، والحبر مبهدل صوابعها على الآخر.

همست بصوت واطي خالص: “بكمل لها الجواب بتاعها..”

سليم الألفي حس برعشة تلج نازلة تضرب في صدره: “جواب مين يا بت؟”

البت بصت للكشكول المفتوح في حجرها، ورجعت رفعت عينها له تاني، ونزلت صوتها أكتر وأكتر كأنها بتقول سر خطير: “صاحبة الفستان الأزرق..”

مفيش بني آدم في البرج ده كله يعرف أي حاجة عن صاحبة الفستان الأزرق.. ولا حد على وش الأرض حي! سليم بقاله 3 سنين كاملين مانطقش الاسم ده ولا جاب سيرته بصوت عالي، ولا حد من الشغالين ولا الموظفين يسمع عنه. إزاي بت عندها 3 سنين تعرف السر ده؟!

برج الألفي كان طالع 81 دور في قلب القاهرة، إزاز وحديد بيبرقوا تحت شمس الصبحية. وفي الدور الأخير خالص، ورا أبواب مش بتفتح غير ببصمة وكارت سر، كان المكتب الخاص بـ “سليم الألفي”، رئيس مجلس إدارة مجموعة الألفي، واحد من أتقل وأغنى رجال الأعمال في مصر اللي محدش يعرف شكلهم أوي.. وهو كان حاببها كده.

المكتب مفرقتش فيه قشة من 3 سنين؛ لا الأرفف، ولا الكرسي الجلد اللي جنب الشباك، ولا الساعة النحاس الصغيورة اللي على المكتب واللي كانت دايماً متقدمة دقيقتين.. عشان هي كانت بتحب كده وتقول له: “المشوار لما تروحه بدري دقيقتين، ده ذوق واحترام للي مستنيك”.

محدش كان يجرؤ يلمس الرف ده ولا يجيب إيده ناحية الساعة. العمال والموظفين اتعلموا الحوار ده من أول أسبوع.. المكتب ده كان زي المتحف، مالوش غير زائر واحد هو سليم؛ يدخله 6 الصبح وما يخرجش غير بعد نص الليل، يطحن نفسه في الشغل عشان ما يسيبش ثانية واحدة للحزن يونسّه.

تحت المكتب بتلات أدوار، في الممر بتاع العمال، كانت “رضوى” سانده ظهرها على الحيطة وقافلة عينيها وبتدعي من قلبها: “يارب سترُك.. يارب عدّي اليوم ده على خير، يا ندى اسمعي الكلام النهاردة بس.”

بصت “ندى” لأمها بهزة رأس جادة أوي ما تطلعش غير من بت عندها 3 سنين، وقالت بهمس: “حاضر يا مامي، هكون شاطرة ومش هعمل صوت.”

رضوى مكانتش مخططة خالص تجيب بنتها معاها الشغل، دي مخالفت كل القواعد اللي في الدنيا، وهي موقعة على ورقة من أول يوم استلمت فيه إن ده ممنوع بتاتاً. بس الست اللي بتراعيها كلمتها 5:30 الصبح وصوتها بيرتعش وتقول لها المطبخ اتقلب مية والمواسير ضربت.. وأم رضوى في البلد في الصعيد بعيد عنها، ومكانش قدامها أي حل تاني، أم مطلقة ومحلهاش اللضا وخايفة على أكل عيشها.

جابت شنطة صغيرة حطت فيها ألوان وكراسة وعصير، ونزلت على ركبتها قدام ندى: “هتقعدي هنا جوة الأوضة دي، أنظف أوضتين أوانطة كده ونمشي على طول، ماشي؟”

قالت ندى بصوت واطي أوي: “لعبة السكوت.. أقعد ساكتة وصغيرة خالص وما أعملش صوت لحد ما مامي ترجع.”

رضوى باست رأس بنتها، وظبطت التوكة الوردية في شعرها، وسابت باب الأوضة موارب سِنة بسيطة عشان ما تخافش من الضلمة، وراحت تشوف شغلها.

بس المصيبة إن تليفون رضوى رن بعد 11 دقيقة بالضبط.. صاحب البيت بيكلمها عشان الإيجار المتأخر 3 أيام. صوتها بدأ يعلى وهي بترجوه يصبر عليها، واتتحركت خطوتين في الممر بعيد عشان صوتها ما يرنش.. وفي اللحظة دي بس، ندى زهقت من القعدة لوحدها، وزقت الباب الموارب وخرجت.

تمشت ندى بفضول العيال الصغيرة، عدت على ممرات طويلة وصور ما تعرفهاش، ومطبخ مليان معالق فضة بتلمع، لحد ما وصلت لباب مفتوح يدخل منه شمس ربنا كلها. وجوة الأوضة شافت أجمل كرسي في حياتها.. كرسي جلد أسود كبير أوي زي الكراسي اللي في الحواديت اللي أمها بتحكيها لها بالليل. طلعت قعدت عليه من غير ما تفكر، وهناك شافت الكتاب!

كان مركون على الرف جنب المكتب، بارز لبرة شوية كأن حد سحبه وما كملش. ندى ما بتعرفش تقرأ، بس شكل الكتاب ولونه الزيتي فكروها بحدوتة أمها بتحكيها لها دايماً وهي بتنيمها.. حدوتة عن “ست جميلة بتحب الفستان الأزرق، وكانت بتكتب جواب بس مكملتوش، ومستنية حد شاطر يساعدها تكمله لما الراجل الزعلان يهدى.”

ندى مكانتش تعرف إن دي مش حدوتة، مكانتش تعرف إن أمها شايلة سر تقيل قوي ومخبياه في شكل قصة عشان تقدر بس تتنفس وتقوله. كل اللي ندى عرفته إن الكتاب شكله مستني حد يساعده، فمدت إيدها الصغيورة وسحبته، فنزلت منه ورقة مطوية.. ورقة قديمة ومكرمشة من الجناب، بخط إيد هادي واقف في نص الصفحة.

سحبت ندى القلم الفلوماستر اللي بيلصق جليتر من الشنطة، وقعدت على الكرسي الكبير، فتحت كراستها وحطت الورقة القديمة جنبها، وبدأت بشغف وشخبطة صغيرة عشان “تساعد”.

كانت بتهز رجليها وهي بتكتب وتدندن أغنية صغيرة من بتوع المطبخ، لما اتفتح الباب ودخل سليم وهو بيتكلم في التليفون، وفجأة سكت تماماً.. اتجمد مكانة في الباب وهو باصص لبت صغيورة قاعد على الكرسي اللي ممنوع حد يقرب منه، وماسكة ورقة بخط إيد بقاله 3 سنين بيحاول ينساه وما قادرش!

نزل سليم التليفون وقال بصوت واطي ومصعوق: “مين اللي دخلك هنا؟”

رفعت ندى عينيها بثبات وما خافتش منه خالص. سليم بص للورقة اللي في حجرها، وحس بقبضة وحصرة في قلبه.. ده خط إيد “فريدة” مراته الله يرحمها! 3 سنين بيحاول يهرب من الذكريات، والنهاردة الخط طالع له في إيد بت صغيورة.

سألها بنبرة حادة وخشنة غصب عنه: “جبتي الورقة دي منين؟”

غطت ندى الورقة بإيدها كأنها خايفة عليها: “كانت جوة الكتاب ده..” وشاورت على الكتاب الزيتي.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى