
كدبت على أم كانت هتعيط، لمجرد إني شفت إيصال صيدلية مكرمش باين من شنطتها.
مدخلتش عندي المحل كزبونة عادية؛ دي كانت داخلة بخطوات تقيلة وكأنها شايلة هموم الدنيا كلها.
كانت الساعة أربعة بعد العصر، يوم ثلاثاء والمطر بينزل بغزارة. من الأيام اللي تحس فيها إن السقعة والندى واصلين لحد العظم.
كانت لابسة الزي الأزرق الخاص بالتمريض، اللبس العادي اللي بتلبسه الممرضات ومساعدات التمريض في المستشفيات. وباين عليها إنها منمتش من امبارح.. ولا حتى من اللي قبله. وجزمتها كانت غرقانة مية تماماً.
وقفت قدام الفاترينة، وماسكة شنطتها بقوة لدرجة إن عقل صوابعها بقى أبيض من كتر الضغط. وفي كيس بلاستيك شفاف من صيدلية جنبي طالع منه جزء.
قدرت أشوف إزازات الدواء البرتقالي، وشفت الإيصال. مقصودش أتجسس والله، بس المبلغ الإجمالي كان محطوط عليه دايرة حمراء بقلم فلوماستر: 214.50 جنيه.
فضلت باصة في فاترينة العرض وقت طويل.. طويل قوي بزيادة.
مكنتش بتبص على الفطير الفاخر ولا التارتات اللي بالطلب، عيناها كانت بتلف على الرف اللي تحت خالص.. رف بواقي امبارح أو الحاجات اللي عليها عروض.
شارت بصابعها على قطعة كب كيك سادة وناشفة تماماً، اللي عدى عليها يوم وبان الجفاف على أطرافها.
“دي بس لو سمحت،” همست وصوتها مكسور. “وفي.. هو أنتم بتبيعوا شمع لوحده؟ شمعة واحدة بس؟ عشان عيد ميلاد بنتي النهاردة.. كبرت سبع سنين.”
قلبي وقف مكانه.
بصيت في عينيها. كانت حمرا ومجهدة، والتعب باين تحتها.
أنا عارف النظرة دي كويس قوي.
دي نظرة الأم المصرية اللي شايلة فوق طاقتها، اللي اضطرت في لحظة تختار يا إما تدفع تمن الكشف والدواء أو تفرح بنتها في عيد ميلادها.
نظرة أم عارفة إنها واقفة على رجلها اثنتي عشرة ساعة في المستشفى عشان تساعد المرضى، بس جيبها ما يجيبش تمن تورتاية طازة للروح اللي خلقتها.
بدأت تعد الفكة على الرخامة. قروش معدنية، وفلوس صغيرة، وحتى مبالغ بسيطة كانت مجمعة في جيبها.
“أنا آسف،” قلت وأنا بمثل أحسن تمثيلية في حياتي. “أنا عندي مشكلة كبيرة قوي في المحل النهاردة، وممكن أطلب منك خدمة وتساعديني.”
رفعت راسها وهي متلخبطة. “نعم؟ خير يا فندم؟”
مشيت على الثلاجة وسحبت تورتة شوكولاتة كبيرة تلات طبقات، مليانة لمعة وورود وألوان. دي كانت تورتة أوردر خاصة بمبلغ كبير.
“شايفة دي؟” تنهدت وكأنني متضايق. “الصنايعي الجديد.. كارثة بكل المقاييس. عمل لون غلط في الورد، والزبون سابها ومشي من حوالي تلت ساعة.”
الست بصت للتورتة. كانت جميلة ومظبوطة جداً.
“أنا ما أقدرش أبيعها،” كذبت وأنا مقرب منها. “وصاحب المحل بيزعل جداً لو رمينا أكل كتير بالمنظر ده آخر اليوم، ده بيبوظ لنا حسابات الهدر والخسارة.”
زقيت الكرتونة ناحيتها.
“تعملي فيا معروف وتأخديها مني؟ بجد والله.. ده إنتي هترتاحي وتريحيني من مشوار نزول الحاجات دي بره.. ببلاش خالص، اعتبريها مساعدة.”
حدقت فيا كتير.
بصت للتورتة، وبعدين لكيس الصيدلية في شنطتها، وبعدين ليا تاني.
كانت فاهمة كل حاجة.
كانت عارفة بالظبط أنا بعمل إيه عشانها.
دقنها بدأت ترتجف، ونزلت دمعة حامية على خدها المجهد.
“متأكد يا أستاذ؟” وقفت الكلمات في حلقها. “أنا.. أنا أصلاً معيش أدفعلها تمن.”
“إنتي بتدفعيلي حقها لما تشيليها من قدامي وتخلصيني منها،” رديت بجدية. “أرجوكِ خديها.”
خدت الكرتونة وكأنها شايلة قطعة دهب خالص. ما نطقتش بحرف، اكتفت إنها هزت راسها بس، عشان لو فتحت بقها كانت هتعيط من الفرحة.
خرجت في المطر، ورافعة الكرتونة فوق راسها عشان تحميها من المطر، ومحافظة عليها أكتر ما بتحافظ على نفسها.
قفلت باب المحل، وقلبت يافطة “مغلق”. قعدت على الأرض ورا الكاشير وعيطت عشر دقائق ورا بعض.
إحنا في بلد الواحد بيشوف فيها أمهات كويسات بيعدوا الجنيه بالجنيه عشان تمن دواء بياخد نص المرتب.. ودي حاجة بتقطع القلب وتخنق الواحد.
بس تاني يوم، لقيت حاجة محطوطة تحت باب المحل.
كانت ورقة كشكول عادية خالص.
وعليها رسمة بقلم خشب مهتز. طفلة فاتحة بقها وبتضحك ضحكة كبيرة، وبتأكل شريحة تورتة أكبر من راسها.
وتحتها، بخط أطفال مش متظبط:
“شكراً عشان خليتي ماما تبتسم تاني.. وقالت لي إن في ملاك عمل التورتة دي.”
علقت الورقة على الكاشير، وكنت فاكر دي النهاية السعيدة للقصة. بس الصبح، وفي تاني يوم على طول، لقيت حاجة تانية جنب الرسمة دي—واللي حصل بعد كده خلاني أحتار.. هل اللي عملته ده فرحها.. ولا دخلها في مشكلة أكبر؟!
#حكايات_شروق_خالد
قفلت المحل وراها على طول، وسبتها قاعدة جوه مع كوباية شاي سخنة تهدي توترها، ونزلت رايح على المستشفى الاستثمارية اللي بتشتغل فيها.
في الطريق، كنت حاسس إن جوايا كلام كتير. هو إيه اللي وصلنا للمرحلة دي؟ بقى البني آدم ملوش حق يفرح، ولو ظهرت عليه أي علامة نعمة أو فرحة صغيرة، الكل يشك فيه ويفترض أسوأ الظنون؟ بقت الشكوك والظنون السيئة هي القاعدة، والخير والجدعنة هما الاستثناء؟
وصلت المستشفى، وطلعت على مكتب المدير. طبعاً، الأمن في الأول حب يمنعني ويطلب مني أمشي، بس لما شافوا شكلي الجاد، والصوت العالي اللي عملته وأنا بقولهم: “أنا صاحب المحل اللي اتسبب في مشكلة زميلتكم، وعاوز أقابل المدير فوراً”، حسوا إن فيه موضوع مهم فدخلوني.
دخلت مكتب المدير، وكان راجل أربعيني لابس بدلة شيك ومقعد رجل على رجل وبص لي باستخفاف: “خير يا أستاذ؟ مستشفانا مش مقهى عشان تدخل كده، ولو بخصوص الممرضة فلانة.. أمر فصلها نهائي وقرار إداري مش هيتراجع فيه.”
طلعت فاتورة التورتة الأصلية من جيبي، وحطيتها على المكتب بقوة خلت النضارة بتاعتي تتحرك من مكانها.
“اقرأ دي كويس يا فندم!” قلت بصوت حاد. “التورتة دي تمنها 85 دولار.. يعني كام ألف جنيه، إهداء من محل الحلويات بتاعي كحاجة من بواقي العرض، لإن الصنايعي غلط في اللون! الست ما دفعتش مليم واحد، ومحدش اداها فلوس، ولا حد ساعدها بحاجة غير قانونية!”
المدير بص للفاتورة باستغراب، ورجع بص لي وقال ببرود: “يا أستاذ، الموظفين عندنا مش مفروض يظهروا بمظهر يفوق إمكانياتهم.. وبعدين جروب الشغل الكل بيراقب بعضه…”
قاطعته بصوت أعلى: “وهو عيب إن أم تشتري لبنتها تورتة؟ ولا عيب إنها تفرحها؟! الست دي ظروفها صعبة وجوزها على قد حاله والدوا واخد جزء كبير من مرتبها! الكرتونة دي أنا اللي جبرت خاطرها بيها عشان تفرح ببنتها في عيد ميلادها السابع اللي مكنش معاها تمن كب كيك ناشف! أنتوا بتحاسبوا الناس على إنسانيتهم وعلى تعبهم وجهدهم؟!”
سكتّ شوية وأنا باصص في عينيه اللي بدأ يبان فيها شوية ارتباك وحرج، وكملت بصوت أهدى بس قاطع:
“لو قرار الفصل ده ما اتلغاش حالاً، وتعتذروا لها رسمي، أنا هحكي قصة الكرتونة دي على كل منصات السوشيال ميديا، وهخلي الناس كلها تعرف إنكم بتستغنوا عن ممرضة سهرت الليالي تساعد المرضى، عشان كرتونة تورتة جات لها هدية من غير مقابل!”




