
المدير حس إن الموضوع كبر وإن صورته قدام الناس أو حتى قدام زملائها هتتأثر. بلع ريقه، وبص للورق، وقال بصوت متوتر: “يا أستاذ.. اهدا بس.. إحنا مجرد بنطبق اللوائح الداخلية عشان الحفاظ على سمعة المؤسسة…”
“لوائح إيه؟” قاطعته. “اتصل دلوقتي، وألغِ قرار الفصل، واعتبرها إجازة عارضة بسبب ظروف طارئة، والإنذار يتشال من ملفها!”
قعد يبص لي شوية، وبعدين فهم إن مفيش فرصة للهروب. مسك التليفون الأرضي واتصل بشؤون العاملين قدامي وقالهم بالحرف:
“ألغوا قرار فصل الممرضة [اسمها] فوراً.. واعتبروا الموضوع خطأ مطبعي في التقرير الإداري.”
لما طلعت من عنده، كنت حاسس إن روحي ردت فيا. رجعت المحل أجري، لقيتها قاعدة بتعيط بس المرة دي عياط راحة وفرج.
قلت لها وأنا ببتسم: “قومي يا ست الكل.. روحي لبتك واطمني، مفيش فصل، ومفيش مشاكل.. ولو جوزك احتاج يعرف الحقيقة، ابعتيهولي المحل وأنا هفهمه الحكاية بنفسي.”
قامت مسكت إيدي وهي مش قادرة تبطل شكر ودعاء.
في نفس اليوم بالليل، بعد ما قفلت المحل وروحت، حسيت إن بالرغم من إن الدنيا قاسية والناس بقت أحياناً تتسرع في أحكامها.. لسه فيه بريق أمل صغير بيلمع.
تاني يوم، لقيت على الكاشير كيس صغير فيه علبة بسكويت صغيرة وشاي، وتحتها ورقة جديدة بخط أطفال أكبر شوية:
“الملاك بتاعي.. ماما رجعت بتضحك تاني ومش زعلانة.. شكراً يا عمو.”
ابتسمت وأنا بعلق الورقة الجديدة جنب التانية، وعرفت إن مهما ضاقت، كلمة حلوة بتبني جبل من الفرح في قلب مكسور.. وإنسانيتنا هي الحاجة الوحيدة اللي باقية لنا في الدنيا دي.
تاني يوم الصبح بدري، قبل ما أفتح المحل حتى، لقيت ظل واقف قدام الإزاز من بره.
رفعت راسي، لقيتها هي.. نفس الست، بس المرة دي لابسة لبس الخروج العادي مش الزي الأزرق. وعينيها مكنش فيها دمعة تعب.. كان فيها قلق واضح.
جريت فتحت الباب بسرعة: “خير يا أستاذة؟ في إيه؟”
دخلت وهي بترتجف، وقفلت الباب وراها بسرعة وكأنها خايفة حد يكون ماشي وراها. حطت على الكاشير ظرف أبيض مقفول.. وطلعت كيس الصيدلية القديم، بس طلبت مني بصوت واطي ومتقطع:
“أنا آسفة.. أنا آسفة جداً إني جيت أزعجك.. بس أرجوك اقرأ اللي في الظرف ده، ولو تقدر تساعدني.. أنا مليش غيرك.”
فتحت الظرف باستغراب، وطلعت منه ورقة مطبوعة بختم رسمي.. وورقة تانية مكتوبة بخط اليد:
الأولى كانت “إنذار بالفصل” من المستشفى الاستثمارية اللي شغالة فيها. والتانية.. فاتورة من صيدلية تانية بمبلغ ألفين جنيه، مديونية متأخرة على حساب علاج بنتها اللي عندها مشكلة صحية مزمنة في الكلى.
“إيه ده؟” بصيت لها وأنا مش فاهم حاجة.
عيناها دمعت تاني، وقالت بصوت مكسور:
“التورتة الغالية دي.. لما روحت البيت امبارح فرحت بنتي جداً، وجه جوزي شافها.. بدل ما يفرح، اتفاجئ جداً! قعد يسألني ويقول لي: منين جبتي تورتة بالسعر ده؟ إنتي بتخبي عليا حاجة؟ إنتي ليكي علاقة بحد في الشغل؟.. مفكر إني باخد هدايا مقابل خدمات أو ليا مصالح تانية عشان أجيب تورتة شكلها غالي أوي كده!”
قلبي سقط في رجلي.
كملت وهي بتعيط بحرقة:
“وصورة التورتة نزلت على جروب الواتساب بتاع الشغل.. واحد من الزملاء شافها وكتب عليها تعليق مش مناسب: طالما الممرضات معاهم فلوس يجيبوا تورتات بالمستوى ده، يبقى مفيش داعي لصرف سلف طبية ولا مساعدات للعمال! والإدارة أخدت التعليق ده، وطلعت قرار فصلي بحجة تضارب المصالح وإن عندي مصادر دخل غير معروفة!”
اتوترت. حسيت بكتلة صخرية نزلت على صدري.
أنا كل اللي عملته إني حبيت أستر عليها وأفرح طفلة بريئة في عيد ميلادها.. من غير ما أنتبه إن الفقر في عيون بعض الناس بقى تهمة. لو حد شاف تورتة غالية مع واحدة ظروفها صعبة، محدش بيفكر إنها هدية.. الناس دايماً بتفسرها على أسوأ احتمال ممكن.
بصيت لها وأنا مش عارف أقول إيه: “يا نهار أبيض.. أنا السبب! أنا اللي أذيتك من حيث لا أدري!”
“لا يا أستاذ.. أنت كنت طيب،” مسحت دمعتها بطرف كمها. “بس الناس.. الناس مبقاش عندها إحساس بالرحمة. كل حاجة تفسيرها سيء، ومحدش بيصدق إن فيه حد ممكن يعمل خير لوجه الخير.”
سكتُّ لحظة وأنا باصص لورقة الفصل، وبعدين بصيت لرسالة بنتها الصغيرة اللي كانت متعلقة على الكاشير: “قالت لي إن فيه ملاك عمل التورتة دي.”
ابتسمت بمرارة وسط المشكلة، وقلت لها بصوت حازم وثابت:
“بصي لي كويس.. سيبي الظرف ده عندي، واقعدي هنا استريحي واشربي شاي.. أنا هقفل المحل ساعة واحدة، وهروح بنفسي لمدير المستشفى ده، ولو اقتضى الأمر أجيب فاتورة شراء التورتة الأصلية وأي إثباتات، هثبت لهم إن التورتة كانت هدية مني ليكي.. مش مقابل أي حاجة!”
رفعت عينيها فيا، وفي اللحظة دي.. وسط كل القلق والظروف الصعبة اللي حوالينا، رجعت لمعة الأمل تنور في عينيها من تاني.
#حكايات_شروق_خالد
بعد مرور أسبوعين على الليلة اللي غيرت كل حاجة، المحل كان هادي والدنيا ماشية كالعادة. الورقتين بتوع الطفلة لسه متثبتين على الكاشير، وكل زبون بيدخل ويبص عليهم كان بيبتسم من قلبه.
حسيت إن الحكاية خلصت على كده، وإن الأمور رجعت لنصابها الطبيعي والست رجعت لشغلها ولبنتها.
لكن الصبح، وأنا بفتح باب المحل، لقيت ظرف تحت الإزاز.. مش ورقة كشكول المرة دي، ده ظرف رسمي من شركة شحن كبرى.
استغربت وفتحته بإيد بتترعش شوية.. ليكون في موضوع جديد؟
كان جوه الظرف كارت شكر أنيق مكتوب بخط اليد، ومعاه شيك بمبلغ محترم جداً، ورسالة قصيرة من إدارة مستشفى تانية كبرى في القاهرة.
قرأت الجواب وعيني وسعت من الفرحة:
“إلى صاحب محل الحلويات الذي أعاد الأمل إلى قلب أم كانت تمر بظروف صعبة..
لقد علمنا بالقصة الكاملة لما حدث مع الممرضة الفاضلة (والدة الطفلة ملك)، وكيف وقفت بجانبها في وقت ضيقها بصدق وشهامة. إن مستشفانا يفتخر بوجود أناس مثلك، ويسعدنا أن نعلن عن تكفلنا الكامل بعلاج طفلتها الصغيرة مجاناً حتى تتحسن حالتها تماماً، بالإضافة إلى تقديم منحة دراسية كاملة لها حتى الجامعة.
وقد تواصلنا مع والدتها وعرضنا عليها العمل في مستشفانا براتب يضاعف راتبها القديم، تقديراً لجهودها وأمانتها التي شهد عليها الجميع.”
نزلت دمعة من عيني من غير ما أتحكم فيها، بس المرة دي كانت دمعة فرحة مش حزن.
جريت على برة، وبصيت في الشارع.. ولقيتها هناك!
كانت واقفة على الناحية التانية من الشارع، ماسكة إيد بنتها الصغيرة “ملك” اللي كانت لابسة فستان جديد وبتلوح لي بإيديها الاتنين وهي بتضحك ضحكة من قلبها.. ضحكة ولا كأن هموم الدنيا كلها كانت موجودة امبارح.
الأم مدت إيديها في شنطتها، وطلعت علبة صغيرة مغلفة بشريطة حمراء، وشاورتلي بيها وكأنها بتقول:
“المرة دي.. أنا اللي جبت التورتة!”
ابتسمت، ورفعت إيدي أسلم عليها، وفهمت ساعتها إن أجدع حاجة ممكن الإنسان يعملها في حياته هي جبر الخواطر.. لأن الكلمة الطيبة والجدعنة في وقت الضيق مش بس بيصلحوا حاجة مكسورة، دي بتفتح أبواب رزق وفرحة محدش كان يتخيلها.
رجعت دخلت المحل، وبصيت للورق اللي على الكاشير، وقلت لنفسي بصوت عالي:
“لسه الدنيا بخير.. ولسه الملايكة ماشيين بيننا على الأرض.”
ملاك على شكل تورتة
#حكايات_شروق_خالد



