
من صُبح ربنا، وعلى مدار 412 يوم، كان فيه شاب عنده 17 سنة بيعدّي يدفع حق الشاي والقهوة للعربية اللي وراه في “الدرايف ثرو”. هي هي نفس الممرضة، ونفس الحساب بـ 45 جنيه. لحد في يوم.. ماظهرش.
الممرضة نزلت زجاج عربيتها، وبصتلي وقالت بقلب مقبوض: “هو ابني فين؟”
والمشكلة إن لا أنا ولا هي كنا نعرف حتى اسمه.
اسمي زينب عبد التواب، والكل بيناديوني “أم حسن”.
عندي 58 سنة، وشغالة على شباك القهوة من الساعة 5 الصبح في كافيه صغير على طريق الإسماعيلية الصحراوي، بقالي إحدى عشرة سنة.
الواحد في الشغلانة دي بيعرف الزبائن من عربياتهم..
السباك بشاحنته البيضاء..
التوأم بصوتهم اللي مالي الميكروباص العائلي..
والشاب اللي راكب “فيات 128” خضراء قديمة ومتهالكة.
بدأ ييجي من شهر سبتمبر اللي فات.. شاب نحيف، لابس “سويت شيرت” رمادي، ولازق استيكر مدرسة الثانوية على الإزاز.
يدخل يطلب نسكافيه صغير، وقبل ما يتحرك.. يبص في المراية اللي وراه نظرة غريبة تخلي الواحد يستغرب.
ويقولي بصوت هادي: “أي حاجة العربية اللي ورايا تطلبها.. حسابها عندي يا ست أم حسن.”
أول مرة قلت عيل ابن حلال.
تاني مرة.. ركزت.
العربية اللي وراه كانت “هيونداي فيرنا” فضي مجروحة، فيها ست باين عليها التعب، لابسة “سكرب” أزرق غامق، وكارنيه المستشفى متعلق في صدرها، وطالبة كوباية شاي باللبن بـ 45 جنيه.
في المرة التالتة.. فهمت الحكاية\!
الواد ده مكنش بييجي بالصدفة.. ده كان قاعد مستنيها أصلاً\!
يركن عربيته عند محطة بنزين الناحية التانية، ومحرك عربيته شغال. وأول ما يشوف عربيتها الفيرنا بتلف وتدخل الكافيه، يسبقها هو على الطابور ويقف قدامها مباشرة.
كل يوم دراسة.. وبقاله أكتر من سنة على الموال ده.
يدفع الحساب.. ويمشي بعربيته قبل ما هي توصل للشباك.
وأنا أقولها: “الواد اللي قدامك دفع الحساب”، فتبتسم وتقول: “الواد ده تاني، ربنا يهديه.”
وجه يوم عيد ميلادها في شهر سبتمبر.. جه كالعادة وناولني كيكة صغيرة عليها شمعة، وقالي: “دي ليها.. وكل سنة وهي طيبة.”
ساعتها، من غير ما أفسر إحساسي، طلعت الموبايل وصورته صورة سريعة من الشباك.. لقطة سريعة خطفتها عيني، بس فضلت محفورة في ذاكرتي.
سألته مرة وأنا بدي له الباقي:
“قولي يا ابني.. هو أنت تعرفها؟”
مد إيده وطلع ورقة بسبعين جنيه وقالي بصوت هادي:
“يعني.. مش قوي.”
وطلع اتحرك بعربيته.
عم كرم المدير.. كان متضايق من الموضوع.
قالها قدامها في يوم: “يا دكتورة، الولد ده مش مريحني.. شكله بيراقب عربيتك، وياريت تاخدي بالك.”
بصت له بهدوء وقالت: “بيشتري لي شاي يا عم كرم.. ومحدش عمل معايا الحركة دي من سنين.”
تاني يوم.. الفيات الخضراء كانت واقفة في مكانها.
لحد ما جه يوم ثلاثاء.. الجو كان بارد جدًا والشبورة كثيفة ومش مخليانا شايفين شبر قدامنا.
والفيرنا وصلت.. في ميعادها بالدقيقة.
الممرضة نزلت زجاج العربية وبصت ورايا على الطريق الفاضي، وقالت بصوت مهدود: “هو ابني مجاش النهاردة ولا إيه؟”
قلت لها بخفوت: “مجاش خالص.. دي أول مرة من سنة بحالها.”
دفعت حق الشاي بنفسها، وكان شكلها قلقان وغريب.
يوم الأربعاء.. ماجاش.
ويوم الخميس.. برضه ماجاش.
وفي يوم الجمعة.. جت في الطابور وشكلها متعب، كأنها ما نامتش.
قالت بصوت مرتعش: “لسه مظهرش؟”
هزيت راسي بحزن.
أمسكت دركسيون العربية وقالت بصوت مكسور: “أنا حاسة إن فيه حاجة حصلت.”
وسكتت ثانية وكملت بقلق واضح:
“دخلتنا حالة إمبارح بالليل في العناية المركزة.. حادثة على الدائري، ولد عنده 17 سنة.. ولحد دلوقتي فاقد الوعي.”
بلعت ريقها بالعافية وقالت: “أنا مش في قسمه، أنا في قسم تاني.. بس شفته من وراء الزجاج.”
قلت لها بقلق: “وشكله إيه؟”
“نحيف، شعره بني، وأغراضه جت معاه في كيس بلاستيك.. وكان جواه سويت شيرت رمادي.”
حسيت إن قلبي وقف في مكاني.
طلعت موبايلي بسرعة وإيدي بترتجف، فتحت الاستوديو وجبت صورة عيد ميلادها.. الشاب، والتورتة، والسويت شيرت الرمادي.
لفيت الشاشة ووريتها لها.
الممرضة انحنت بجسمها كله برة الشباك.. وفتحت عينيها على الآخر.
بعدين حطت إيديها الاتنين على بقها.. ووشها اتغير من شدة المفاجأة.
وهمست بصوت خافت:
“ده هو.. ده الولد اللي موجود في السرير رقم أربعة.”
سكتت لحظة.. ثواني كأنها الدهر.
ثم رجعت بصت للصورة تاني.. قربت وشها للموبايل أكتر وأكتر، وفجأة عينيها وسعت من شدة الدهشة، وقالت جملة خلتني أقف مكاني من المفاجأة:
“استني.. هو ده..؟\! لا مستحيل.. أنا.. أنا أعرف الوش ده كويس.. ده أنا شفته بيعمل إيه بالظبط قبل الحادثة بخمس دقايق\!”
قربت أكتر من الشباك لدرجة إن وشها بقى قريب جدًا من الموبايل، وقالت بصوت مسموع بالعافية:
“يوم الإثنين بالليل.. قبل الحادثة على الدائري بنص ساعة بالظبط.. كنت خارجة من باب المستشفى متأخر، ورايحة أركب الفيرنا بتاعتي.”
بلعت ريقها بصعوبة بالغة، وكملت بصوت بيترعش:
“لقيته.. الولد ده.. كان واقف مستنيني برة سور المستشفى جنب عربية الفيات القديمة بتاعته. أول ما شافني طالعة، فتح شنطة عربيته بسرعة، وطلع كيس كبير، وشاله وجري بيه على عربيتي بخطوات سريعة\!”
قلبي أنا كمان اتقبض، ولقيت نفسي بسألها بصوت متوتر: “وبعدين.. عمل إيه؟\!”
قالت وهي بتعيط بصوت مكتوم:
“أنا في الأول قلقت وجريت ركبت عربيتي وقفلتها بسرعة.. افتكرته بيحاول يلفت انتباهي بطريقة غريبة\! بس لما بصيت في المراية وشفته ماشي بهدوء وعربيتي واقفة.. نزلت أشوف فيه إيه\!”
سكتت ثانية، وكأنها بتسترجع المشهد، وكملت:
“لقيت على الكبوت بتاع عربيتي.. باكو شاي بـ 45 جنيه، ورسالة صغيرة مكتوب فيها بخط متعرج ومرتبك: (أنا آسف.. مش هقدر أكون وراكي بكرة.. بس خليكي واخدة بالك من طريقك على الدائري، فيه مية زيت غريبة على الأسفلت)\!”
وقفت مكاني مش قادرة أنطق حرف واحد. الكلمة نزلت عليا زي المفاجأة الكبيرة.
الممرضة كملت وهي بتمسح دموعها:
“هو مكنش بس بيدفعلي حق القهوة كل يوم.. ده كان بيسبقني على الطرقات، ويحطلي إشارات تحذير.. أو يدفعلي تمن المشروب اللي بيصحيني، عشان عارف إني بنام على روحي من تعب نوبتجيات الليل\!”
رفعت عينيها وبصتلي من خلال الموبايل، وقالت بصوت مكسور:
“الولد ده.. وصل المستشفى دي وهو مرهق جدًا، لأنه كان مستنيني أخرج وأطمن.. والحادثة حصلت وهو راجع يطمن عليا.”
الكلام وقف في زوري، والدنيا لفت بيا، وبصيت لصورة الولد في الموبايل.. ولقيت نفسي بغمض عيني غصب عني، والدموع نزلت لوحدها على خدود أم حسن، وأنا ساكتة قدام عربية فاضية.. وطريق الإسماعيلية اللي لسه شغال من غير صوت ولا حتى إحساس باللي حصل.
#حكايات\_شروق\_خالد
وقفت في مكاني مش قادرة أخد نفسي.. الكلام نزل على قلبي زي المفاجأة الكبيرة.
يعني الشاب الصغير ده.. اللي كنت فاكراه مجرد شاب عادي، طلع بيعدّي من طريقها كل يوم عشان يطمن عليها؟ كان بيدفع حق المشروب كل صباح عشان يضمن إنها تصحصح، وكان بيتابع الطريق عشان ينبهها لأي خطر؟
نزلت دموعي على خدودي غصب عني، وبصيت للممرضة.. كانت قاعدة جوه عربيتها بتعيط، متأثرة تمامًا ومش قادرة ترفع راسها.
خرجت بسرعة من جوه الكافيه.. وطلعت برة خالص.. قربت من عربيتها، وفتحت بابها، ومديت إيدي حضنتها وهي متمسكة بيا وبتترعش من شدة التأثر.
قلت لها بصوت مكسور وبحاول أطمنها:
“يا بنتي.. اهدى، ادعي له.. الولد ده فيه رب كبير مطلع عليه، وزي ما عمل الخير واهتم بالناس بمحبة، ربنا مش هيضيع تعبه أبدًا.”
رفعت وشها ليا، وعينيها حمرا وتايهة، وقالت بصوت مليان وجع:
“أنا لازم أطلع له العناية المركزة حالًا.. أنا لازم أقف جنبه زي ما كان واقف جنبي.. ده ملوش حد غيري يا أم حسن\!”
هزيت راسي بسرعة، ومسحت دموعها بإيديا:
“قومي يا بنتي.. روحي له.. روحي قولي له إنك عرفتي، وإنك مش هتسيبيه زي ما هو مسابكيش في عز التعب والبرد.”
قامت بسرعة، ودارت موتور الفيرنا، وساقت عربيتها على طريق الإسماعيلية.. وأنا واقفة قدام شباك القهوة، باصة في أثر العربية وهي بتبعد.
فتحت موبايلي وبصيت لصورته الأخيرة.. الشاب النحيف أبو سويت شيرت رمادي، اللي كان بيدفع 45 جنيه كل يوم، وطلع سبب في تغيير حياة إنسانة تانية بقلبه واهتمامه.
رجعت الكافيه، قعدت على الكرسي قدام الكونتر، وبصيت لطابور العربيات اللي بدأ يتجمع.. حسيت إن الدنيا لسه فيها خير، وإن فيه ناس بتمشي على الأرض.. بس قلوبهم بتنور الطريق لغيرهم في عز الظلمة والشبورة.



