
رجعت لجناح الفندق بتاعي بعد نص الليل، ولقيت طفلين توأم عندهم 3 سنين نايمين في سريري. وقبل ما ألحق أكلم الأمن، ظهرت أمهم وهي مرعوبة عند الباب — وبعدها بدقايق، تلفوني نور برسالة بتقول إن الشرطة تحت في الريسبشن وبيسألوا عنها هي والولاد.
ساعتها بصت لي وهمست:
“أرجوك ما تخليش ياخدهم مني.”
أنا مكنتش راجع جناح الفندق الفخم ده غير عشان نسيت تقرير مهم.
بس أول حاجة لفتت نظري أول ما دخلت كانت جزمة أطفال وردي صغيرة مرمية على الأرض الرخام.
وقفت مكاني.
محدش المفروض يدخل الجناح الرئاسي في الدور الـ47 من غير إذن مني.
بس كان فيه نور هادي شغال جنب التسريحة.
وطفلين نايمين في السرير الكبير بتاعي.
البنت الصغيرة كان شعرها الناعم مفرود على المخدة، وجنبها أخوها الصغير حاضن في حضنه فيل لعبة قديم ومتهالك.
كانوا متكومين جنب بعض تحت الملايات الغالية، وكأن محدش فيهم بيحس بأمان غير وهو قريب من التاني.
همست لنفسي:
“مش ممكن.. ده بيحصل إزاي؟”
الولد بدأ يتحرك.
أخته على طول مدت إيدها ومسكت في كم الجاكيت بتاعه من غير ما تصحي حتى.
الحركة الصغيرة دي هي اللي خلتني أتردد وما أرفعش التلفون أطلب الأمن.
وفجأة باب الجناح اتفتح ورايا.
“يا نهار أبيض…”
اتلفت.
كانت واقفة عند الباب بنت شابة شغالة في النظافة، ومتسمرة مكانها من الصدمة.
عرفت الزي الرمادي بتاع الفندق قبل ما ألمح كارت الاسم.
شيماء.
كان باين عليها التعب أوي، شعرها النازل على وشها الشاحب، وعينيها كان مالياها الرعب.
همست وهي بترتجف:
“أستاذ طارق، أرجوك.. بلاش تصحيهم، بقالهم يومين ماناموش عدل.”
بصيت لها بذهول:
“ولادك بيعملوا إيه في سريري؟”
عينيها جُم عليهم وقالت:
“دول ولادي.. مريم ومصطفى، عندهم ثلاث سنين.”
“أنتِ دخلتي ولادك جناحي الخاص؟”
“عارفة إني كسرت القواعد وغلطت.”
“يبقى تفهميني فيه إيه.”
شيماء بلعت ريقها بالعافية وقالت:
“أنا انطردت من الشقة الصبح.. العمارة اتباعت والمالك الجديد طلب من كل السكان يمشوا، ومكنش عندي أي مكان أوديهم فيه.”
كانت بتتكلم بسرعة وكأنها متوقعة إني هقاطعها وأطردها.
“جدول الشغل كان مكتوب فيه إن حضرتك مش راجع غير بكرة الضهر، فقلت يسندوا طولهم ويناموا هنا كام ساعة عقبال ما أخلص الشفت بتاعي، وبعدها أشوف هنعمل إيه.”
قلت لها:
“يعني افتكرتي جناح رئيس الشركة مكان مناسب لأولادك؟”
وشها احمر من الكسوف وقالت:
“لا..”
وبصت في عيني مباشرة:
“ده كان خياري الوحيد.”
ولأول مرة في حياتي، ملقتش كلام أرد بيه.
أنا طول عمري عايش في خيارات ملهاش أول من آخر.. سواقين، محامين، مساعدين، حراسة، وكروت بنك مالهاش حدود.
لكن شيماء مكنش حيلتها أي خيار.
جنب السرير كان فيه شنطة ظهر واحدة قديمة فيها بيجامة، وشرابات، وعلبة عصير، وكتب أطفال.
يعني رغم إنها خسرت بيتها الصبح، إلا إنها ما نسيتش تقرأ لهم حدوتة قبل النوم.
مصطفى بدأ يعيط بصوت واطي.
جريت شيماء عليه وحطت إيدها بالراحة على ظهره، فالولد هدي ونام تاني في ساعتها.
وأنا ببصلها، افتكرت ذكريات قديمة مكنتش بحب أفتكرها.. أمي وهي راجعة من الشغل بعد يوم طويل في تنظيف الفنادق، وتدخل تحضنني أنا وأخويا وتغطينا بكل حنية الدنيا.
سألتها:
“محتاجة وقت قد إيه؟”
شيماء استغربت وبصت لي:
“وقت لإيه؟”
“عشان تلاقي مكان أمان تقعدوا فيه.. محتاجة وقت قد إيه؟”
عينيها اتملت بالدموع، وقبل ما تنطق بكلمة، تلفوني هز في إيدي.
بصيت في الشاشة، كانت رسالة من الأمن:
“أستاذ طارق، الشرطة تحت في الريسبشن وبيسألوا عن شيماء وطفلين معاها.”
أكيد وشي اتغير، لأن شيماء وشها أصفر تماماً والدم هرب منه.
بصت للتلفون اللي في إيدي، وبعدين بصت لمريم ومصطفى.
خوفها مكنش خوف واحدة خايفة تخسر شغلها.. ده كان قلق كبير على ولادها.
جريت عليّ ووطت صوتها عشان التوأم ما يصحوش، ومسكت إيدي وهي بترتجف:
“أرجوك..”
كانت إيديها بتترعش بطريقة توجع القلب.
“أرجوك ما تخليش ياخدهم مني!”
وساعتها بس فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد مكان تقعد فيه.
شيماء مكنتش مخبية ولادها عشان مش لاقية بيت.. شيماء كانت بتحاول تحميهم من شخص بيبحث عنهم.
مسكت تلفوني وبصيت لشيماء اللي كانت بتترعش قدامي، ورحت مكلم الأمن في التلفون وقلت لهم:
“محدش يطلع الجناح بتاعي، وقولوا للشرطة إن الموظفة دي مش موجودة هنا ومحدش شافها.”
شيماء حطت إيدها على بوقها وبصت لي بذهول ودموعها نازلة على وشها.. كانت مش مصدقة إن رجل الأعمال اللي الكل بيحسب له حساب بياخد صفها.
قفلت السكة وبصيت لها وقلت بحدة:
“اقعدي واحكي لي كل حاجة بالتفصيل.. الشرطة دي مين اللي بلغها؟ ومين اللي عايز ياخد منك العيال؟”
شيماء بلعت ريقها بالعافية وقعدت على طرف الكرسي وهي ماسكة إيدها اللي بتترعش، وقالت بصوت مكسور:
“جوزي السابق.. إبراهيم! كان بيعاملني بطريقة سيئة، ولما طلبت الانفصال وحصلت على حضانة التوأم مريم ومصطفى بحكم المحكمة، قال إنه هيحاول ياخدهم مني بأي طريقة.”
كملت شيماء كلامها:
“كان بيستخدم علاقاته عشان يضغط عليّ، وهو اللي اشترى العمارة اللي كنت ساكنة فيها الصبح وطلب من السكان يمشوا! والنهاردة قدم بلاغ ضدي واتهمني باتهام مش صحيح عشان يحاول ياخد العيال عن طريقي القانون.”
أول ما سمعت كلامها، افتكرت موقف قديم حصل لعيلتنا، وبصيت للتوأم اللي نايمين في ملايات السرير الفاخر مش حاسين بأي حاجة من اللي بتدور حواليهم.
قلت لها بنبرة كلها قوة وإصرار:
“ولا هو ولا غيره يقدر يتصرف في مصير عيالك طول ما الموضوع هيمشي بالقانون!”
رفعت التلفون وطلبت الشئون القانونية وأكبر محامي في الشركة بتاعتي، وقلت له:
“تجيلي الجناح فوراً وتجيب معاك محامي متخصص في قضايا الأسرة.. عندنا موضوع لازم يتحل بشكل قانوني وسريع.”
وفي خلال نص ساعة، كان المحامي عندي، وشرحت له كل حاجة.
وفي نفس الوقت، نقلنا شيماء والعيال لمكان آمن تابع لي، بعد التنسيق مع المحامي، بعيد عن أي ضغط أو إزعاج.
تاني يوم الصبح، إبراهيم كان واقف قدام الفندق ومعه رجال الشرطة وهو فاكر إنه خلاص هيلاقي شيماء وياخد العيال.. لكنه اتفاجئ بيّ طالع من الفندق ومعايا المحامين.
وقف إبراهيم قدامي وقال:
“أنت بتتدخل في اللي مالكش فيه ليه يا طارق بيه؟ دي مراتي وعيالي!”
قربت منه وبصيت في عينيه وقلت له:
“كانت مراتك.. والعيال مع أمهم بحكم القانون! وأنت قدمت بلاغ غير صحيح، وفيه إجراءات قانونية هتتراجع قدام الجهات المختصة.”
وش إبراهيم اتغير ومقدرش ينطق بكلمة لما شاف الملفات والمستندات والأدلة اللي المحامين جهزوها.
وبعد فترة من الإجراءات والمحاكم، المحكمة أكدت استمرار حضانة شيماء للتوأم، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة تجاه إبراهيم بسبب المخالفات التي ثبتت في القضية.
وفي يوم افتتاح فرع الشركة الجديد، عيّنت شيماء مسؤولة عن قسم كامل بعد ما اكتشفت إنها خريجة تجارة وكان عندها قدرات كبيرة، لكن ظروف حياتها أخرت ظهورها.
وفي الاحتفال، جابت مريم ومصطفى، وجُم يجروا عليّ أول ما شافوني وبقوا ينادوا لي:
“بابا طارق!”
مسكت إيد التوأم وبصيت لشيماء وقلت لها:
“من النهاردة، محدش يقدر يضغط عليكم أو ياخد حقكم طول ما كل شيء ماشي بالقانون.”
ابتسمت شيماء، وبصت لأولادها وهي حاسة إن أخيراً عندهم مكان آمن وحياة جديدة.
وأنا بصيت لمريم ومصطفى، وافتكرت الليلة اللي لقيتهم فيها نايمين في سريري.
ساعتها فهمت إن أحياناً موقف صغير في ليلة واحدة ممكن يغيّر حياة ناس بالكامل.
وإن الإنسان مهما كان عنده إمكانيات، قيمته الحقيقية بتظهر لما يستخدمها في مساعدة شخص محتاج، من غير ما يستنى مقابل.
النهاية.



