
منى فضلت باصة لياسين وهي مش فاهمة.
“يعني إيه الرسالة ماكنتش غلط؟”
ياسين سكت شوية، وبعدين قال:
“الرقم اللي بعتيله الرسالة كان رقمي الجديد.”
منى عقدت حواجبها.
“بس أنا دخلت الرقم بإيدي.”
“عارف.”
“ولخبطت رقم.”
“عارف.”
“إنت عايز تقول إن حد خلاني أبعتلك؟”
ياسين هز راسه.
“مش بالظبط.”
قرب منها وحط موبايله على الترابيزة.
“الرقم ده كان المفروض يبقى مع شخص تاني.”
منى بصت له.
“مين؟”
“محمود.”
منى اتصدمت.
“محمود؟”
“أيوه.”
“يعني هو كان عايز يكلمني؟”
“لأ.”
ياسين أخذ نفس عميق.
“كان عايز يراقبك.”
منى سكتت.
ياسين كمل:
“من فترة، محمود كان بيحاول يعرف إنتي بتكلمي مين، وبتروحي فين، ومين أصحابك.”
منى حست بقشعريرة.
“أنا عمري ما لاحظت.”
“لأنه كان حريص.”
عم حسن تدخل وقال:
“محمود مش راجل سهل يا بنتي.”
منى بصت له.
“طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟”
ياسين رد:
“تنامي هنا الليلة.”
“وبعدين؟”
“بعدين هنروح للنيابة.”
منى اتوترت.
“النيابة؟”
“أيوه.”
“أنا خايفة.”
ياسين بص لها بثبات.
“الخوف مش هيحل حاجة.”
منى نزلت عينيها.
“أنا عمري ما تخيلت حياتي توصل لكده.”
ياسين قال:
“ولا أنا.”
وبعدين سكت لحظة.
“بس لازم أقولك حاجة.”
منى رفعت عينيها.
“إيه؟”
“أنا مش هسيبك ترجعي لمحمود.”
منى ماعرفتش ترد.
لأول مرة من سنين، حد بيقول لها كلام من غير ما يطلب منها حاجة في المقابل.
لكن قبل ما تتكلم، صوت تليفون عم حسن رن.
رد بسرعة.
وبعد ثواني وشه اتغير.
ياسين سأله:
“في إيه؟”
عم حسن قال:
“الشرطة قبضت على محمود.”
منى شهقت.
“قبضوا عليه؟”
“أيوه.”
ياسين قرب منه.
“بتهمة إيه؟”
عم حسن بص له.
“مش التحويلات.”
ياسين سكت.
“بتهمة محاولة قتل.”
منى حست إن الدنيا وقفت.
“مين؟”
عم حسن بص لها.
“أحد رجالة محمود اتقبض عليه من شوية.”
“واعترف إن محمود كان مأجره علشان يقتلك.”
منى حطت إيدها على بوقها.
ياسين قبض إيده.
“كان متوقع ده.”
منى بصت له.
“إنت كنت عارف؟”
“كنت شاكك.”
“وليه ماقلتليش؟”
“علشان ماكنتش عايز أخوفك أكتر.”
منى دموعها نزلت.
“أنا كنت عايشة مع واحد عايز يقتلني.”
ياسين قرب منها.
“دلوقتي إنتي بعيدة عنه.”
لكنها هزت راسها.
“لأ.”
“إيه؟”
“أنا مش خايفة منه بس.”
ياسين فهم.
“إنتي خايفة من كل اللي حصل.”
منى قالت:
“أنا فقدت الثقة في كل حاجة.”
ياسين سكت.
وبعدين قال:
“يبقى ماتثقيش فيا.”
منى بصت له باستغراب.
“إيه؟”
“ماتثقيش فيا لمجرد إني ساعدتك.”
“إنت اللي قولتلي كده.”
“أيوه.”
وبعدين:
“خلي أفعالي هي اللي تحدد.”
منى بصت له فترة طويلة.
ثم قالت:
“أنا موافقة.”
في صباح اليوم التالي، خرجت من البيت مع ياسين.
لكن قبل ما يركبوا العربية، موبايل منى رن.
رقم مجهول.
ردت.
صوت ست كبيرة جاء من الناحية التانية:
“إنتي منى؟”
“أيوه.”
“أنا أم محمود.”
منى سكتت.
الست قالت بصوت متوسل:
“ماتسلميش ابني.”
منى اتصدمت.
“هو حاول يقتلني.”
“أنا عارفة.”
“إزاي؟”
صمتت المرأة لحظات.
ثم قالت:
“علشان محمود مش أخطر واحد في الحكاية.”
منى بصت لياسين.
“يعني إيه؟”
المرأة قالت:
“هو كان بينفذ أوامر شخص تاني.”
ياسين مد إيده وأخذ الموبايل منها.
“مين؟”
الست سكتت.
وبعدين قالت:
“أخوه.”
ياسين اتجمد.
“مستحيل.”
منى بصت له.
“إنت تعرفه؟”
ياسين ما ردش.
الست قالت:
“أخوه عايش.”
ياسين شد على الموبايل.
“أخوه مات من عشر سنين.”
المرأة ردت بصوت مكسور:
“إنت اللي كنت فاكر كده.”
وقبل ما ياسين يلحق يسأل، المكالمة اتقفلت.
منى بصت له.
“مين أخوه؟”
ياسين كان ساكت.
“ياسين…”
رفع عينه لها.
وقال:
“أخو محمود كان شريكي.”
“وبعدين؟”
“اتخانقنا من عشر سنين.”
“وحصل إيه؟”
ياسين قال:
“اختفى.”
منى همست:
“يعني رجع؟”
ياسين بص للطريق قدامه.
“لو الكلام ده صح…”
سكت.
“يبقى الشخص اللي كنا بندور عليه طول السنين دي كان قريب مننا أكتر مما تخيلنا.”
وفجأة موبايل منى اهتز مرة تانية.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“قولي لياسين إن الحساب القديم لسه مفتوح.”
منى بصت له.
“يعني إيه الحساب القديم؟”
ياسين شاف الرسالة.
ولأول مرة، الخوف ظهر بوضوح في عينيه.
قال:
“الحساب اللي أبوكي مات وهو بيدور عليه.”
منى همست:
“إيه الموجود فيه؟”
ياسين رد:
“كل أسرارهم.”
وبعد ثواني وصلت رسالة تانية:
“ولو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة… هاتوا منى لوحدها.”
منى رفعت عينيها.
“هو عايزني أنا.”
ياسين قال:
“أيوه.”
“ليه؟”
بص لها.
“لأنك آخر شخص يقدر يفتح الحساب.”منى فضلت باصة لياسين، وكأنها مستنية منه يقول إن كل اللي سمعته مجرد سوء تفاهم.
لكن ياسين ماقالش حاجة.
وشه كان جامد، وعينيه ثابتة على الشاشة.
منى قالت بصوت مرتعش:
“أنا؟ ليه أنا اللي أقدر أفتحه؟”
ياسين رد:
“علشان أبوكي عمل الحساب باسمك.”
“بس أنا معرفش أي حاجة عنه.”
“عارف.”
“يبقى إزاي؟”
ياسين فتح باب العربية.
“اركبي.”
“مش هركب قبل ما تفهمني.”
ياسين بص لها.
“الحساب ده اتعمل من عشر سنين.”
“وكان أبوكي بيحط فيه كل المستندات المهمة.”
“قبل ما يموت، غيّر كلمة السر.”
منى قالت:
“وحط اسمي؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
ياسين سكت لحظة.
“يمكن لأنه كان عارف إنك الوحيدة اللي هيكون عندها سبب تكمل بعده.”
منى دموعها نزلت.
“أنا مش فاهمة أي حاجة.”
ياسين قال بهدوء:
“هتفهمي.”
ركبوا العربية واتحركوا.
بعد حوالي عشرين دقيقة، ياسين دخل جراج تحت الأرض.
منى بصت حواليها.
“إحنا فين؟”
“مكان آمن.”
“يعني مش هنروح النيابة؟”
“هنروح.”
“إمتى؟”
“بعد ما نعرف الحساب ده فين.”
نزلوا من العربية ودخلوا أوضة صغيرة فيها شاشات وأجهزة كمبيوتر.
ياسين قعد قدام جهاز.
“فاكرة أي حاجة عن والدك كان بيقولها لك وإنتي صغيرة؟”
منى فكرت.
“كان دايمًا بيقول لي جملة غريبة.”
“إيه هي؟”
“كان بيقول: لو في يوم الدنيا كلها وقفت ضدك، افتكري إن مفتاحك مش مع الناس.”
ياسين رفع عينه.
“كملي.”
“كان بيقول: المفتاح جواكي.”
ياسين سكت.
وبعدين قال:
“ممكن يكون قصد كلمة السر.”
منى قربت من الجهاز.
“بس أنا مش فاكرة أي كلمة سر.”
ياسين قال:
“مش لازم تفتكريها.”
“أمال؟”
“جربي تاريخ ميلادك.”
منى دخلت تاريخ ميلادها.
رفض.
جربت اسم والدها.
رفض.
جربت اسم والدتها.
رفض.
ياسين قال:
“جربي حاجة أبوكي كان بيحبها.”
منى فكرت.
وبعدين افتكرت.
“البحر.”
دخلت الكلمة.
الشاشة فضلت ثواني.
وبعدين…
اتفتحت.
منى شهقت.
قدامهم ظهر مجلد واحد.
اسمه:
“منى.”
ياسين قرب من الشاشة.
فتحوه.
جوا المجلد كانت صور، تسجيلات، عقود، وتحويلات بنكية.
لكن في ملف واحد كان مكتوب عليه:
“لو أنا مت… ماتثقوش في ياسين.”
منى بصت له.
ياسين اتجمد.
“إيه ده؟”
فتحت الملف.
صوت والدها بدأ يشتغل.
“منى… لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.”
منى دموعها نزلت.
صوت والدها كمل:
“أول حاجة لازم تعرفيها إن ياسين مش عدوك.”
منى بصت لياسين.
“إذن ليه كتب اسمه؟”
التسجيل كمل:
“لكن برضه ماتثقيش فيه ثقة كاملة.”
ياسين غمض عينيه.
والدها قال:
“لأن ياسين كان جزء من المشكلة في البداية.”
منى بعدت عن الجهاز.
“إيه؟”
التسجيل استمر:
“قبل ما ياسين يعرف الحقيقة، كان شريك في الشركة مع أخوه.”
منى بصت له.
“أخوه؟”
ياسين ما ردش.
صوت والدها قال:
“أخو ياسين هو الشخص اللي سرق الأموال.”
منى اتصدمت.
لكن التسجيل ماوقفش.
“ولما ياسين اكتشف، حاول يوقفه.”
“لكن أخوه اختفى.”
“والناس كلها افتكرت إنه مات.”
منى بصت لياسين.
“إنت كنت عارف إن أخوك عايش؟”
ياسين رد:
“لأ.”
لكن التسجيل فجأة قال:
“لو أخو ياسين ظهر في يوم…”
صمت.
ثم جاء صوت والدها:
“اعرفي إن ظهوره معناه إن حد من جوه الشركة ساعده.”
منى قربت من الجهاز.
“حد من جوه الشركة؟”
التسجيل كمل:
“وأنا عندي شك إن الشخص ده هو محمود.”
منى حطت إيدها على بوقها.
لكن بعدها مباشرة ظهر ملف جديد على الشاشة.
تاريخه كان من يومين فقط.
ياسين فتحه.
وكان فيه صورة.
صورة لرجل واقف قدام مستشفى.
منى بصت للصورة.
وبعدين قالت:
“ده…”
ياسين قرب.
“مين؟”
منى أشارت للصورة.
“ده الراجل اللي كان بيزور محمود.”
ياسين بص لها.
“إنتي شوفتيه قبل كده؟”
“أيوه.”
“فين؟”
“في يوم وفاة أبويا.”
سكت المكان كله.
منى بدأت تفتكر.
“كان واقف بعيد.”
“وأنا وقتها كنت فاكرة إنه واحد من رجال الإسعاف.”
ياسين فتح الصورة بشكل أكبر.
وشه اتغير.
“ده أخويا.”
منى قالت:
“بس إنت قلت إنه اختفى من عشر سنين.”
“اختفى.”
“أمال الصورة دي من يومين؟”
ياسين ماجاوبش.
وفجأة الشاشة اسودت.
كل الأجهزة انطفت.
منى شهقت.
“إيه اللي حصل؟”
ياسين قام بسرعة.
“حد اخترق النظام.”
وبعدين سمعوا صوت خطوات بره الأوضة.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
منى قربت من ياسين.
“في حد هنا.”
ياسين طلع سلاحه، وأشار لها إنها تسكت.
الخطوات قربت.
وفجأة الباب اتفتح.
لكن الشخص اللي دخل…
ماكانش راجل غريب.
كان محمود.
واقف قدامهم، وإيده مرفوعة.
لكن اللي خلّى منى تتجمد مكانها…
إن محمود ماكانش لوحده.
كان واقف وراه راجل شبهه جدًا.
ياسين بص للرجل.
وشه فقد لونه.
وهمس:
“سليم…”
الرجل ابتسم.
وقال:
“وحشتني يا أخويا.”#حكايات_شروق_خالدمنى فضلت واقفة مكانها، مش قادرة حتى تتحرك.
بصت لسليم، وبعدين بصت لياسين.
ياسين كان واقف كأنه شاف شبح.
قال بصوت مخنوق:
“إنت عايش؟”
سليم ابتسم.
“واضح.”
محمود ضحك وقال:
“كنت فاكر إنك دفنت الماضي يا ياسين.”
ياسين رفع سلاحه.
“ماتتحركش.”
سليم مااهتمش.
“لسه زي ما إنت.”
“بتحاول تصلح الدنيا كلها لوحدك.”
ياسين قال:
“إنت قتلت أبوها.”
منى شهقت.
سليم بص لها.
“أبوكي كان راجل محترم.”
منى صرخت:
“إنت اللي قتلته؟!”
سليم هز راسه.
“لأ.”
وبص لمحمود.
“هو اللي عملها.”
محمود اتوتر.
“إنت بتكذب!”
سليم ضحك.
“زي ما كذبت على مراتك؟”
منى بصت لمحمود.
“إنت قتلت أبويا؟”
محمود بدأ يتلعثم.
“منى، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.”
“إنت قتلت أبويا؟!”
صوتها ارتفع.
محمود سكت.
سليم قال:
“أيوه.”
منى دموعها نزلت.
“ليه؟”
سليم رد:
“علشان أبوكي اكتشف كل حاجة.”
“وكان هيبلغ.”
“محمود حاول يسكتُه.”
منى بصت لمحمود باحتقار.
“وإنت اتجوزتني علشان تكمل اللي بدأته؟”
محمود قال:
“أنا ماكنتش عايز أؤذيكي.”
منى ضحكت وسط دموعها.
“كنت هتقتلني!”
“كنت خايف.”
“خايف من مين؟”
محمود بص لسليم.
سليم قال:
“مني.”
محمود سكت.
سليم كمل:
“كان عارف إني لو رجعت، كل حاجة هتتكشف.”
ياسين قال:
“إنت رجعت ليه؟”
سليم بص له.
“علشان آخد حقي.”
“حقك؟”
“أيوه.”
“إنت سرقت الشركة.”
سليم ابتسم.
“أنا خدت اللي كان ليا.”
ياسين هز راسه.
“إنت كنت هتدمر كل حاجة.”
سليم قرب خطوة.
“وأنت كنت دايمًا بتحب تعمل فيها البطل.”
وبعدين بص لمنى.
“لكن البنت دي هي المفتاح.”
منى رجعت خطوة.
“أنا مش مفتاح.”
سليم قال:
“إنتي بنت الراجل الوحيد اللي خبّى الحقيقة في مكان ماحدش قدر يوصله.”
ياسين قال:
“والحقيقة دي مش هتوصلك.”
سليم ضحك.
“بالعكس.”
وأشار للكمبيوتر.
“هي فتحت الحساب بالفعل.”
منى اتجمدت.
“إنت كنت بتراقبنا؟”
“من أول ما دخلتي المكتب.”
ياسين بص لمحمود.
“إنت اللي بلغتُه؟”
محمود سكت.
سليم قال:
“محمود كان شريك صغير.”
“لكن أنا اللي كنت ماسك كل الخيوط.”
منى بصت لياسين.
“إحنا لازم نخرج.”
ياسين قرب منها.
“لما أقول لك اجري، تجري.”
منى هزت راسها.
سليم رفع سلاحه.
“ولا حد يتحرك.”
في اللحظة دي، صوت صفارات شرطة بدأ يبان من بعيد.
سليم بص لمحمود.
“إنت اتصلت بيهم؟”
محمود قال:
“لأ.”
ياسين ابتسم.
“أنا اللي اتصلت.”
سليم بص له بغضب.
“إمتى؟”
“قبل ما ندخل هنا.”
سليم لف ناحية الباب.
وكانت لحظة واحدة كفاية.
ياسين اندفع عليه.
المسدس وقع على الأرض.
محمود حاول يهرب، لكن منى وقفت قدامه.
“رايح فين؟”
محمود بص لها.
“ابعدي.”
منى ما اتحركتش.
“لأ.”
“منى، لو سمحتي…”
“أنت قضيت سنتين تخوفني.”
دموعها نزلت.
“النهارده أنا مش خايفة منك.”
محمود حاول يعدي.
لكن رجال الشرطة دخلوا في نفس اللحظة.
“ارفع إيدك!”
محمود وقف.
سليم حاول يهرب من الباب الخلفي.
لكن ياسين لحقه.
مسكه من هدومه ووقفه.
“خلصت يا سليم.”
سليم بص له.
“إنت فاكر إنك كسبت؟”
ياسين رد:
“أنا مش بلعب لعبة.”
وبعدين سلمّه للشرطة.
بعد دقائق، المكان كله بقى مليان رجال شرطة.
منى كانت قاعدة على كرسي، إيديها بتترعش.
ضابط قرب منها.
“إنتي لازم تيجي معانا علشان تسمعي أقوالك.”
منى بصت لياسين.
هو هز راسه.



