روايات وقصص

رسالة بالخطأ.. حكايات شروق خالد

في الثانية عشرة من عمري، أرسلت رسالة نصية واحدة مليئة باليأس أطلب فيها من خالتي مائتي جنيه لأن أخي الصغير كان يبكي من الجوع ولم تكن هناك قطرة لبن واحدة في ثلاجتنا. راجعت الرقم ثلاث مرات قبل أن أضغط على زر الإرسال، ولكن بطريقة ما أخطأت فيه، ووصلت رسالتي إلى هاتف كمال الألفي، أحد أكثر رجال الأعمال ونفوذ المنطقة هيبة وإخافة في القاهرة.
اسمي مريم، وبحلول عامي الثاني عشر، كنت قد فهمت بالفعل أموراً لا ينبغي للأطفال أن يفهموها.
كنا نعيش في شقة متهالكة على أطراف القاهرة حيث يتسلل برد الشتاء عبر الشقوق حول النوافذ. في بعض الليالي، كنت أذهب إلى السرير متسائلة ما إذا كان الصباح سيجلب طعام الإفطار أم مطبخاً فارغاً آخر.
كانت أمي تعمل في تنظيف البيوت لتكسب عيشنا.
كانت تغادر قبل شروق الشمس وغالباً ما تعود بعد حلول الظلام بأقدام متعبة، ويدين خشنين، وظهر يؤلمها باستمرار. ومع ذلك، بطريقة ما، كانت تدخل من باب الشقة وهي تبتسم لأنها لم ترغب أبداً في أن أرى أنا وحسن كم كانت خائفة.
كان حسن أخي الصغير البالغ من العمر سنة واحدة.
لم يكن يفهم الفواتير المتأخرة أو الخزائن الفارغة.
كان يفهم شيئاً واحداً فقط: عندما تؤلمه معدته.
بعد ظهر ذلك اليوم، بدأ يبكي.
لم يكن يتذمر.
ولم يكن يشكو بضجر.
كان يبكي من الجوع.
ضممته إلى صدري وأخذت أهزه برفق.
“لا بأس يا حسن.. سأجد شيئاً لك.”
لم تكن لدي أي فكرة كيف.
ومع ذلك، حملته إلى المطبخ وبحثت.
فتحت الخزائن مرة.
ثم مرتين.
ثم للمرة الثالثة، وكأن الطعام قد يظهر بطريقة ما لمجرد أنني كنت بحاجة إليه بشدة.
لا شيء.
فحصت الأدراج.
كانت فارغة.
وأخيراً، فتحت الثلاجة.
لمس الهواء البارد وجهي.
هذا كل ما كانت تحتويه.
حدقت في الداخل بينما كان حسن يبكي على كتفي، وارتفعت غصة في حلقي. كنت أرغب في الجلوس على أرضية المطبخ والبكاء معه، لكنني لم أستطع.
إذا انهرت، فمن سيواسيه؟
ثم تذكرت خالتي ولاء.
لم تكن تمتلك الكثير هي الأخرى، لكنها أحياناً كانت تساعد أمي عندما تصبح الأمور يائسة. قد لا تبدو المائتا جنيه وكأنها شيء مهم لأشخاص آخرين، لكنها في ذلك بعد الظهر بدت وكأنها الفارق بين أن يأكل أخي أو يبقى جائعاً.
وجدت هاتف أمي القديم على المنضدة.
كانت شاشته مكسورة، واستغرق وقتاً طويلاً جداً للاستجابة، لكنه كان يعمل.
كانت أصابعي ترتجف وأنا أكتب:
“خالتي ولاء، هل يمكنك إرسال 200 جنيه لي؟ أحتاج لشراء لبن لحسن. أعدك بأنني سأردها لك. أرجوكِ.”
قرأت الرسالة ثلاث مرات.
كان طلب المساعدة يحرجني، خاصة وأنني لا أملك شيئاً أرده به. لكن صرخات حسن أصبحت أضعف، وأصبح الإحراج فجأة ترفاً لا أملكه.
تحققت من الرقم.
ثم ضغطت على إرسال.
بضع ثوانٍ، ولم يحدث شيء.
وضعت الهاتف جانباً وقبلت جبين حسن.
“ستساعدنا.”
ثم اهتز الهاتف.
قفز قلبي.
التقطته، متوقعة رؤية اسم خالتي ولاء.
بدلاً من ذلك، ظهر على الشاشة رقم غير مألوف.
احتوت الرسالة على بضع كلمات فقط:
“مريم، من هو الطفل حسن؟”
سقطت معدتي.
تحققت من الرقم مرة أخرى.
كان هناك رقم واحد خاطئ.
لم أرسل الرسالة إلى خالتي ولاء.
وأنا في حالة ذعر، كتبت: “أنا آسفة. رقم خاطئ. يرجى تجاهله.”
جاء الرد تقريباً على الفور:
“انتظري.”
تجمدت في مكاني.
ظهرت رسالة أخرى:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى