
عيلتها طردوها وقالوا عليها “ملكيش لازمة”—لحد ما المعلم الكبير طلبت منه يفضل معاها
“ملكيش مكان تروحي فيه، صح؟”
السؤال وصل لإيمان قبل ما تاخد بالها إن العربية السوداء الفخمة وقفت جنب الرصيف، وسط مطر أكتوبر اللي نازل مابيبطلش.
كانت واقفة تحت حتة صاج صغيرة قدام البيت القديم بتاع أمها في حي السيدة زينب، إيد ماسكة بقلة أصل شنطة سفر زرقاء دايخة، والإيد التانية ضامة كيس بلاستيك فيه كل اللي لحقت تلمه في عشر دقائق استعجال: دفاية صوف، بنطلونين جينز، صورة أbuilderها الله يرحمه، ورواية الجلاد بتاعها مقطوع من كتر القراءة.
وراها، كان نور اللمبة السهاري على الباب لسه شغال ودافئ.
بس الباب المقفول كان مربوط بالترباس.
وإيمان سمعت صوت الترباس وهو بيتقفل.
لسبب ما، تكة الترباس دي وجعتها أكتر من الشتيمة والزعاق.
ملكيش لازمة.
تايهة.
عالة علينا.
أخوها سيد قالها إنها تمت ثلاثين سنة ومن غير شغلانة عدلة ولا قيمة. وأختها الصغيرة شهد سألتها لحد إمتى الكل هيفضل معطل حياته عشان هيبة إيمان وعجزها إنها تمشي لقدام.
بس كلمة أمها هي اللي دخلت في قلبها زي الشوكة:
“يمكن محتاجة تتربي وتعرفي إيه اللي بيحصل لما محدش يشيلك ولا يسأل فيكي.”
إيمان كانت خلاص هتضحك، بس زورها كان حارقها أوي من العياط.
سبع سنين كاملين، كان شيل الناس وخدمتهم هو الحاجة الوحيدة اللي بتعرف تعملها.
إزاز العربية اللي ورا نزل.
كان قاعد جوه راجل لابس بالطو جوخ رمادي غامق فوق بدلة سودة. شعره الأسود كان متسرح لورا على وش يبان إنه اتخلق للصمت أكتر من الكلام. شكله في أول الأربعينات، وسيم بس هيبة وصارمة، من بتوع الناس اللي يقعدوا سنين ميبانش على وشهم زعل ولا فرح إلا بطلب منهم.
إيمان عرفت المعلم شريف القصاص على طول.
مصر كلها تعرف الاسم ده.
ناس تعرفه من الشركات، المعارض، المطاعم، وحلقات السمك وتجارة العقارات.
وناس تانية تعرف الوش التاني للاسم… اللي مبيتكتبش في الجرايد.
القصاص.
كبير العيلة المتبقي من منطقة القديمة، اللي قالوا إنهم دخلوا في الميري والشرعي من سنين، مع إن المباحث، والعائلات الكبيرة التانية، ونصف كبارات البلد مش بياكل معاهم الكلام ده.
الناس بتقول عليه “رجل أعمال” لما الميكروفونات والكاميرات تكون شغالين.
لكن ورا الأبواب المقفولة، بيتقال عليه كلمة واحدة: المعلم.
إيمان كانت شافته مرة واحدة بس.
من ثلاث أسابيع.
وحتى وقتها، يادوب ردوا السلام.
“معلم شريف؟”
عينيه اتنقلت من وشها للشنطة اللي في إيدها.
“إيمان…”
إنه يفتكر اسمها صدمها أكتر من إنه واقف قدامها دلوقتي.
“حضرتك بتعمل إيه هنا؟”
“كنت هسألك نفس السؤال.”
“ده بيت أمي.”
شريف بص وراها ناحية الباب المقفول بالترباس.
“شكلها مش أمك الليلة دي.”
الدم طرشق في وش إيمان ورقبتها رغم الساقعة والمطر.
من دون خلق الله كلهم، ليه هو بالذات اللي يكون واقف؟
لو حد غريب كانت تهون.
الغريب مكنش هيبص لها كأنه شايف الذل والكسرة اللي بتحاول بالعافية تداريهم.
“أنا كويسة.”
شريف بص ببطء من الشنطة للكيس البلاستيك، وبعدين لمية المطر اللي دخلت جوه جزمتها.
“الجملة دي شايلة شيلة أكبر منها بكتير.”
إيمان كانت هتبتسم.
كانت هتبتسم بس ملحقتش.
“أنا رايحة لمكان.”
“فين؟”
فتحت بقها.
ومطلعش منه ولا حرف.
شريف منقذهاش من السكوت.
سابها وسكت وهو بيراقب.

